الصدر ينهي "اللعبة" تحت قبة البرلمان العراقي ويستأنفها في الشارع

زعيم التيار الصدري وهو يبدي مرونة كبيرة في الالتفاف على أي حراك يمكن أن يهدّد نظام الأحزاب الدينية في العراق إنما يقدّم أوراق اعتماده لإيران والولايات المتحدة كرجل المرحلة القادر على حماية نظام الأحزاب الدينية وضمان استمراره، بعد أن احترق كبار رموز العملية السياسية وتشوهت صورهم وانعدمت مصداقيتهم لدى رجل الشارع.
الخميس 2016/04/21
الحسبة دقيقة هذه المرة

بغداد - أنهى رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر عمليا اعتصام النواب تحت قبّة البرلمان، ليتفرّغ مجدّدا لتطويق الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في الشارع.

ودعا زعيم التيار الصدري، الأربعاء، في بيان “إلى انسحاب النواب الوطنيين الأخيار من الاعتصام وعدم انخراطهم في المهاترات السياسية”. كما أعلن “تجميد كتلة الأحرار –التابعة لتياره- لحين عقد جلسة التصويت على الكابينة الوزارية الموسومة بالتكنوقراط”.

وبانسحاب الصدريين من الاعتصام سيغدو من المستحيل على المعتصمين تحقيق النصاب الذي يطمحون من خلاله لانتخاب رئيس للبرلمان بدلا من سليم الجبوري، وعقد جلسة يتم خلالها التصويت على حكومة تكنوقراط بالشكل الذي يرتضيه عدد من قادة التيارات السياسية الواقفة خلف الاعتصام.

ووفق إحصائية أجراها مراسل وكالة العباسية نيوز في بغداد، لم يبق من النواب المعتصمين داخل البرلمان الأربعاء غير 82 نائبا يمثلون ائتلاف دولة القانون وعددهم 65 نائبا، و5 نواب من ائتلاف إياد علاوي، و8 نواب من اتحاد القوى وائتلاف العراق، ونائبين من المجلس الأعلى الإسلامي، ونائبين كرديين.

وبإنهاء اعتصام البرلمان يكون الصدر قد أسدى خدمة جديدة لنظام الأحزاب الدينية، وذلك بعد أن كان قد نجح في تطويق الغضب الجماهيري في الشارع وتوجيهه بعيدا عن مطلب إسقاط النظام الديني والعودة إلى الدولة المدنية.

وبعودة هذا الحراك الاحتجاجي يتجه الصدر مجدّدا لتزعمه والتحكّم فيه. وقد طالب الأربعاء في ذات البيان ” بالاستمرار في الاحتجاجات السلمية كي تكون ورقة ضغط على السياسيين ومحبي الفساد والمحاصصة الطائفية البغيضة”.

وبهذه المرونة في الحركة، يبرز الصدر كرجل يمكن التعويل عليه من قبل إيران والولايات المتحدة، في هذه المرحلة العصيبة من مراحل النظام الطائفي الذي تعاونت الدولتان على إرسائه في العراق، وتبديان اهتماما واضحا بحمايته واستمراره رغم ما انتهى إليه من فشل ذريع ومن أزمات بالجملة، أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية.

وتتوارد أخبار كثيرة عن جهود واتصالات حثيثة تجريها شخصيات أميركية وإيرانية بمن في ذلك سفيرا الدولتين في بغداد مع قيادات سياسية عراقية لتطويق الأزمة والحدّ من خطرها على النظام القائم.

ويبدو الصدر أفضل من يمكن التعويل عليه في حماية نظام الأحزاب الدينية في العراق بعد أن احترق كبار رموز العملية السياسية، وتحوّلوا في نظر العراقيين إلى رموز للفساد والفشل والاقتتال على السلطة.

