"الصدمة والترويع" يكشف تفاصيل مؤامرة غزو العراق

فيلم يتناول عالم الصحافة ودورها في الكشف عن المؤامرات السياسية التي تتصف بالخداع وتضليل الناس.
الجمعة 2018/07/27
إصرار متناه على فضح المؤامرة

قدّمت السينما الأميركية الكثير من الأفلام التي تناولت الدور الأميركي في العراق، لكنها تجنبت الخوض في التفاصيل التي سبقت وقوع غزو العراق مباشرة في 2003، والمؤامرة التي جرت فصولها في واشنطن بعد أحداث الـ11 من سبتمبر واستغلال الاعتداءات لتدمير العراق حتى يصبح نموذجا لما يمكن للقوة الأميركية أن تنزله بالدول التي تناوئ سياساتها.

ظهرت أفلام تسجيلية عديدة تحدثت عن الدور الأميركي في غزو العراق، لكن السينما الروائية عالجت الموضوع على استحياء، إلى أن عرض مؤخرا فيلم “الصدمة والترويع” Shock and Awe (إنتاج 2018) للمخرج روب رينر، الذي يحمل الاسم الذي أطلقته الإدارة الأميركية على عملية غزو العراق.

والفيلم من نوع الدوكيو- دراما أو الدراما التسجيلية التي توثق من ناحية لما وقع من أحداث حقيقية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، داخل وخارج البيت الأبيض، كما تروي من ناحية أخرى، من خلال دراما تستند على شخصيات ووقائع حقيقية، الكثير من التفاصيل المجهولة عن علاقة الصحافة بالأحداث، وخاصة التمهيد للحرب على العراق، وسط صمت تام ومريب، كان كما يشير الفيلم، صمتا مفروضا من أعلى.

هذا فيلم عن عالم الصحافة، عن دورها في الكشف عن المؤامرات السياسية التي تتصف بالخداع ويحرص من يحيكون تلك المؤامرات على خداع الناس وتضليلهم بشتى الوسائل، وممارسة الضغوط على كل من يتجرأ ويتحدى المنظومة التي تمتلك مشروعا للتدمير لأهداف لا علاقة لها بحماية المصالح الأميركية كما تزعم. إنه ينتمي إلى السينما التي خرجت منها أفلام مثل “كل رجال الرئيس”، و”الرجل الذي أسقط البيت الأبيض” و”ذا بوست” عن العلاقة الملتبسة بين الصحافة والسياسة.

الطابع التسجيلي

الصحافي جوناثان يحاول العثور على معلومات من مسؤولة في الخارجية
الصحافي جوناثان يحاول العثور على معلومات من مسؤولة في الخارجية

يستخدم مخرج الفيلم روب رينر الكثير من الوثائق التسجيلية المصورة في فيلمه، منها مقاطع من خطابات الرئيس جورج بوش الابن، ولقطات لضرب العراق واجتياح أراضيه، ولهجمات 11 سبتمبر 2001 وردود الفعل عليها من جانب الأميركيين البسطاء.

وتظهر في الفيلم بصورتها الحقيقية شخصيات لعبت دورا كبيرا في تلك الفترة في تضليل الرأي العام الأميركي، والتمادي في لعبة سن السيوف استعدادا للحرب ضد العراق الذي اتخذ كنموذج تجرّب عليه المؤسسة الأميركية سياستها الجديدة التي كان يقودها صقور المحافظين الجدد في البيت الأبيض وما حوله، ومن هؤلاء يظهر في الفيلم سواء من خلال وثائق تسجيلية أو في ما يعادلها من الناحية الدرامية، أشخاص مثل ديك تشيني نائب الرئيس بوش الابن، ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وكولن باول وزير الخارجية، وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي وقتها، وبول ولوفيتز أحد كبار منظري سياسة المحافظين الجدد، وزميله سيء الصيت ريتشارد بيرل الذي كان يوصف بأنه “أمير الظلام” في البيت الأبيض.
ويتحرك الفيلم على ثلاثة مستويات: المستوى الأول هجمات 11 سبتمبر 2001 وتأثيرها على الشباب الأميركي من خلال شخصية الشاب الأسود آدم غرين الذي ستدفعه الاعتداءات والشحن الإعلامي والحديث المتكرر عن ضرورة الثأر لضحايا البرجين، إلى أن يتطوّع في الجيش الأميركي، يريد أن يتبع خطى والده الذي خدم في فيتنام، رغم تحذير والده من التجربة وخطورتها وشعوره بالمرارة من تجربة فيتنام.

