الصراع التبشيري بين الكنائس يؤرق المسيحيين المصريين

الخميس 2016/12/08
مصريون أرثوذكس في أميركا، معقل الكنيسة الإنجيلية

القاهرة - مثلما يستخدم المتشددون الإسلاميون مصطلحي “كُفر” و“تكفير”، فإن المتشددين في الدين المسيحي، يستخدمون مصطلحي “هرطقة” و“الخروج عن الدين”، ويعتقد هؤلاء المتشددون، في كلا الدينين، أنهم هم فقط من يمتلكون الدين الحق.

كشف أحد القساوسة الأرثوذكس، لـ“العرب”، أن خطة الإنجيليين للتبشير، لا يتم تنفيذها بأياد خارجية، لكن من خلال شخصيات كنسية لها مصداقيتها داخل الكنيسة نفسها، وبالفعل حاكمت الكنيسة بعض القساوسة، وتم منعهم من التعليم، بعد ترويجهم للفكر الإنجيلي.

وواجه البابا تواضروس الثاني (بابا الأقباط الأرثوذكس)، خلال الأعوام الماضية، انتشار جماعة عاطف عزيز، المعروفة بكنيسة “العهد الجديد”، التي بدأت تنشط في أميركا، وتجتذب أقباط المهجر إليها.

وعقدت الطائفة الأرثوذكسية مؤتمرات للتوعية بخطورة “اللاطائفية” والإلحاد، كان آخرها مؤتمر في شهر أكتوبر الماضي للشباب القبطي الناطق باللغة العربية، في جنوب كاليفورنيا، بعنوان “ضد التيار”.

الجديد في الأمر، أن ما تعاني منه الكنيسة الأرثوذكسية، بدأ يتغلغل إلى الكنيسة الإنجيلية أيضا، ففي الوقت الذي ينكر فيه القس سمعان معتنقات الفكر الأرثوذكسي، خرق القس الإنجيلي، سامح موريس، راعي كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية، العقيدة البروتستانتية التي لا تؤمن بظهور القديسين أو بشفاعتهم، وأصدر بيانا عبّر فيه عن فرحته بما اعتبره ظهورا للعذراء فوق إحدى الكنائس الأرثوذكسية وباركه، مما دعا البعض إلى مطالبته بالرحيل وانضمامه إلى طائفة الأرثوذكس، إن كان يؤمن بمعتقداتهم ويبشر بها.

منذ أيام، وللمرة الثانية، خلال عامين، خضع موريس لمساءلة داخلية في مجمع القاهرة الإنجيلى، بعدما اتهم في عظته عن فريضة العشاء الرباني، على منبر كنيسته، “أن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد ودم المسيح الحقيقيين”، وهى أفكار ثابتة في عقائد الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، الأمر الذي يُناقِض الفكر الكتابي الإنجيلي عموما، والفكر “المشيخي” المسيحي خصوصا.

الباحث نبيل نجيب سلامة، المسؤول الإعلامي بالهيئة القبطية الإنجيلية، أشار إلى أن تحويل القس سامح موريس أمام مجمع القاهرة الإنجيلي، للاستماع إلى وجهة نظره أمام إحدى اللجان الداخلية، هو نتيجة لخطأ إداري وليس لاهوتي لمعرفة وجهة نظره بعد ورود شكاوى منه من أحد القسيسين.

ما يقوم به القساوسة الآن، وما يتم اتخاذه ضدهم من القيادات الكنسية، يعيد إلى الواجهة قضية “التبشير” بين الطوائف المسيحية في مصر، وهو الصراع الذي يطفو على السطح بين الحين والآخر، وتدور رحاه رغم ترديد شعار “الوحدة”، الذي تؤكد عليه الكنائس.

واعتبر الباحث القبطي، عماد توماس، أن ما فعله بعض القساوسة الأرثوذكس، والقس الإنجيلي سامح موريس، يعد أمرا غريبا، إذ أن المعتاد هو أن يقوم أحد أتباع المذاهب المسيحية في مصر بالتبشير لجذب أتباع المذهب الآخر إليه، لكن أن يقوم أحد أتباع مذهب معين بالتبشير لصالح مذهب آخر ضد مذهبه هو، والترويج للأفكار المخالفة، فهذا أمر غير مألوف.

وفسرت بعض المصادر القبطية ما قام به موريس، بأنه “خدعة إنجيلية”، وحيلة جديدة، تتبعها الكنيسة الإنجيلية، في إطار حرب التبشير ضد الكنيسة الأرثوذكسية.هذا التفسير دعّمه إعلان الكثير من القساوسة الإنجيليين، وعلى رأسهم القس سامح موريس، إعجابهم بالقمص مَتّى المسكين(أرثوذكسي)، وتوزيعهم كتبه بين أتباعهم، وبدا الغرض من ذلك بالفعل جذب أتباع المسكين إليهم.

وكشف مصدر كنسي أرثوذكسي لـ“العرب”، أن الزحف الإنجيلي نجح في استقطاب الآلاف من الأقباط الأرثوذكس، خاصة في محافظة المنيا بالجنوب، وامتد حتى الإسكندرية، وأن هذا الزحف رصدت له الكنيسة الإنجيلية الأميركية المليارات من الدولارات لإتمامه.

غير أن رئيس الطائفة الإنجيلية، الدكتور أندريه زكى، نفى هذا الأمر قائلا “إن مبدأنا واضح، وهو أن كل مسيحي يصلي في كنيسة لا نريده أن يترك كنيسته، سواء كان كاثوليكيًا أو أرثوذكسيا، لكن إذا كان هناك مسيحيون- وهؤلاء كثيرون- لا يذهبون إلى أي كنيسة، وتمت دعوتهم إلى الصلاة، فهذا إيجابي”.

اشتداد الصراع بين الطوائف المسيحية، ظهر جليا، في نهاية القرن التاسع عشر، حيث سعى البروتستانت لجذب أكبر عدد ممكن من الأقباط، في الوقت الذي اكتفت فيه الكنيسة الأرثوذكسية بالصدام، وطرد الذين يتبعون أفكار الكنائس الأخرى.

واتخذت الكنيسة الأرثوذكسية قرارات لمواجهة ما أطلقت عليه الكنيسة “التغلغل الإنجيلي”، ودرست ما تتميز به الكنائس الأخرى، وتقوم بتطبيقه بداخلها، وواجهت البروتستانت بتمصير الألحان والتراتيل، وإقامة المهرجانات وتطوير التعليم الكنسي، وإقامة الأنشطة المختلفة.

الأمر الأخطر، الذي صرح به مصدر كنسي لـ“العرب”، رفض ذكر اسمه، أنه بينما انشغلت الكنائس بصراعها ضد التبشير، تغلغلت بعض الجماعات والحركات المسيحية المغايرة للكنائس لجذب الأقباط في الداخل والخارج، وهي حركات تزعم أنها طوائف مسيحية في مصر، ومن تلك الجماعات على سبيل المثال، جمعية حملت شعار “يسوع يكره التدين”، وهدفها إقناع الشباب الذي لا يذهب إلى الكنيسة، بأن الله يكره الممارسات الدينية، وسلطة رجال الدين، وهو ما سيؤدي إلى تفشي الإلحاد على المدى البعيد.

13