الصراع الجديد الأميركي الإسرائيلي وأمن الشرق الأوسط

الأحد 2015/04/19
نتنياهو أوباما تنافر قديم جديد

واشنطن - لم تعد خافية درجة توتر العلاقة والخلافات المتجددة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فالكيمياء، كما يقال، غير متفاعلة بين الرجلين، من بداية الولاية الأولى للرئيس أوباما، وليس الآن وحسب، لتلعب عناصر عديدة دورها في تأجيج الموقف محولة إياه إلى صراع جديد، وعلى رأس تلك العناصر الملف الإيراني الذي تراه تل أبيب عاملاً خاملاً بالمعادلة المطروحة من قبل إدارة اوباما.

تقريع أوباما

نتنياهو الذي بدأ ولايته الثانية كرئيس للوزراء بعد فترة قصيرة من تولي أوباما منصبه في العام 2009، أصر على أن التوصل إلى أيّ اتفاق عن طريق التفاوض مع إيران هو “تفكير الساذج”، هذه الرؤية كانت بداية الصراع بين السياستين وليس فقط بين الرئيسين. ليتطور الأمر بعد متغيرات العالم العربي، حين خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي من المكتب البيضاوي محاضرا ومتحدياً أوباما لمدة سبع دقائق أمام كاميرات الإعلام في مايو 2011 حول محادثات السلام مع الفلسطينيين.

جيسيكا روزنبلوم مديرة الاتصالات والاعلام في منظمة الـ”جي ستريت” (البيت السياسي لداعمي اسرائيل) وهو لوبي يهودي أميركي ليبرالي مقرب من الإدارة الأميركية، قالت لـ”العرب” إن هناك توتراً دائماً وأزمة مزمنة متصاعدة وواضحة بين الرئيسين، مضيفةً أنها تعتقد “أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة تمر بلحظات صعبة للغاية، ما يوجب على اللوبيات اليهودية وأصدقاء اسرائيل وأميركا العمل على تحسين العلاقة بين الرئيسين، والمضي قدما في الاتجاه الأفضل لرأب الصدع، وذلك بتذكير الطرفين بالعلاقة التاريخية والقوية بين البلدين، والتي تعتمد على أساس القيم والمصالح المشتركة والالتزام المشترك بالأمن ومبادئ الديمقراطية”.

وأكدت روزنبلوم لـ”العرب”: احترام الدولتين لسياسات كل منهما الداخلية، ملمّحة إلى خطاب نتنياهو في الكونغرس الأميركي الذي كان غير لائق من وجهة نظر كثير من المحللين في واشنطن.

ويتفق ديفيد ماكوفسكي كبير الباحثين في مشروع زيغلر ومدير مشروع عملية السلام في الشرق الأوسط في معهد واشنطن، بوجود “أزمة” كبيرة تدور رحاها اليوم، بين الرئيسين، مشيراً إلى أن الخلاف يتمحور حول وجهات النظر لأولويات منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية.

يقول ماكوفسكي لـ”العرب”: لا شك أن إيران هي النقطة الأساسية في الخلاف حيث يرى نتنياهو أن الرئيس أوباما يغيّر توازن القوى في الشرق الأوسط ولا يريد أن يستمع إلى الرأي الناقد له والتساؤلات حول العواقب في حال فشل الاتفاق مع إيران، وفي المقابل يرى الرئيس أوباما أن تركيز الطرف الإسرائيلي على مباحثات السلام والتوصل إلى حل مع الفلسطينيين هو الوسيلة الأفضل لوقف التطرف والجهاديين في منطقة الشرق الأوسط التي تتخذ من فلسطين ذريعة لتصاعد الإرهاب.

جيسيكا روزنبلوم مديرة الاتصالات و الاعلام في منظمة الـ"جي ستريت" (البيت السياسي لداعمي اسرائيل) تقول لـ"العرب" إن "العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة تمر بلحظات صعبة للغاية، ما يوجب على اللوبيات اليهودية وأصدقاء إسرائيل وأميركا العمل على تحسين العلاقة بين الرئيسين، والمضي قدما في الاتجاه الأفضل لرأب الصدع"

يعتقد ماكوفسكي أن كلا الرئيسين “يرى العقبة والمشكلة من وجهة نظره، ولكن التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي بين البلدين قويّ أكثر من ذي قبل ولا يمكن أن يتأثر بهذه الأزمة، إذ لا يمكن أن تكون إسرائيل قوية إلا إذا كانت على علاقة وثيقة بالحليف الأميركي”.