تومي لي جونز يجسد دور مراسل حربي مخضرم معروف بمواقفه الليبرالية المدافعة عن الحريات
تومي لي جونز يجسد دور مراسل حربي مخضرم معروف بمواقفه الليبرالية المدافعة عن الحريات 

والمستوى الثاني يتناول العملية المنهجية لضخ أكبر كم من الأكاذيب وترويجها في أوساط الرأي العام من خلال الإعلام الأميركي في الصحافة والتلفزيون تبريرا لما سيحدث.

أما المستوى الثالث، وهو الأكثر بروزا ويحتل الجزء الأكبر من الفيلم، فيدور حول ما قام به صحافيو وكالة أنباء “نايت ريدر” Knight Ridder التي كانت تغذي نحو 32 صحيفة متوسطة في الولايات الأميركية المختلفة، وهي الجهة الصحافية الوحيدة التي وقفت ضد مسلسل الكذب، وأصرت على تحري الحقيقة وإطلاع الأميركيين عليها، وكانت تتابع التطورات منذ اللحظة الأولى بعد خطاب بوش الذي أعلن فيه أن “الولايات المتحدة ستواجه الإرهاب بكل قوة”.

يبدأ الفيلم من عام 2006، أمامنا لجنة في الكونغرس الأميركي تستمع لشهادات المقاتلين السابقين في العراق بغرض تحديد الميزانية الجديدة للوكالة المسؤولة عن إعالة المقاتلين السابقين وتقديم الرعاية الصحية لهم.

وفي لقطة متحركة تتابع الكاميرا تحرك آدم غرين على مقعد للمعاقين بعد أن أصبح عاجزا عن الحركة، وهو يتقدّم نحو الصف الأول، قبل أن يظهر أعضاء لجنة الاستماع ويطلب منه رئيس اللجنة الوقوف ورفع يده اليمنى قبل أن يعتذر بعد أن يدرك أنه أمام شاب أصيب بالشلل.

شهادة آدم غرين التي تأتي في بداية الفيلم صادمة، فهو يسرد بعض المعلومات المدعومة بالأرقام مثل “أن هناك مليونا و400 ألف رجل وامرأة يخدمون في القوات المسلحة حاليا.. وأنه تمر 555 يوما بين كل غزو وآخر لقواتنا لبلد آخر (يذكرنا هذا على نحو ما بطريقة مايكل مور).. 19 عاما كان عمري عندما التحقت بالجيش، 3 ساعات مرت بين وصولي إلى العراق وتدمير قافلتنا العسكرية في انفجار عبوة ناسفة.. ثم هناك رقم 6 بوصات، وهو طول الشظية التي أصابت عمودي الفقري”.

ويتوقف آدم، ثم يسأل “كيف حدث هذا كله؟”، وننتقل من لقطة قريبة لوجهه إلى عنوان الفيلم وصوت الرئيس بوش وهو يعلن أنه في تلك اللحظات يشن الجيش الأميركي حربا لتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل و”حماية العالم من أخطار داهمة”، وتنزل عناوين الفيلم تدريجيا على لقطات لقصف بغداد من خلال مقاطع متداخلة صوتيا من نشرات الأنباء. لكننا سرعان ما ننتقل (في الزمن إلى الوراء) في إيقاع سريع داخل معسكر تدريب عسكري في ولاية فيرجينيا، حيث يجري تدريب عدد من المراسلين الصحافيين من بينهم المراسل الصحافي جوناثان لانداي (وودي هارليسون) على العمل مع القوات في الخطوط الأمامية تحت ظروف قاسية تشمل التعرض للاختطاف والتعذيب من قبل العناصر المعادية.

