الصدق مع النفس.. ليبياً وعراقياً

الجمعة 2013/10/11

هل يحقّ لمن وصل إلى السلطة بواسطة أميركا، حتى لا نقول على دبابة أميركية، أن يطلق شعارات تستهدف الحصول على شعبية ما، في بلده، من منطلق أنّه معاد لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة؟

لنبسّط الأمور. هل هناك أي مسؤول ليبي حالي يحتلّ موقعا ما في رأس هرم السلطة أو حتى داخل البلد نفسه لولا القرار الأميركي الحاسم بالتخلص من نظام العقيد معمّر القذّافي؟

صحيح أنّ الأميركيين لم يتدخلوا بشكل مباشر في عملية القضاء على القوات الموالية للقذّافي، لكنّ الصحيح أيضا أنّ تدخل حلف شمال الأطلسي، خصوصا القوات الفرنسية والبريطانية، ما كان ممكنا لولا أنّ إدارة باراك أوباما اتخذت قرارا واضحا بالتخلّص من الزعيم الليبي الراحل. اتّخذت الإدارة الأميركية موقفا، لا لبس فيه، داعما للتدخل العسكري في ليبيا على خلاف ما نشهده حاليا في سوريا. وفّرت القوات الأميركية الموجودة في البحر والجوّ الغطاء المطلوب الذي مكّن القوات الأطلسية من القضاء على القذّافي، وصولا إلى أسره وإعدامه بطريقة ليست بعيدة عن الطريقة التي كان يعتمدها «القائد» في التخلّص من خصومه.

المضحك- المبكي أن هناك مسؤولين ليبيين يعترضون حاليا على تنفيذ قوات خاصة أميركية عملية في طرابلس انتهت بتوقيف ليبي من «القاعدة» يدعى «أبو أنس الليبي» يقيم بشكل عادي في العاصمة. من لا يعترض بشكل صريح على ما قام به الأميركيون يحلّ به ما حلّ برئيس الوزراء علي زيدان الذي خطفه مسلّحون سيحاولون مبادلته بـ»أبو أنس».

يحصل ذلك، علما أنّ «أبو أنس الليبي» متهم بلعب دور أساسي في تفجير السفارتين الأميركيتين في دار السلام ونيروبي في العام 1998. أدّى ذلك إلى مقتل عشرات الأميركيين ومواطنين تنزانييين وكينيين وآخرين من جنسيات أخرى. هل كان في استطاعة الإدارة الأميركية ترك «أبو أنس الليبي» يعيش كمواطن عادي في طرابلس من منطلق أن عليها لعب دور المتفرّج في مثل هذه الحال وأن القانون الدولي لا يسمح لها بخرق السيادة الليبية؟ أين كان القانون الليبي وأين كانت السيادة الليبية عندما اتخذ الغرب القرار الصائب القاضي بالانتهاء من نظام دمّر ليبيا والمجتمع الليبي بعدما بقي في السلطة إثنين وأربعين عاما.

لم يحصل حسم في سوريا لمصلحة الثورة الشعبية، وهي الأولى من نوعها في بلد عربي، لأنّ الإدارة الأميركية مصرّة على ترك الأمور تتدهور إلى ما لا نهاية فيها، نظرا إلى أنّ كلّ ما يهمّها ضمان أمن اسرائيل من جهة، والتأكد من أن البلد سيتفتت مع مرور الأيّام من جهة أخرى.

هل ما يبرّر وقوف أميركا موقف المتفرّج مما يدور في سوريا، لا لشيء سوى لأنّ الهدف المطلوب تحقق بعدما سلّم بشار الأسد السلاح الكيميائي؟ إنّه السلاح الذي كان يخشى الرئيس فلاديمير بوتين من وقوعه في أيد غير أمينة وأن يستخدم في ضرب اسرائيل، على حدّ ما جاء قي المقال المشهور للرئيس الروسي في «نيويورك تايمز» يوم الثاني عشر من أيلول- سبتمبر الماضي.

آن لبعض العرب أن يكونوا صادقين مع أنفسهم.

آن لليبيين، جميع الليبيين، الاعتراف بأن القذافي لم يعد موجودا بسبب الولايات المتحدة أوّلا، وذلك من دون تجاهل الثورة الشعبية الحقيقية التي انطلقت من بنغازي.

