الصراع الإخواني الداخلي يدخل نفقا مظلما

تشهد جماعة الإخوان المسلمين صراعا داخليا يزداد حدة يوما بعد يوم. ولئن تعددت أسبابه ودوافعه وتنوعت بين من يريد القيام بمراجعة فكرية شاملة، ومن يطمح إلى إحداث تغيير جذري في نواميس تسيير الجماعة وأسسها التنظيمية والفكرية التي تشجع على العنف، فإنّ نتائجه بدت أوضح على أرض الواقع، خاصة بعد ظهور “حركة تمرد الإسلامية” التي يقول مؤسسوها إنهم يحملون على عاتقهم مهمة إحداث مصالحة مع المجتمع المصري من خلال القطع الكلي مع ممارسات الجماعة السابقة وحتى مع ما تأسست عليه من مقولات إرهابية خاطئة جرتها إلى مستنقع العنف وأوصلتها إلى الوضعية المزرية التي تشهدها الآن.
الاثنين 2015/08/17
عنف الإخوان لا يقل وطأة عن وحشية داعش

أكد وليد البرش، الخبير شؤون التنظيمات المتطرفة، ومؤسس حركة “تمرد الجماعة الإسلامية” أنّ الصراع بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين احتدم بصورة خطيرة ودخل نفقا مظلما، بدرجة لم تشهدها الجماعة منذ تأسيسها.

وقال البرش في تصريح لـ”العرب” إنّ الصراع بين أجيال القيادة في الإخوان دخل مرحلة جديدة يمكن تسميتها “الضرب تحت الحزام” (تعبير مشتق من اللعب غير الأخلاقي في الملاكمة) بعد أن تورط كل تيار في تسريب معلومات عن مكان تواجد قائد الجناح الآخر لأجهزة الأمن المصرية لتسهيل القبض عليه، وبالتالي التخلص منه.

وهو ما فعله جناح الحرس القديم الممثل في محمود عزت ومحمود حسين، حيث عمد إلى تسريب مكان تواجد محمد طه وهدان للأمن ما سهّل القبض عليه، فما كان من التيار الآخر سوى الرد بكشف مكان محمود غزلان وعبدالرحمن البر لأجهزة الأمن ليتم القبض عليهما.

ويلفت تزايد الخلافات وتنوعها، مع غياب الكوابح الأخلاقية، إلى أنّ تنظيم الإخوان المسلمين يمرّ بمرحلة شديدة الحرج، قد تنتهي إلى تفكيك الجماعة نهائيا، خاصة أنها اعتمدت طوال فترة وجودها على مبدأ السمع والطاعة، ونجحت بفضله في البقاء طوال أكثر من ثمانية عقود، كذلك في إخفاء خلافاتها، بعكس ما يحدث حاليا.

وقد دفعت الخلافات التي تشهدها الجماعة اليوم، قيادات التنظيم الدولي للتدخل وإطلاق مبادرات للتهدئة بين الجانبين الأمر الذي ساهم نسبيا في إطفاء نيران الأزمة مرحليا، ولكنها سرعان ما ستشتعل مجددا في ظل عدم لجوء التنظيم الدولي لحلول حاسمة تقضي على الصراع، على حدّ تعبير البرش.

الفترة السابقة شهدت اندفاع عدد كبير من قواعد الإخوان لمبايعة داعش بعد أن فقدوا الولاء لوطنهم

وحول أهداف حركة تمرد الجماعة الإسلامية التي أسسها، على غرار تمرد المدنية التي حركت المياه بقوة تحت أقدام الإخوان وأزاحت حكمهم، أكّد البرش أن الحركة تسعى لإخضاع الجماعة أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون وأحكامه، وإخضاع أنشطتها الدينية والتعليمية للأزهر الشريف، وإلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة المعروف بـ”نظرية الطوبة” (وهي نظريًا طاعة مقيدة بعدم مخالفة الأمير أو القائد للشـرع، وعمليًا هي طاعة عمياء للمشايخ والقيادات) لتحرير إرادة أفرادها وعقولهم وقطع الصلات مع كل من يضر بالأمن القومي المصري.

مستقبل لا يختلف عن الحاضر

في ما يتعلق بما يروّج عن قصور تأثير حركة “تمرد الجماعة الإسلامية” في صفوف الجماعة، فنّد وليد البرش ذلك قائلا “إنهم نجحوا في تحريك قيادات إخوانية كانت قد استكانت إلى الأمر الواقع منذ سنوات، مثل الشيخ كرم زهدي وفؤاد الدواليبي، كما نجحوا في رفع سقف الناقشات بين أفراد الجماعة من خلال طرح مواضيع كان مجرد التفكير فيها من قبل يعدّ رجسا من عمل الشيطان”.

وليد البرش: مستقبل الجماعة لا يختلف عن حاضرها في ظل سيطرة التكفيريين عليها

وأضاف، “أنّ أهم نجاحات الحركة تتعلق بتوعية المجتمع، أنّ هناك من أبناء الجماعة من يحب الخير لهذا الوطن ويسعى إليه، وليس كل عناصرها إرهابيون، مثل عاصم عبدالماجد وطارق الزمر”، معربا عن قناعته “أنّ قادة الجماعة الإسلامية لن يكون أمامهم سوى الانصياع لخطة تمرّد الإصلاحية، بعدما باتت الخيار الوحيد المتاح أمامهم للحفاظ على التنظيم نفسه، خصوصا بعد أن لفظه الشعب، بسبب تورط قادته وأعضاء مجلس الشورى التابعين له في التحريض وممارسة أعمال دموية وإرهابية”.