أنباء مفزعة

جوناثان خلال التدريب على عمل المراسل الحربي
جوناثان خلال التدريب على عمل المراسل الحربي

جوناثان يقول لمدربيه إنه سبق أن عمل في 11 مكانا للقتال وتعرض للاختطاف والتعذيب والتهديد بالقتل وغير ذلك، ويطلب منهم فك القيود عن يديه، ويتجه مذعورا ليستمع إلى ما يستمع إليه الجميع معه، إلى أنباء وقوع اعتداءات 11 سبتمبر وتفجير برجي مركز التجارة العالمي. في الوقت نفسه في واشنطن يستمع الصحافي ورين ستروبيل (جيمس مارسدن) زميل جوناثان وبطلنا الرئيسي الثاني، إلى الأنباء المفزعة، وفي كولومبوس بولاية جورجيا نعود إلى آدم غرين لنرى تأثير الحدث المخيف عليه، وهو ما سيجعله يتطوّع في الجيش.

هذه الأحداث يتم ربطها معا من خلال عناوين مكتوبة تظهر على الشاشة، وهو أسلوب سيتكرر عبر الفيلم لإضفاء مصداقية على السرد من خلال الطابع شبه التسجيلي.

في واشنطن يوجد المقر الإقليمي لوكالة “نايت ريدر” التي ستصبح منذ تلك اللحظة بؤرة الفيلم ومكان التقاء البطلين اللذين سينضم إليهما في مهمتهما الكبيرة للكشف عما يحدث داخل كواليس السياسة في البيت الأبيض، المراسل الحربي المخضرم جو غالوواي (تومي لي جونز) الذي سبق أن قام بتغطية حرب فيتنام، والمعروف بمواقفه الليبرالية في الدفاع عن الحريات المدنية وبالأخص حرية الصحافة والإعلام، لكن المؤسف أن دور هذا الصحافي يتضاءل كثيرا في الفيلم، حيث يترك السيناريو المساحة الأكبر لجوناثان وزميله وورين.

دراما تسجيلية تستلهم أحداثها من وقائع حقيقية
دراما تسجيلية تستلهم أحداثها من وقائع حقيقية

ويضاف إلى هؤلاء الثلاثة مدير المكتب جون والكوت (يقوم بالدور ليس أقل من مخرج الفيلم نفسه روب رينر)، وهو صانع الألعاب والمحرك الأساسي للمجموعة والذي يصل تحديه للمؤسسة إلى الذروة. وتبدأ الولايات المتحدة كما نرى، حملتها على طالبان في أفغانستان، لكن الفيلم يقول بوضوح إن حملة أفغانستان التي استمرت 100 يوم، لم تكن سوى غطاء لعملية غزو العراق والتي كانت الهدف الأساسي لكل رجال الرئيس.

ويصوّر الفيلم كيف سيتمكن هؤلاء الصحافيون من اختراق “المؤسسة” بإصرارهم وعزيمتهم وانحيازهم المهني، وكيف يتوصلون إلى المعلومات الحقيقية لما يجري داخل “مطبخ السياسة الأميركية” من استعدادات لحملة “الصدمة والترويع” من خلال مصادر لا يسميها الفيلم، بل يكتفي بأن يقدّم أوصافا تظهر مكتوبة على الشاشة مثل “مسؤول في وزارة الخارجية”، و”محلل في الاستخبارات”، و”خبير عسكري”، و”مسؤول في وزارة الدفاع”، و”دبلوماسي أميركي”..

ويخصّص الفيلم مساحة لدور أحمد الجلبي الذي كان رئيسا لما يسمى بـ”المجلس الوطني العراقي في أميركا”، ولعب دورا أساسيا في تحريض المؤسسة الأميركية على ضرب العراق والتخلص من صدام حسين بزعم أن العراق سيصبح دولة ديمقراطية. كما سيضمن علاقات صداقة دائمة مع الولايات المتحدة، ويقوم بدور الجلبي في الفيلم الممثل الأرميني الأصل جاك توبليان. وفي أحد المشاهد البارزة في الفيلم يذهب جوناثان ووورين لإجراء مقابلة معه بناء على طلبه، فهو يريد مخاطبة الرأي العام الأميركي ودفعه إلى دعم السياسة الرسمية في غزو بلاده.

