الصراعات الأيديولوجية تقيد إصلاحات التعليم الجزائري

تعيش الساحة التربوية الجزائرية في الأشهر القليلة الماضية على وقع جدال ونقاش يخص إصلاح المنظومة التربوية التي ثبت فشلها في القدرة على إعداد جيل مستقبلي يتمتع بالمؤهلات والكفاءة العلمية التي تتيح له فرص تحقيق النجاح في حياته الدراسية والمهنية. وبين مقترحات وزارة التربية الإصلاحية وما تجده من معارضة وأحيانا من رفض لدى المتدخلين في المجال التعليمي والتشريعي والسياسي ترزح المدرسة الجزائرية تحت أوضاع متردية بالنسبة للطالب والمعلم والفضاء المدرسي عموما وتفاقم الصراعات السياسية الأيديولوجية من سوء هذه الأوضاع.
الثلاثاء 2016/04/05
بانتظار مستقبل ملتبس

الجزائر- اضطرت لجنة البرامج الدراسية في وزارة التربية الجزائرية، إلى الكشف عن الخطوط العريضة لمضمون الإصلاحات، من أجل رفع اللبس حول الاتهامات التي طالتها من طرف بعض الأوساط المحسوبة على التيارين المحافظ والإسلامي، بشأن توجهها لضرب القيم والثوابت القومية، وفسح الطريق أمام فرنسة الأجيال القادمة.

وفي هذا الشأن كشف رئيس لجنة البرامج في وزارة التربية فريد عادل، أن الإصلاحات المنتظر الكشف عن تفاصيلها لاحقا، تتضمن تقليص الحجم الساعي للسنتين الأولى والثانية ابتدائي إلى 24 ساعة، مقابل 28 ساعة في الأولى متوسط، مع تمديد السنة الدراسية إلى 36 أسبوعا، من خلال تأخير الامتحانات الرسمية والعطلة الصيفية، فيما تم الإبقاء على نفس عدد المواد وساعات التدريس، في انتظار تعزيز الطورين بأساتذة اللغة الإنكليزية لرفع الحجم الساعي لهذه المادة.

وفند المتحدث في تصريح للصحافة المحلية، وجود أي نية في فرنسة المدرسة الجزائرية، أو فرض توجه معين على لجنة تتكون من 130 عضوا يمثلون جميع مكونات ومناطق وفئات المجتمع من أساتذة ومفتشين وخبراء وأخصائيين في اللهجات المحلية، إضافة إلى أساتذة في الفرنسية والإنكليزية.

وشدد على نفي لقاء اللجنة التي يدريها مع خبراء فرنسيين لتبادل الخبرات أو الاقتراحات، كما أشيع من طرف بعض الأوساط، التي تحدثت عن استقدام الوزارة المختصة لخبراء فرنسيين من أجل الإشراف على إصلاح المنظومة التربوية.

وكانت عدة نقابات مستقلة قد استنجدت، برئيس الدولة عبدالعزيز بوتفليقة، من أجل التدخل لوقف ما أسمته بـ”الانحراف” عن مكتسبات المدرسة الجزائرية، وتأجيل مسألة الإصلاحات المقررة من طرف وزارة التربية إلى عام أو عامين آخرين، من أجل فتح نقاش حقيقي حولها بين جميع الفاعلين فـي القـطاع.

رئيس لجنة البرامج في وزارة التربية كشف أن الإصلاحات تتضمن تقليص الحجم الساعي للسنتين الأولى والثانية ابتدائي

ودعت النقابات رئيس الجمهورية إلى وقف ما أسمته بـ”الانسلاخ عن قيم وثوابت الأمة، عبر استهداف الأجيال الجديدة من التلاميذ، ببرامج تربوية تغريبية مستوردة، ترمي إلى سلخ الفرد الجزائري المستقبلي عن هويته وثوابته الروحية والحضارية، وصبغه بمنظومة فرنسية عجز الاستعمار عن تحقيقها، لكن لوبياتها الناشطة، بصدد تحقيق حلم يراودهم منذ عقود ماضية، بحجة الإصلاح وتطوير البرامج والمناهج التعليمية”.

وبحسب المدير السابق المكلف بالعلاقات الدولية والتعاون الخارجي في وزارة التربية حمزة بلحاج، الذي فجر الجدل المحتدم، فإن السرية المعتمدة من طرف مسؤولي الوزارة في تحضير الجيل الثاني من الإصلاحات، تثير الكثير من الاستفهامات.

كما تؤكد نوايا التيار الفرانكفوني، في فرنسة المنظومة التربوية الجزائرية، وحتى مسخ الشخصية الوطنية، عبر فسح المجال أمام مشاريع فكرية وأيديولوجية، لا تمت بأي صلة للشخصية والمكون الجزائري.

وأضاف “الاستعانة بخبراء فرنسيين في السرية وبعيدا عن الأضواء والشفافية، تعكس نوايا إقصاء الكادر الجزائري من المساهمة في مستقبل المدرسة الجزائرية، وحتى المستقدمون ليسوا بالأسماء البارزة في عالم التربية، وكأن الجامعة الجزائرية عاجزة عن إنتاج الكادر التربوي أو أن الهياكل المحلية تفتقد الخبرة اللازمة، حتى تتم الاستعانة بإطارات فرنسية بمستويات عادية لتقرير مصير التلميذ الجزائري”.

وتعد المدرسة الجزائرية ساحة مفضلة للصراعات الأيديولوجية، لا سيما بين التيارين المحافظ والحداثي، ففي كل مرة يفتح النقاش حول إصلاحات معينة أو أفكار جديدة، يثار جدل محتدم بين تيارات متصارعة تقوم بتصفية حساباتها على حساب التلاميذ والطلاب، بدل رسم مستقبل منفتح للأجيال القادمة.

وتمر المدرسة الجزائرية بخيبات متتالية، نتيجة تراكمات مترسبة، أدت إلى تقهقر المستوى العام، وانحدار الشهادات، وتخبط الأسرة العاملة في القطاع في مشاكل مهنية واجتماعية غير متناهية، أثرت بالسلب على أداء التلميذ ودفعت بنصف مليون تلميذ إلى التسرب سنويا، وهو ما يشكل قنبلة موقوتة تهدد المجتمع، وتفتح أمام شبابه موجات الانحراف والتطرف.

17