وبشأن مستقبل الجماعة الإسلامية بعد رحيل عصام دربالة، مؤخرا، أكد “أنّ مستقبل الجماعة لا يختلف عن حاضرها في ظل سيطرة التكفيريين على مقاليد الأمور بداخلها”، مشيرا إلى أنّ الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بعد انقلابها على مبادرة وقف العنف التي أطلقت عام 1997، وفقدت عقولها المفكرة بعد الإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم، وفقدت أي دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

وأكّد أنّ التيار القطبي (المؤمن بأفكار سيد قطب في تكفير المجتمع) في الإخوان نجح في السيطرة على الجماعة الإسلامية، عن طريق ضخ ملايين الجنيهات في أرصدتها، وتحالف مع التيار التكفيري من قيادييها، وزادت السيطرة بعد أن وفر الإخوان ملاذات آمنه لقادة الجماعة المطلوبين في قطر وتركيا.

وقد أسهم كل ذلك، وفق تعبيره، في سحب سلطة اتخاذ القرار من أيدي القيادي أسامة حافظ ورفاقه، وبالتالي فلا يمكن تصور أن تفض الجماعة تحالفها مع الإخوان التي لم يبق لها سوى حضنها.

تقارب إخواني داعشي

دفع الخطاب التكفيري الذي صدر من أعلى منصة رابعة العدوية، خلال الاعتصام الذي نفذه الإخوان المسلمون بالميدان سنة 2013، عددا من شباب الإخوان للانضمام إلى تنظيم أنصار بيت المقدس الذي غير اسمه لاحقا ليصبح “ولاية سيناء” بعد مبايعة لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وفق البرش، الذي أكّد أنّ تلك الفترة شهدت اندفاع عدد كبير من قواعد الإخوان لمبايعة تنظيم الدولة الإسلامية، بعد أن فقدوا الولاء لوطنهم خلال ذاك الاعتصام المشبوه. وأوضح أنّ الجماعة تعتبر الوجه الآخر للإرهاب، وهي نتيجة توصل إليها بعد دراسة القواعد التي أعدّها حسن البنا مؤسّس الإخوان ليحكم علاقة الجماعة بالإرهاب.

الخطاب التكفيري الذي صدر من أعلى منصة رابعة العدوية دفع عددا من شباب الإخوان للانضمام إلى تنظيم أنصار بيت المقدس

وأول تلك القواعد الزّعم أنّ الإخوان هم الإسلام، وأنهم في حرب مستمرة مع أعدائه الذين لا يريدون أن تكون “كلمة الله” هي العليا، وهو ما يفرض وجود تنظيم مسلح لحماية العقيدة الإخوانية، فنشأ على إثر ذلك التنظيم الخاص الذي يمكن اعتباره أول لبنة في فكرة لجوء الجماعات المتطرفة إلى الإرهاب، وهو الذي خرجت من تحت عباءته كلّ التنظيمات المتشددة لاحقا سواء في مصر، مثل الجهاد والجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة، أو في دول مجاورة مثل القاعدة وداعش وغيرها.

ووفقا لهذا التحليل توصل الجهادي السابق، إلى أنّ تنظيم الإخوان لا يختلف كثيرا عن داعش، فلو سمحت الظروف وأُتيحت الإمكانيات التي يمتلكها داعش لعناصر الإخوان أو الجماعة الإسلامية لارتكبوا نفس جرائم هذا التنظيم، فهؤلاء جميعاً يعتقدون أنهم مأمورون بقتال العالم وأنهم في حالة حرب معه حتى يدخل في الإسلام، وأن قيم التسامح والعفو والصفح لا توجد في قاموسهم، وهو ما يجعلهم ينكفئون على أنفسهم ويعيشون بنفس ثقافة “الجيتوهات” اليهودية، وفق تعبيره.

وكشف البرش مردّ سيطرة الجماعة على مساجد الصعيد، أنّ وزارة الأوقاف مخترقة من طرف التنظيمات الإسلامية إلى درجة أنّ المسؤول عن مساجد مصر بالوزارة، كان عضوا بارزا في حزب البناء والتنمية (الذراع السياسي للجماعة الإسلامية)، وهو ما سهل للجماعة السيطرة على مساجد الصعيد بصورة سمحت لأسامة حافظ، صاحب الفكر التكفيري، بإلقاء خطبة عيد الفطر داخل أحد مساجد الوزارة .

وأشار الجهادي السابق إلى أنّ مصر تحتاج إلى تجديد الخطاب الديني عن طريق تطبيق معايير الجودة العالمية على الدعوة، وتقييم أداء الدعاة والمنابر الدعوية وتنقية الدين ممّا علق به من ممارسات وآراء فقهية، لا تمت لأصوله بصلة، بالإضافة إلى إصدار قانون لتنظيم الفتوى.

7