الصدفة كأداة فنية.. معرض باريسي عن تفاعل الآلة والإنسان

أعمال فنية لعشرين فنانا في معرض "حقائق الصدفة" تتنوع بين المنحوتات وأعمال التجهيز من مختلف الأحجام جميعها تعكس انفلات الآلة من يد الإنسان.
الأحد 2018/03/04
التكنولوجيا الحديثة تزعزع اليقين البشري

زعزعت التكنولوجيا الحديثة والعلوم الفيزيائيّة اليقين البشري المرتبط بثبات قوانين الكون وصلاحيتها الدائمة، كما شكلت ضربة للفلسفة التقليديّة التي ترى أننا نعيش في عالم محكم البناء، إذ قدمت فيزياء الكمّ مثلا العديد من القوانين المحكومة بالصدفة البحتة والتي لا يمكن توقع نتائجها بدقّة، ليصبح الكون مجرد سلسلة من الاحتمالات والاستثناءات التي شكلته وتشكله بالصورة التي نعرفها، وكأن الصدفة واللايقين يحكمان العالم، إذ لا ثبات ولا حقيقة سوى الحركة  واحتمالاتها المفتوحة على اللا نهاية.

تشهد صالة مئة وواحد في باريس بالتعاون مع البينالي العالمي للفنون الرقمية في فرنسا معرضا بعنوان "حقائق الصدفة"، وفيه نرى مجموعة من الأعمال الفنيّة التي لم تكن في الحسبان، أي أنها الاحتمالات التي استثناها الفنان أو تكونت صدفة بعيدا عن إرادته، فهي مزيج بين التكنولوجيا الرقمية والأدوات الفنيّة التقليدية، لنرى أنفسنا أمام أعمال تدّعي الهشاشة، كونها وليدة صدفة أو أخطاء يصعب التنبؤ بها، وما يميز المعرض أن هذا الإنتاج الممنهج للأخطاء مقصود، كونه يعكس محاولات الفنان لاكتشاف احتمالات للعمل الفنيّ لا تخضع لسيطرته أو جهوده لإحكام عملية الإنتاج، لتصبح الصدفة وسيلة نتعرف عبرها على ما يمكن أن يحصل لو تركنا الآلات تعمل وحدها، ما يشكل تهديدا لتعريفات الفنّ ودور الفنان في صناعة العمل الفنيّ.

يقول جيل افاريز مدير البينالي إنه قبل الصدفة في الفن، كان هناك الخطأ، لكن بعد مارسيل دوشامب وميكانيك الكم، أصبح هناك صدفة مقصودة، وهي أداة تحتاج إلى أن تضبط من قبل الفنان، وهذا ما نراه في المعرض الحالي، إذ تحضر أعمال لحوالي عشرين فنانا تتنوع بين المنحوتات وأعمال التجهيز من مختلف الأحجام، وجميعها تعكس انفلات الآلة من يد الإنسان، بحيث تولد أشكال وأصوات وصور بمحض الصدفة، ولا علاقة للفنان سواء كان واعيا أو لا واعيا بإنتاجها، كحالة عمل التجهيز “نبض” للفنان مارتن موسير، الذي يتفاعل فيه الصوت مع الضوء عبر سلسلة من الأسلاك والألواح الناقلة للكهرباء، لتلتمع الأخيرة بحسب الموسيقا أو الأصوات التي تم برمجتها، إذ لا شكل ثابتا للأنساق الضوئية التي يمكن أن نراها، كون الأمر مفتوحا على عدد لا نهائي من الاحتمالات التي تتغير في كلّ مرة.

التشكيك بمفاهيم الكمال والدقّة
التشكيك بمفاهيم الكمال والدقّة

يعيد المعرض إلى الواجهة مفاهيم العمل الفني الاستهلاكي، أي ذلك القابل للنسخ والتكرار، فالتكنولوجيا الحديثة تولد أشكالا لا يمكن تكرارها، لتكون أعمالا “أصيلة” ولا يمكن أن نراها في مكان آخر أو استنساخها آليا، كون عملية إنتاجها لا تنتهي، كالجدارية الرقميّة الضخمة حيث صمم الروبوتات التي ترسمها كل من اليابانيين سوكا نو وياماغوشي تاكاهيرو، إذ تحوي مضخات خاصة تنتج أنساقا لونيّة تتغير بحسب درجة الحرارة والرطوبة وسرعة من يمر بجانبها، وكأنها عمل فنيّ يتغير في كلّ مرة نمر من جانبه.

يشكك المعرض أيضا بمفاهيم الكمال والدقّة التي تدّعي التكنولوجيا الحديثة أنها قادرة على الوصول إليها، كنُسخ طبق الأصل والطباعة ثلاثية الأبعاد التي لا احتمال للخطأ فيها، وخصوصا أن مفاهيم البرمجة والمعادلات الرقميّة تعطي انطباعا بأن احتمال الخطأ أو الصدفة مستحيل، كون كل حركة مدروسة ومضبوطة، وهذا ما يتناقض مع آلية عمل المنحوتة الضوئية البصريّة التي صممتها ألبا تريانا باسم “موسيقا على خيط مشدود 2″، والتي تنتج أطيافا ضوئية لا يمكن حسابها بدقّة بالرغم من البرمجة المسبقة لنوع الأصوات التي ستحرك الخيط، لنرى أنفسنا أمام احتمالات فقط عن الشكل الذي يمكن أن يأخذه الخيط حين اهتزازه.

أكثر ما يلفت النظر في المعرض هو المنحوتة الآلية التي صممها وبرمجها الفرنسي فابيان زوكو بعنوان “مؤسسة التفكيك التكنو-لاهوتي” والتي تتألف من هواتف ذكيّة معلقة على أذرع إلكترونية مبرمجة لتتحرك وفق تقسيمات الكتاب المقدس، وتحويل الكلمات والجمل إلى سلسلة من الأصوات والأضواء والحركات، ليتحول النص المقدس الذي يمثل كبنيّة وحدة متكاملة لا تقبل الخطأ إلى مجموعة من الاحتمالات المتداخلة للأصوات والأضواء، لينتهك زوكو بذلك مفاهيم الكمال الديني التي تنهار بمجرد تغيير الوسيط الذي ينقل المعنى، إذ يترك للمنحوتة ذاتها حريّة الحركة بصورة عشوائية، أشبه بجوقة غير مضبوطة تردد النص المقدس.

14