الصراع الرقمي بدأ للتوّ: هل تنهي القوانين الأوروبية المراقبة الأميركية

السبت 2015/10/17
كفاح طالب حقوق سد ثغرة تجاوز قوانين الخصوصية الأوروبية

لندن - لا يحدث كثيرا أن يتصدى مواطن عادي لوادي السليكون ويضع عراقيل في الممارسات التجارية لبعض من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، وكل ذلك مع إشعال شرارة حدث دبلوماسي مؤسف بين الولايات المتحدة وأوروبا.

لذلك كان ماكس شريمس، طالب القانون النمساوي البالغ من العمر 28 عاما، في حالة من البهجة المفهومة، الأسبوع الماضي، بعد أن سجل فوزا غير متوقع.

فوز شريمز القانوني، الذي حصل على تغريدة شكر وتقدير من إدوارد سنودن، أصبح لحظة فاصلة في العلاقة الرقمية عبر الأطلسي.

ويقول الطالب النمساوي الذي رفع قضية على فيسبوك بشأن خصوصية البيانات، في محكمة العدل الأوروبية وفاز بها، إن “الصراع الحقيقي قد بدأ للتوّ”. ويضيف أن حكم الاتحاد الأوروبي يمثّل ملاذا آمنا و“جزءا صغيرا من الطريق الطويلة في مجال مكافحة المراقبة وضربة موجعة تُوجّه إلى شركات التكنولوجيا التي تعتقد أنه بإمكانها العمل في تجاهل تام للقانون”، حسب ماكس شريمس.

ويتابع “تدرك الشركات الأميركية الآن أن القوانين الأوروبية تزداد صلابة أكثر فأكثر. ولكن رغم ذلك، لا يصدق الناس أن المحكمة قادرة على إجبار شركات مثل غوغل وفيسبوك على القيام بشيء”، حسب خطاب ألقاه في فيينا.

وقد ألغى حكم الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من هذا الأسبوع اتفاقية، تعود إلى 15 عاما، لنقل البيانات وهي نظام “الملاذ الآمن” الذي منح مسارا مميّزا لأكثر من 4000 شركة عبر الأطلسي.

وقد تمثّلت حجة شريمس الناجحة أمام محكمة العدل الأوروبية في أن وجود برنامج معمم للمراقبة الشاملة والعشوائية -كما كشفت عن ذلك اعترافات سنودن وأكدته محكمة أيرلندية- يقوّض هذا النظام كله.

ماكس شريمس: الحكم ضربة لشركات التكنولوجيا التي تعمل في تجاهل تام للقانون

ووافقت المحكمة على ذلك من خلال حكم مصيري وحاسم أجبر شركات، لا سيما تلك المرتبطة ببرنامج البريسم، على غرار غوغل وأبل وفيسبوك على التهافت لإيجاد أسس قانونية بديلة لتدفقات البيانات عبر الأطلسي.

“هذا الحكم ينطبق على المراقبة الأوروبية”، هذا ما نطق به شريمس، موضحا أن هناك دوافع استراتيجية وراء القضية. وأضاف قائلا “كان من السهل أن تكون الحكومة الأميركية موضوع القرار، ثم إعادة تحويل القضية نحو أوروبا. لأننا فعلا نفرض أيضا مراقبة في أوروبا. ولكن لدينا أيضا ستراسبورغ”، في إشارة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، المحكمة المماثلة للوكسمبورغ ومنافستها في بعض الأحيان في مجال حماية الحقوق الأساسية التي تنظر في مراقبة المطالبات ذات الصلة لا سيما من بريطانيا.

ولئن حكمت المحكمة بأن المراقبة هي -دون أي لبس- خرق للحقوق الأساسية، إلا أن شريمس يبقى عمليا بشأن تتبعات ذلك “لا، لنتوقف فورا عن التجسس. ولا بد من حل سياسي في النهاية، لكن الهدف الحقيقي كان حشر شركة فيسبوك وغيرها من الشركات في زاوية لأنه قد يكون من الممكن فعلا تحقيق شيء ما على الصعيد الاقتصادي. هذه الجهات المراقبة تجمع كل البيانات التي سرعان ما تستحوذ عليها حكوماتها. ليست لدينا أي سلطة على الحكومة الأميركية بالطبع ولكن الشركات ملزمة بالامتثال للقانون”.

شريمس، البالغ من العمر 28 عاما وأصيل مدينة سالزبورغ، مفعم بالحيوية وصريح. طبعه مرح وهو يضحك كثيرا خلال المحادثة، ويشارك بكل عفوية في المناقشات. انتقاده للمكتب الأيرلندي لحماية البيانات على أشده.

ويشرف هذا المكتب رسميا، بالإضافة إلى لوكسمبورغ، على حماية البيانات الأوروبية لدى غالبية الشركات العالمية التي أسست مقر قيادتها في المناطق ذات نظم ضريبية متساهلة. “ليس لأيرلندا أي اهتمام أو نية في القيام بمهامها وسوف تواصل في عدم المبالاة للأبد. ومن الواضح أن المشكلة تكمن في الاستثمار، ولكن السياسة تتمثّل خاصة في عدم فرض أي نظم على الشركات هنا. تكلفة كل هذا التحدي في المحاكم باهظة. والناس لا يكترثون له”.

