الصدر يلجم جموح الشارع العراقي استعدادا لقطف ثمار الاحتجاج

مقتدى الصدر الذي كسب جولة في الاستيلاء على الحراك الاحتجاجي بالعراق، وضبط حركة الشارع ومنعها من التحوّل إلى ثورة عارمة ضدّ نظام حكم الأحزاب الشيعية، لن يكون بمقدوره التمادي في ذلك إلى ما لا نهاية، مع تواصل تردي الأوضاع في البلاد واقتناع العراقيين باستحالة الإصلاح وحتمية التغيير الجذري.
السبت 2016/03/12
من يوقف الطوفان إذا سقطت الحواجز

بغداد - اعتبر زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، الجمعة، أنّ التظاهرات الحاشدة التي قادها في العاصمة بغداد على مدى ثلاثة أسابيع متتالية آتت ثمارها باستجابة رئيس الحكومة حيدر العبادي للإصلاح.

وجاء كلام الصدر بعد إعلان مكتب العبادي عن مطالبة الأخير الكتل السياسية والشخصيات الاجتماعية “المؤثرة” بترشيح تكنوقراط لمناصب وزارية في الحكومة الجديدة التي ينوي تشكيلها، وإصداره لائحة إصلاحات وصفها بالشاملة “لتكون خارطة طريق في جوانب العمل التنفيذي والأمني والإداري والاقتصادي والرقابي والتشريعي”.

ورغم أن خطوة العبادي لا تضيف جديدا في سياق الإصلاح الذي يطالب به العراقيون ويريدونه مؤثرا بشكل مباشر على أوضاعهم المتردّية، إلاّ أن كلام الصدر جاء بمثابة مباركة لخطوات العبادي، وإشارة إلى الشارع الذي تجاوب بقوة مع دعواته للتظاهر إلى وجوب التهدئة.

وكانت تحليلات المراقبين قد مالت إلى أنّ الصدر يستغلّ جماهيريته ليضبط حركة الشارع العراقي الغاضب من التدهور الشديد في أوضاع البلاد واستشراء الفساد، بعد أن لاح بوضوح أن الاحتجاجات المتواصلة منذ الصيف الماضي تتدرّج باتجاه أن تصبح ثورة عارمة على نظام الحكم القائم بقيادة الأحزاب الشيعية، حيث لم يستثن المحتجّون المطالبة بمحاسبة كبار قادة تلك الأحزاب والميليشيات.

وكان الصدر قد سجّل تراجعا جزئيا عن تصعيد المظاهرات، وذلك برضوخه لمطلب رئيس الحكومة بإبعاد المحتجّين عن المنطقة الخضراء المحصّنة والتي تضم أبرز مقرّات السيادة والسفارات الأجنبية.

ويبدو زعيم التيار الصدري أكثر المستفيدين من ثمار الحراك الاحتجاجي مع تحوّله “إلى زعيم إصلاحي”، وإلى ما يشبه “المرشد” الذي تفوق سلطته سلطة الحكومة.

وقال، الجمعة، في كلمة متلفزة بثت عبر وسائل إعلام وشاشات كبيرة إلى المتظاهرين وسط بغداد، وظهر خلالها مرتديا كفنا “إن تظاهراتكم قطفت ثمارها فقد أعلن رئيس الحكومة الإصلاحات بعد أن كنتم عضيدا للإصلاح. لقد غيرتم ما بأنفسكم وانتفضتم انتفاضة الأسد الشجاع لينقشع الظلام”.

زعيم التيار الصدري أكثر المستفيدين من الحراك الاحتجاجي مع تحوله إلى ما يشبه الوصي على عمل الحكومة

وأوضح “نأمل أن تكون الإصلاحات هذه المرة حقيقية غير صورية أو مجرد وعود”.

وكان الصدر يعلق على مطالبة رئيس الوزراء الكتل السياسية والشخصيات الاجتماعية “المؤثرة” بترشيح تكنوقراط لمناصب وزارية في الحكومة الجديدة.

وبذلك يكون العبادي قد أذعن لضغوط الأحزاب والكتل السياسية الرافضة لتشكيل حكومة جديدة لا تحافظ على حصصها في السلطة، وفق مبدأ المحاصصة المعمول به في العراق، والذي يطالب الشارع العراقي بالتخلّص منه باعتباره سببا من أسباب الفساد المستشري في كلّ مفاصل الدولة والذي جعلها على حافّة الإفلاس والانهيار.

وقال التلفزيون الرسمي العراقي إن لجنة مستقلة من الخبراء ستختار قائمة من بين المرشحين وتقدمها للعبادي ليختار وزراء حكومته الجديدة من ضمنها.

وتمثل هذه الخطوات محاولة من رئيس الوزراء العراقي للتخلّص من الحرج الذي وقع فيه بين شارع ضاغط بقوّة باتجاه إصلاحات حقيقية، وكتل سياسية وشخصيات ذات نفوذ كبير وقادة ميليشيات يضغطون باتجاه إفراغ عملية الإصلاح من محتواها مخافة فقدان السلطة، والخضوع للمحاسبة في قضايا فساد كبيرة ومتشابكة.

كما يعني ترشيح الكتل السياسية أسماء لشغل مناصب وزارية الحفاظ على مبدأ المحاصصة، وضمان الحصّة الأكبر للأحزاب الشيعية التي تقود الدولة العراقية.

وبالإضافة إلى آلية التعديل الوزاري المقترحة، أصدر العبادي لائحة إصلاحات وصفها مكتبه بـ“الشاملة”، وذلك “لتكون خارطة طريق في جوانب العمل التنفيذي والأمني والإداري والاقتصادي والرقابي والتشريعي”.

وينطوي الواقع السياسي العراقي على عوائق كثيرة تمنع الإصلاح، من بينها وجود كتل سياسية وشخصيات هي ذاتها مسؤولة عن تأزيم أوضاع البلد ومتورّطة في الفساد، وهي في نفس الوقت تنصّب نفسها قيّمة على الإصلاح والتغيير، وحتّى محاربة الفساد و”محاسبة” الفاسدين.

ويتوقّع أن يتضاعف الغضب في الشارع العراقي، في ظلّ تعثّر الإصلاحات ويأس المواطن العادي من تحسّن أوضاعه، كما يتوقّع أن تكون حركة الشارع عصية عن الضبط فيما لو فقد مقتدى الصدر مصداقيته، وتبيّن لرجل الشارع أنه يلعب دورا في حماية نظام الحكم الفاسد.

وخرج الآلاف من العراقيين، الجمعة، في محافظة بابل في مظاهرات حاشدة للمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد. كما شهدت شوارع كربلاء مظاهرة مماثلة لم يكن للتيار الصدري دور في تنظيمها.

3