إيران ويهود أميركا

تباين الآراء في المجتمع اليهودي الأميركي الناخب حول الاتفاق المبدئي في الملف النووي الإيراني النووي، يعكس عمق الأزمة في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، حيث يظهر انقسام كبير بين من يؤيد الاتفاقية النووية ومن يشكك بها.

منظمة الـ”جي ستريت” التي تنتهج خطا مقرباً جداً من الديمقراطيين بشكل عام ومن أداء أوباما بشكل خاص، طرحت استطلاعاً للرأي في مطلع انتخابات العام 2014 حول رأي اليهود الأميركيين في اتفاق إيراني أميركي محتمل، لوقف أو منع إيران من امتلاك قوة نووية، لتظهر الأرقام أن ما يقارب 84 بالمئة من أصوات الناخبين اليهود الأميركيين تؤيد الرئيس أوباما في مفاوضاته مع إيران وذلك من مبدأ الالتزام بأمن إسرائيل، وتؤكد جيسيكا روزنبلوم أن نتائج هذا الاستطلاع ونسبته المرتفعة كانت مفاجئة للجميع بمن فيهم البيت الداعم لإسرائيل.

بينما يختلف ديفيد ماكوفسكي مع روزنبلوم قائلاً لـ”العرب”: إن هناك استطلاعات للرأي مخالفة لما توصل إليه استطلاع منظمة الـ”جي ستريت”، فمثلا استطلاع الرأي الذي قامت به جريدة الوال ستريت كشف عن أن ما نسبته 68 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن إيران لن تلتزم بالاتفاق.

ويضيف ماكوفسكي أنه “رغم إظهار إيران نيتها بالالتزام بخطة العمل المشتركة خلال مراحل المفاوضات الأولى، فإن أزمة الثقة ما زالت موجودة لدى المجتمع اليهودي الأميركي حول التزام إيران بوعودها. حيث ما تزال بعض التفاصيل حول هذا الاتفاق المبدئي غير واضحة لكثير من الأطراف، ويبدو أن فصل المسألة سيكون في الكونغرس وهي الطريقة الوحيدة للإجابة عن التساؤلات الكثيرة في واشنطن من قبل مهندسي السياسة الأميركية في المجتمع الداعم لإسرائيل وغيرهم من الحزب الجمهوري.

ومن الأمور المراد الاستفسار عنها، حسب ماكوفسكي، طلب إيران الرفع الفوري للعقوبات الاقتصادية عنها. والسؤال يبقى مفتوحاً عمّا إذا تم رفع الحظر عما يقرب من 130 مليار دولار عن طهران، وهذا هو المبلغ المصادر من قبل المجتمع الدولي والأمم المتحدة، فما هي الضمانات على أن طهران لن تستثمر هذه الأموال في تخصيب اليورانيوم أو بناء مواقع نووية أخرى؟ أو ما هي الضمانات في أنها ستوقف دعمها لسوريا ولحزب الله في لبنان وللحوثيين في اليمن وبعض الفصائل الفلسطينية التي تهدد أمن اسرائيل؟

تنطلق الإدارة الأميركية ورئيسها من أن الاتفاق الإيراني يتعلق فقط بجزئية البرنامج النووي، ولكنّ ناقدي أوباما والاتفاق وخاصة من الناخبين اليهود في أميركا ينطلقون من القلق من رفع العقوبات الفوري عن إيران وتأثير ذلك على أمن اسرائيل وممارسات طهران بدعم الجماعات الإرهابية على حد تعبيرهم.

جيسيكا روزنبلوم تؤكد رغبة داعمي إسرائيل في أن يتوسع الحوار بين إيران وأميركا ليضم بعض القضايا التي تتعلق بالمنطقة مثل دعم إيران للمنظمات الإرهابية كما سمّتها وخاصة التي تهدد أمن إسرائيل، وتقول إن على طهران تحسين ملفها الخاص بحقوق الانسان، ولكنها تؤمن أيضاً أن إدارة أوباما محقّة بالتوجه إلى البحث عن اتفاق مع إيران والعمل على تحسين عملية التفاوض والعمل على تقوية الثقة بين الأطراف المتفاوضة للوصول إلى حل نهائي يمنع طهران من الحصول على قدرة نووية قادرة على تطوير أسلحة نووية تهدد أمن إسرائيل.