هذه اللامبالاة تزعج شريمس بوضوح، ولكنها ساهمت أيضا بتسريع التطورات في المشهد الأوسع لمجال الخصوصية ككل. وقد أكدت أعلى محكمة في أوروبا، سواء في إطار هذا الحكم أو في إطار قرار ولتيمو السابق مباشرة، على استقلال السلطات الوطنية المتعلقة بحماية البيانات في كافة أنحاء التكتل الأوروبي وعلى شرعيتها في التحقيق وإنفاذ القوانين الخاصة بها.

ولكن بين السطور، من الواضح أن المحكمة قد اضطرت لذلك، مع ضرورة التكرار المتواصل، وإن كان مزعجا لضمان احترام وحماية البيانات فعليا.

وكما يقول شريمس “سيكون من الأفضل حقا أن نجد حلا أكثر ذكاء. لكن المشكلة أن نصف الشركات ليست مفتوحة. واحدة من أكبر القضايا في أوروبا تكمن في تصريح البلدان رسميا باتفاقها، ولكن الجميع يعرف أنها مختلفة جدا في الممارسة الفعلية”.

ويواصل شريمس معركته في أيرلندا، إلا أن آماله تبقى معلقة في مجال آخر. “ينطبق هذا الحكم على 28 بلدا. ويتوجب الآن على مختلف مكاتب حماية البيانات أن تقوم بالتطبيق”. ونصل هنا إلى جوهر مهمة شريمس. فبالنسبة إليه، توجد قضايا أهمّ بكثير من المخاوف المتعلقة بالخصوصية، إذ أنه يعمل بدافع من الرغبة في إثبات أن شركات التكنولوجيا ليست فوق القانون.

وفي النمسا، يواصل شريمس قضية الطعن ضد فيسبوك في مسألة سياسات الخصوصية الداخلية، وهو يعتمد في ذلك على خبرة أربع سنوات في محاولة لحل هذه القضايا مع حكومة أيرلندا الشمالية. وهو يعترف بأن هذه القضية قد تستغرق خمس سنوات قبل أن يتم رفعها من جديد إلى محكمة العدل الأوروبية.

نهاية المراقبة هل تعني نهاية الإنترنت العالمي

وبنهاية هذه القضية، تنتهي مهمة شريمس، ولكن دوره يتواصل. تركّز رسالة الدكتوراه التي يدرسها شريمس في جامعة فيينا على مصفوفة قانونية أوسع قادرة على دعم الخصوصية. وترمي آماله وطموحاته منذ البداية إلى إنشاء منظمة غير حكومية تركز على إنفاذ القوانين في أوروبا لدعم أكثر ما يمكن من القضايا المحلية التي تدعو إلى حماية البيانات.

“في مجال الخصوصية، أعتبر أن اقتصار كسب المال على جانب واحد من اللعبة، هو مشكلة كبيرة”، هذا ما قاله شريمس. ويضيف “تمثّلت المشكلة الكبرى التي واجهتني في إيجاد الممثلين الذين يفهمون القانون. قابلت الكثير من المحامين المختصين في الخصوصية لتناول القهوة، وهم يقولون إنهم يحبون ما أفعل كما أنهم يتفقون شخصيا معى، ثم يقولون “لا يمكنك أن تخبر أحدا على الإطلاق، لأنك إذا فعلت فسأفقد كل عملائي”.

وتندرج مجموعة الإجراءات التي يعمل عليها شريمس تحت شعار “أوروبا ضد فيسبوك”، في محاولة متعمّدة لتعميم دوره. وقد احتلت هذه القضية سنوات عديدة من حياته ولكنها لم تسيطر عليها. وأضاف “في الوقت الحالي أنا أعمل على هذه المسألة طوال الوقت وطوال اليوم، ولكن كما هو الحال بالنسبة إلى معظم الإجراءات القانونية، فإنك تنتظر لمدة نصف سنة حيث لا يحدث شيء، ثمّ تعيش ثلاثة أسابيع عصيبة جدا”.

ويعترف شريمس بأنه لا يتنبأ بأن تتوقف الحكومة الأميركية عن ممارسات المراقبة التي تتبعها، إلا أن الضغط الذي تمارسه الشركات الكبيرة للإصلاح والأحكام المصيرية التي تصدرها المحكمة، لا يمكن إلا أن يكونا سوى أمر جيد برأيه.

وإذا أدى حكم المحكمة الأسبوع الماضي إلى أن يجعل من الصعب التوصل إلى حكم آخر، عندها فإن شريمس سيكون قد قطع شوطا طويلا نحو تغيير العلاقات الرقمية عبر الأطلسي.

وفي الوقت الذي تنتظر فيه صناعة التكنولوجيا النتيجة، هناك خوف متزايد من أن العالم يسير نائما نحو “بلقنة الإنترنت”، بحيث ينقسم الفضاء الإلكتروني بشكل متزايد. وتنقل صحيفة “فاينشال تايمز” عن أرمين روناشر، وهو مهندس برمجيات يقسم وقته بين بريطانيا والنمسا “الأمر يعتمد على مدى التطرف الذي ستصل إليه الأمور. وإذا أرادت الولايات المتحدة وأوروبا أن تُحفَظ بيانات المواطنين في بلدانهم، فستكون هذه هي نهاية الإنترنت العالمي”.

18