الصدر يهدد العبادي بأشكال "غير سلمية" من الاحتجاج

صعود نجم زعيم التيار الصدري بفعل ركوبه موجة المطالبة بالإصلاح يؤهّله لـ”تجديد شباب” تجربة حكم الأحزاب الشيعية في العراق التي شاخت سريعا واحترق كبار رموزها وتلوثت صورهم بالفساد، إلاّ أنه يظل أبعد ما يكون عن القدرة على تأسيس الدولة المدنية المنشودة، والتي تمثّل أساس أي إصلاح جدي وشرطا لأنقاذ الدولة العراقية من الانهيار.
السبت 2016/03/26
المهلة تقترب على الانتهاء

بغداد - جدّد الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الجمعة، تهديده بالتصعيد ضدّ رئيس الوزراء حيدر العبادي ونواب البرلمان على حدّ سواء، في حال الفشل في تقديم إصلاحات “منطقية ومقنعة”.

وطالب الصدر خلال خطبة صلاة الجمعة في بغداد والتي ألقاها نيابة عنه أسعد الناصري، رئيس الوزراء بإعلان إصلاحاته، السبت، قبل انتهاء المهلة الزمنية التي حددها ومدتها 45 يوما.

واحتشد آلاف من أنصار الصدر لأداء صلاة الجمعة عند أحد المداخل الرئيسية للمنطقة الخضراء في بغداد وسط إجراءات أمنية مشددة.

وورد في الخطبة “نتمنى على رئيس الوزراء أن يخرج، السبت، بإصلاحات جديدة مقنعة للشعب نحو حكومة تكنوقراط مستقلة ترضي الشعب وليس الكتل السياسية التي تتصارع من أجل بقائها وهمينتها على مقدرات البلاد.. وفي حال عدم إعلانه تلك الحزمة ستكون لنا وقفة أخرى نعلنها، السبت، وسوف لن نكتفي باعتصامنا أمام المنطقة الخضراء، وباحتجاجات سلمية”.

وبدأ حضور الصدر من خلال خطاباته وتوجيهاته وتهديداته للحكومة ومطالباته المتكرّرة بالتعجيل في إجراء الإصلاحات، يطغى على من سواه من قادة ورموز الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق، والذين بدأ يظهر عليهم الارتباك في مواجهة “ظاهرة الصدر”.

وفشل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة الإسلامية وصاحب أكبر كتلة في البرلمان “دولة القانون”، في استخدام “فزّاعة” الأمن للتشويش على الحراك الشعبي الكبير الذي يقوده خصمه وعدوه اللدود مقتدى الصدر الذي أبدى قدرا عاليا من الذكاء والحنكة في التحكّم بالحشود المحتجّة في العاصمة بغداد والمعتصمة على مداخل المنطقة الخضراء، ونجح في حماية حراكه من أي حوادث أمنية.

وكان نوري المالكي المتوجّس بشدّة من صعود زعيم التيار الصدري، قد حذّر سابقا من أن اعتصامات بغداد يمكن أن تؤول إلى ما آلت إليه اعتصامات مدينة الرمادي سنة 2014 والتي يقول إنها مثلت مدخلا لتنظيم داعش إلى المدينة.

إيران تراقب بحذر صعود ظاهرة الصدر وإمكانية الاعتماد عليه بعد احتراق باقي الرموز السياسية الشيعية واقتران أسمائها بالفساد

ووصل الأمر بالمالكي حدّ التهديد باستخدام القوّة ضد الصدر قائلا في بيان شديد اللهجة “الرجال بالرجال والسلاح بالسلاح”، دون أن ينجح في التأثير بحراك زعيم التيار الصدري الذي اختار اللحظة المناسبة لركوب أعتى موجة جماهيرية يشهدها العراق راهنا، موجة المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد، بعد أن بلغت أوضاع البلاد درجة غير مسبوقة من السوء على كل الصعد.

وفي حين بدأ أغلب قادة الأحزاب الشيعية في العراق يتحوّلون إلى أوراق محترقة بعد تجربة كارثية في الحكم امتدّت من سنة 2003 إلى الآن، وتحوّل جلّ هؤلاء إلى رموز للفساد وسرقة المال العام وتدمير الدولة العراقية اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا، يبدو مقتدى الصدر بصدد الاستفادة، من بقائه طيلة الفترة الماضية على هامش السلطة، إذ لم يتولّ أي منصب رسمـي واكتفى بالمشاركة في الحكومات المتعاقبة بوزراء ومدراء من تياره.

ومن هذا المنطلق يستطيع الصدر أن يلعب دورا في “تجديد شباب” تجربة حكم الأحزاب الشيعية في العراق والتي شاخت سريعا بحكم ما شابها من فساد ومن صراعات.

وفسّر متابعون للشأن العراقي الصمت الإيراني على ما يجري في العراق، بأن طهران تراقب صعود الصدر وتدرس اعتماده وكيلا لها في العراق وحاميا لنفوذها هناك، في ظلّ استحالة مواصلة الرهان على قيادات شيعية أخرى فقدت بالكامل ثقة الشارع وتحوّلت لديه رموزا للفساد واقترنت أسماؤها بتراجع الدولة العراقية في كلّ المجالات.

وأصبح لافتا ما بين زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وزعيم المجلس الأعلى الإسلامي، عمار الحكيم -وهما من نفس الجيل- من تناغم وتنسيق في الضغط على حكومة حيدر العبادي ومَنْ وراءها من أحزاب وتكتلات على رأسها حزب الدعوة، والتحالف الوطني. وقد امتنعا هذا الأسبوع عن حضور اجتماع للتحالف خصص لبحث قضية الاصلاح.

وبالنظر إلى ما يرفعه الرجلان من شعارات ومن مطالبات بإصلاحات جذرية وبتعديلات حكومية جوهرية، فإن حراكهما أشبه بالتأسيس لـ”جمهورية عراقية ثانية” للأحزاب الشيعية على أنقاض تلك التي انطلقت مع الاحتلال الأميركي وانتهت إلى فشل ذريع.

وفي حال نجاح مسعاهما فإنهما يسديان خدمة تاريخية لتجربة حكم الأحزاب الدينية في العراق والتي تشارف على الانهيار، مع تصاعد المطالبات بحكم مدني يتجاوز الاعتبارات الطائفية والعرقية ويلغي المحاصصة السياسية.

لكنّ المشكلة بحسب المختصين في الشؤون السياسية العراقية أن رجلا مثل مقتدى الصدر “ليس مؤهلا لإعادة العراق إلى وضع طبيعي، وأن الأضرار التي لحقت بالعراق منذ العام 2003، تاريخ وصول الحكّام الحاليين إلى السلطة على ظهر دبابة أميركية، هي من النوع الذي يتجاوز قدرة وكفاءة الصدر الذي لا تعني جماهيريته أنه قادر على قيادة بلد في حجم العراق وبكل ما ينطوي عليه من تعقيدات وتشعّبات”، بحسب ما ورد على لسان أحد المراقبين الذي أكّد أيضا “أن بناء دولة عراقية حديثة لا يمكن أن يكون على أيدي أشخاص لا يعرفون شيئا عن كيفية بناء الدول بمعزل عن الطائفية والمذهبية”.

3