يحاصره كلاهما بالأسئلة، وكيف تمكن وهو المقيم خارج العراق من معرفة وجود أسلحة للدمار الشامل هناك؟ فيزعم أن لديه مصادر استخباراتية لمنشقين داخل العراق، لكنه لا يستطيع تقديم أدلة على ذلك.

وتنتهي المقابلة بمواجهة حادة من جانب جوناثان الذي يصفه بالمخادع والكاذب وأنه يقول كلاما لا يملك دليلا عليه، بل يشير الفيلم أيضا إلى أن الجلبي كان يطمع في الوصول إلى أعلى مراتب السلطة في العراق.

مونتاج متواز

 فيلم عن العلاقة الملتبسة بين الصحافة والسياسة
 فيلم عن العلاقة الملتبسة بين الصحافة والسياسة

في أحد أكثر مشاهد الفيلم درامية يظهر في لقطة تسجيلية السيناتور روبرت بايرد (الحزب الديمقراطي المعارض) وهو يمسك بالميكروفون ويتحدث أمام الكونغرس قبيل التصويت على قرار تفويض الرئيس بوش بشن ما يسمى “حرب وقائية” على العراق، ليحذر من المخاطرة بالانغماس في حرب شبيهة بحرب فيتنام بموجب قرار مشابه أدى إلى قتل 55 ألف أميركي.

ومن خلال أسلوب المونتاج المتوازي المعروف، تتقاطع كلمته التاريخية مع لقطات من التدريبات العسكرية الشاقة التي يشترك فيها آدم غرين، ومع صوت رئيس الجلسة وهو يعلن بالأسماء موافقة أعضاء الكونغرس البارزين على القرار: هيلاري كلينتون، جون بايدن، كيري، ليبرمان، لوت، ماكين.. إلخ.

وينتقل الفيلم في إيقاع سريع لاهث بين مقر الوكالة الصحافية والأماكن الخارجية التي يتوجه إليها جوناثان ووورين، كما يقطع بين الخاص والعام، من العلاقة العاطفية التي تنشأ بين وورين وجارته الحسناء التي تقول له إنها قرأت وحفظت كل شيء عن العالم الإسلامي وأفغانستان وتاريخ الشرق الأوسط قبل أن تقابله (دون أن ينجح الفيلم في جعلها تندمج في الحدث الرئيسي، وربما قصد بها فقط التخفيف من ثقل الموضوع)، إلى ما يقع على المستوى السياسي وتتوالى تداعياته، ثم رفض صحف كبرى مثل “نيويورك تايمز” نشر التفاصيل الحقيقية التي يتوصل إليها صحافيو “نايت ريدر”، والتي تؤكد أن رامسفيلد كان يكذب عندما كرّر فكرة وجود أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها نظام صدام، ثم يكرّرها كولن باول أمام مجلس الأمن، والتي يعترف خبراء الأمن في الفيلم بأنها قصة مفبركة.

ويتلقى صحافيو “نايت ريدر” تهديدات بالقتل عبر رسائل البريد الإلكتروني، وفي مشهد يجمع بين جوناثان وزوجته اليوغسلافية الحسناء فلاتكا التي تذكره دائما بما وقع في يوغسلافيا عندما تفكك النظام، تبدي خوفا على مصيره ومصير أسرتهما محذرة من كونه مراقبا وأن حديثهما في الفراش قد يكون مسجلا أيضا، لكن الفيلم لا يستغل هذا التهديد ويتابع تداعياته.

الانتقال بين الصور الوثائقية وأحداث الفيلم، يبدو تعليميا ويمكن أن يفيد الأجيال التي لم تعاصر الأحداث بوعي كامل، ولكن يجب الإقرار بأنه رغم أن معظمنا قد أصبح يعرف الآن الحقيقة، إلاّ أن السياق السينمائي للفيلم لا يفتقد الإثارة ويدفع إلى المتابعة كما لو كان المشاهد أمام فيلم بوليسي يحتفظ بهوية القاتل الحقيقي حتى النهاية!

16