العرب والإسرائيليون

للمرة الأولى يلتقي العرب والإسرائيليون حول الملف الإيراني وسياسات طهران التوسعية في المنطقة، كما يرى ماكوفسكي الذي يقول “إن بعض الدول العربية السنية تعتقد بوجود اتفاق أميركي إيراني على حسابها، ولكن في الحقيقة لا أعتقد أن هناك تفاهماً إقليمياً قد نشأ حتى الآن، نحن نطالب الدول العربية وإسرائيل أن يعلموا بأن أمامهم التحديات ذاتها، والمشاكل المتمثلة في نفوذ إيران وسياساتها في المنطقة، بالإضافة إلى الجماعات المتطرفة كداعش وجبهة النصرة”، متمنيا وجود وعيٍ من قبل جميع الأطراف لهذه التحديات، لتتكاتف الجهود من قبل الجميع للوقوف بوجهها.

ديفيد ماكوفسكي كبير الباحثين في مشروع زيغلر، يعترف لـ"العرب" بوجود "أزمة" كبيرة تدور رحاها اليوم، بين الرئيسين، مشيرا إلى أن الخلاف يتمحور حول و جهات النظر لأولويات منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية

في ما يتعلق بالمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية وحل الدولتين، لم توفّر الإدارة الأميركية فرصة لانتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خصوصا بعد خطابه في الكونغرس الأميركي حول الاتفاق الإيراني، وتسريب بعض نقاط المباحثات في خطابه قبل أن يتم انتخابه بأسبوع واحد، وتصريحه أيضاً بأنه لن يسمح بقيام دولة فلسطينية مادام هو في السلطة، ووعوده بمواصلة بناء المستوطنات.

من وجهة نظر معهد واشنطن للشرق الأدنى والمقرب من منظمة الأيباك (لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية والتي تعمل كمجموعة ضغط تدافع عن السياسات المؤيدة لإسرائيل في الكونغرس) فإن تصريحات نتنياهو مجرد تكتيك انتخابي للحصول على أصوات اليمين المتطرف في إسرائيل، ولكن من المبكر الآن، القول إن المفاوضات قد توقفت أو تعثرت، لا سيما وأن الحكومة التوافقية الإسرائيلية لم تتشكّل بعد.

ومن وجهة نظر رئيس الوزراء نتنياهو فإن إدارة أوباما كانت قد رفضت مشروع سلام في العام الماضي، وأنه ليس هو من يعطل المباحثات، بل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومته، وأن إدارة أوباما تكيل بمكيالين بخصوص المباحثات ولا تنتقد أداء عباس المعطل للمباحثات بل تسلط الضوء على الطرف الإسرائيلي فقط.

ماكوفسكي يرى أنه من الضروري على نتنياهو أن “يخرج إلى الإعلام ويقول صراحة إن بناء المستوطنات هو في المنطقة الخضراء وهي بطبيعة الحال أراضٍ إسرائيلية ولا يوجد أيّ نشاط استيطاني خارج (الجدار العازل).

ولكن يبدو أن نتنياهو مازال يخاف اليمين المتطرف الذي يتهمه بوقف عملية الاستيطان في كل مكان هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفلسطينيين لا يثقون بأنه لن يبني مستوطنات في أراضيهم، لذلك نجد أن نتنياهو هو الخاسر على جميع الأحوال.

ولكن مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط المنتهية ولايته روبرت سيري له وجهة نظر مختلفة، حيث أكد أن النشاط الاستيطاني غير مشروع خارج الجدار العازل، وأنه يقتل احتمال التوصل إلى سلام استناداً إلى صيغة دولتين وشعبين. وكان سيري يائسا جداً من الممارسات الإسرائيلية في الاستيطان حيث قال إنه لا يدري إذا ما كان الأوان قد فات بالفعل.