أكثر من ذلك، يفترض بأي مسؤول ليبي الاعتراف بأن وجوده في منصبه عائد أوّلا وأخيرا إلى الولايات المتّحدة. الأهمّ من ذلك، يفترض في أي مسؤول ليبي الاعتراف بأن ليس من العدل والانصاف ترك «أبو أنس الليبي» ومن على شاكلته الإقامة في طرابلس بشكل عادي.

إن توفير الحماية لأشخاص من هذا النوع جريمة في حد ذاتها. هل تخلصّت ليبيا من القذّافي من دون أن تتخلّص من ممارساته في مجال حماية الإرهاب والإرهابيين؟

ما الذي كان مطلوبا من الولايات المتحدة الأميركية عمله بعدما حددت مكان وجود «أنس الليبي» في طرابلس؟ هل كان في استطاعتها البقاء مكتوفة، خصوصا أنّه تبيّن المرّة تلو الأخرى أن هناك تنظيمات إرهابية تتحرك بحرية في الأراضي الليبية، وصولا إلى اغتيال السفير الأميركي في أثناء وجوده في بنغازي؟ حصل ذلك في تاريخ لم يمرّ عليه زمن. أين كان المسؤولون الليبون عندما تعرّضت القنصلية الأميركية في بنغازي لاعتداء مسّلح؟

الأكيد أن التذرّع بالسيادة وعدم جواز محاكمة مواطنين ليبيين خارج ليبيا لا علاقة لهما بالمنطق. المنطق يقول أن ليبيا ما بعد القذّافي لا بدّ أن تكون مختلفة. وذلك يبدأ بالتخلص من الإرهاب والإرهابيين بدل توفير الحماية لهم.

لا يشبه تصرّف المسؤولين الليبين حاليا سوى تصرّف المسؤولين العراقيين الذين يتحدّثون عن «السيادة» وعن «الانتهاء من الاحتلال الأميركي». كلّ مسؤول من هؤلاء المسؤولين جاء إلى السلطة على دبابة أميركية. الآن يتسابق مسؤولون عراقيون على التباهي بالتصدي للأميركيين عندما كانوا في العراق. أين يمكن أن يكون هؤلاء لولا القرار الأميركي بإسقاط صدّام حسين ونظامه العائلي- البعثي الذي أخذ العراق من مغامرة إلى أخرى أنهكت البلد وقضت على نسيجه الاجتماعي؟

هل يتذكّر هؤلاء المسؤولون العراقيون الذين يتبجحون يالسيادة حاليا، أن إيران- التي تمتلك نفوذا ليس بعده نفوذ في العراق- كانت القوة الإقليمية الوحيدة التي شاركت في الحرب الأميركية على العراق، وأمّنت الغطاء الذي كانت تحتاجه إدارة بوش الابن لاحتلال البلد العربي والوصول إلى بغداد؟

نعم، بعض الصدق مطلوب بين حين وآخر. الصدق مع النفس أوّلا. وهذا يتطلب مقدارا من الشجاعة يسمح بالاعتراف بأنه لولا أميركا لكان معمّر القذافي لا يزال على صدور الليبيين. ولولاها أيضا، لكان صدّام حسين يقضي أيّامه معزّزا مكرّما، متنقلا بين قصر وآخر، في حين يعاني شعبه من الفقر والقمع والبؤس وانعدام الحد الأدنى من الحرّية.

هناك انتقادات كثيرة يمكن توجيهها إلى السياسة الأميركية، خصوصا مع وجود رئيس متردد اسمه باراك أوباما يفضل انهيار سوريا من داخل على التدخل من أجل إنقاذ الشعب السوري.

ولكن ما لا بدّ من الاعتراف به أن أميركا أقدمت على تغيير النظام في ليبيا، وقبل ذلك في العراق. آخر من يحقّ له الحديث عن «السيادة» وعن حماية المتهمين بالإرهاب المطلوبين من القضاء الأميركي.. هم الذين ما كانوا على الكراسي التي يجلسون عليها اليوم لولا الدبابة والطائرة الأميركية.


إعلامي لبناني

8