ومايزال الصدر يحتفظ ببعض الكاريزما، باعتباره لم يشارك بشكل مباشر في تجربة الحكم، حيث تمّ تحييده على يد غريمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

ولم يتردّد النائب أحمد الجبوري، المشارك في اعتصام البرلمان، في الإشارة إلى وجود أياد أميركية وإيرانية وراء قرار مقتدى الصدر قائلا “إن الشعب مصدر السلطات وليست السفارة الأميركية أو الإيرانية”، ومستدركا بأن “انسحاب كتلة الأحرار من الاعتصام قد يكون تكتيكيا”.

وأتاحت الأزمة السياسية القائمة في العراق لمقتدى الصدر فرصة سانحة لتحقيق هدف شخصي يتعلّق بصراعه مع نوري المالكي.

ويمثّل إفشال اعتصام البرلمان ضربة مباشرة لزعيم حزب الدعوة الذي برز نواب من كتلته دولة القانون وأقارب له في قيادة الاعتصام المذكور، في ظاهرة فسّرت برغبة نوري المالكي في الاستيلاء على البرلمان بالكامل واستخدامه منصّة للإطاحة بخلفه على رأس الحكومة حيدر العبادي وتعيين بديل عنه، ومن ثمّ تنصيب كابينة وزارية موالية له تضمن مكانته في السلطة وتحميه من المحاسبة في قضايا فساد كبيرة متراكمة على مدى فترتيه على رأس الحكومة بين سنتي 2006 و2014.

ونُقل عن مصدر نيابي قوله إن زعيم التيار الصدري لم يكن مرتاحا لتعاون نوابه مع نواب حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون في فعالية الاعتصام بالبرلمان نظرا لخصومته مع الأمين العام للحزب ورئيس الائتلاف نوري المالكي، مضيفا أنّ الصدر وبّخ حاكم الزاملي الذي كان يظهر دائما في مؤتمراته الصحافية وإلى جانبه رئيس كتلة الدعوة البرلمانية خلف عبدالصمد.

وكان الصدر قد شن هجوما عنيفا على نوري المالكي مطلع الأسبوع الحالي واستخدم عبارات نارية ضده وحمّله مسؤولية الأزمات التي يشهدها العراق قائلا ” تبا للحكومة السابقة وتبا لقائدها”.

وبعد إنهاء اعتصام البرلمان يوجّه الصدر جهوده مجددا نحو الشارع الذي يشهد حالة من الغليان المتصاعد لا يستبعد أن يتحوّل في ظل حالة الانسداد السياسي وإحباط العراقيين من تردي الأوضاع وعجز الحكومة عن الإصلاح وعن تلبية أدنى المطالب، إلى ثورة عارمة تهزّ أركان النظام القائم.

وتعليقا على ما أقدم عليه زعيم التيار الصدري قال نائب بالبرلمان العراقي، طالبا عدم ذكر اسمه لحساسية الموقف إنّ “ما يجب الإقرار به أن الانشقاق الذي وقع تحت قبة مجلس النواب لا يمت بصلة الى ما شهدته بغداد وتشهده من تظاهرات واعتصامات. فما يفكر به المتظاهرون شيء وما يحدث داخل البرلمان شيء آخر”.

وشبّه ذات النائب الذي يصف نفسه بالمحايد ما يجري في العراق اليوم بـ”لعبة شدّ الحبل بين فريقين، كل واحد منهما يحاول أن يفرض شروطه على الآخر، مستعينا بقدرته على تضليل أكبر عدد ممكن من فئات الشعب التي صارت تساهم في تلك اللعبة، من غير أن تتضح لها الأهداف والدوافع التي تقف وراءها”.

وكان الصدر قد نجح في تطويق موجة الاحتجاجات السابقة، عبر تزعمه لها. كما نجح في حماية المنطقة الخضراء التي تضمّ أهم المقرّات الحكومية والسفارات الأجنبية، عن طريق الاعتصام بمفرده داخلها كـ”ممثل” لجموع المحتجين. ورغم جهود زعيم التيار الصدري، إلا أن انفلات الاحتجاجات يظل واردا بعد أن بدأت قيادات مدنية للمحتجين تتحدّث عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن “انكشاف لعبة مقتدى الصدر”.

3