المجتمع اليهودي الأميركي الليبرالي يرى أن حل الدولتين صعب الآن، بعد نجاح اليمين المتطرف في إسرائيل، وأن عملية السلام والمؤمنين بحل الدولتين في أزمة كبيرة، وأن هذا بات واضحاً ليس فقط من خلال خطاب نتنياهو قبل الانتخابات، بل عبر أفعاله خلال السنوات الماضية بعد توليه رئاسة الوزراء. لذلك فإن منظمة الـ”جي ستريت” تبدي قلقها من تشكيل نتنياهو لتحالف حكومي أكثر يمينية، لعلّه سيكون الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل على الإطلاق وهذا ما سيؤثر بشكل سلبي على عملية السلام وحل الدولتين.

أندور تابلر المتخصص في الشأن السوري والمصالح الأميركية في المشرق يقول لـ"العرب" إن أوباما ونتنياهو "كانا متخوفين في البداية من المجهول السوري، في ما يتعلق بالجهاديين وضعف المعارضة لقيادة مرحلة جديدة، ولكن مع التطور في الملف النووي الايراني، فإننا يمكن أن نشهد تغيرا في سياسة إسرائيل حول الملف السوري"

سوريا بين أميركا وإسرائيل

الحرب في سوريا تدخل عامها الخامس، وقد أصبح لدى إسرائيل نوع من اليقين أن هناك تغيرات مصيرية لدى الجارة الشمالية، ومع اليقين بهذه التغيّرات فقد اعترفت الحكومة الإسرائيلية أن ما يحصل في سوريا هو الأكثر دموية في فصل الربيع العربي وأنه لا توجد نهاية لهذه الأزمة تلوح في الأفق القريب.

إسرائيل الجارة “العدوة” لأكثر من خمسة وستين عاما، لم تعانِ من أزمة لاجئين مثل الأردن ولبنان، ولكن ما كان يهددها ويشعرها بالقلق أول الأحداث هو تفكّك الحكومة المركزية في دمشق، ونمو الجماعات الجهادية على الحدود الشمالية وخاصة بعد عملية اختطاف سبعة وأربعين جندياً من قوات حفظ السلام من قبل عناصر جبهة النصرة (الجناح السوري للقاعدة) على الحدود الإسرائيلية السورية العام الماضي.

ويعتقد ماكوفسكي أن أوباما ونتنياهو على اتفاق في وجهة النظر في ما يتعلق بالملف السوري، وأنه لا يمكن التدخل وأخذ القرارات الحاسمة بخصوص سوريا، لا سيما وأن إسرائيل قد تعلّمت من درس لبنان في العام 1982 ولذلك فإن تل أبيب لا يمكن أن تتدخل بشكل مباشر لهندسة أيّ نزاع داخلي سوري، كما أنها تعلم تماماً متى وكيف تتدخل وذلك عن طريق التعامل مع نظام الأسد في حال قام بنقل أيّ أسلحة لحزب الله، من هنا سنرى تدخلا إسرائيلياً وبشكل مباشر، وشهدنا ضرب إسرائيل لمواقع الأسد بشكل مباشر لوقف تزويد حزب الله بأسلحة مقدمة كمكافأة لمشاركته في قمع المعارضة السورية. ولا توجد أيّ رغبة لدى الرئيسين للتدخل في هذا الملف المعقد.

من جهة أخرى أكد أندور تابلر كبير الباحثين في الشأن السوري في معهد واشنطن أنه في البداية كان الرئيسان أوباما ونتنياهو متخوفين من المجهول، خاصة في ما يتعلق بموضوع الجهاديين وضعف المعارضة السورية لقيادة مرحلة جديدة.

وأضاف تابلر لـ”العرب”: ولكننا يمكن أن نشهد تغيّرا في سياسة إسرائيل نحو الملف السوري وخاصة بعد أن تنبهت تل أبيب لخطر النفوذ الشيعي الإيراني المتزايد في الجبهة الجنوبية في سوريا، لذلك فإن إسرائيل تشعر اليوم بقلق بالغ إزاء توسع نفوذ إيران وحزب الله وتزايد القوات الشيعية العراقية والحرس الثوري وبرنامج تدريبها لقوات الدفاع الوطني السوري التي تتبع لنظام الأسد. لا شك أن اتفاق إيران النووي سيكون منعطفا هاما في الملف السوري.

7