الصراع السوري رهين حسابات موسكو وواشنطن المتناقضة

خلافا لبعض التوقعات السابقة، يبدو أن الكلمة في الفترة المقبلة لن تكون للسلام في سوريا، على ضوء تصرّف روسيا على أساس الطرف المنتصر الذي يحق له فرض شروطه لحل النزاع، وهو ما ترفض الولايات المتحدة التسليم به.
الاثنين 2017/12/18
إلى من ستؤول الكلمة الفصل

دمشق - تتدحرج العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في سوريا نحو المزيد من التدهور، على ضوء تصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين في الفترة الأخيرة، ما سينعكس، وفق المحللين، سلبا على فرص التسوية في هذا البلد الذي يشهد حربا طاحنة منذ نحو سبع سنوات خلفت مئات الآلاف من القتلى، وفشل جولات جنيف الثماني في التوصل إلى أي خرق بخصوصها.

ويقول خبراء في الشأن السوري إن السبب الأساس في حالة التوتر المتصاعدة بين موسكو وواشنطن يعود إلى رغبة الأولى في طيّ صفحة الصراع بناء عل ما تحقق على الأرض والذي يصب في صالحها وحلفائها، في مقابل ذلك ترفض الأخيرة التسليم بهذا الأمر وتستولد خططا جديدة لإعادة التوازن إلى المشهد قبل الخوض في غمار التسوية.

وآخر الاتهامات التي وجهتها روسيا هو سعي الولايات المتحدة إلى تشكيل كيانات عسكرية مؤلفة من “إرهابيين” لاستهداف نظام الرئيس بشار الأسد، ومن هذه الكيانات “جيش سوريا الجديد”.

وقال المركز الروسي للمصالحة في سوريا في بيان نشره السبت إن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لا يزال يواصل تعاونه مع “بقايا الإرهابيين”، مشيرا إلى أن العسكريين الأميركيين يقومون بإنشاء وحدات عسكرية جديدة بعنوان “الجيش السوري الجديد” بالقرب من مخيّم للاجئين في مدينة الحسكة التي تقع في أقصى شرقي سوريا وتسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردي.

ونقل المركز الروسي عن شهود عيان قولهم إن مركز التدريب الأميركي يضم حاليا نحو 750 مسلحا وبينهم 400 مسلح من تنظيم داعش تم إخراجهم من الرقة في أكتوبر بدعم من الولايات المتحدة.

ووفق المركز فإن نازحين كانوا عادوا إلى منازلهم أكدوا أن العسكريين الأميركيين سيوجهون التشكيلات المقاتلة إلى جنوب سوريا لمحاربة القوات الحكومية، بعد إنهاء فترة تدريبها التي دخلت شهرها السادس.

وجنوب سوريا من ضمن مناطق خفض التصعيد التي اُعلن عنها قبل أشهر، برعاية روسية أميركية، وتعتبر حتى اللحظة النموذج الأنجح مقارنة بباقي المناطق الأربع التي تضمّنها الاتفاق، وإن كان يبقى اتفاقا هشا على ضوء خرق النظام الواضح للهدنة بشنه لعمليات عسكرية تركزت في ريف دمشق الغربي وبالأساس في قرية بيت الجن التي تسيطر عليها فصائل إسلامية.

جيمس ماتيس: نحذر من التحليق غير الآمن للطائرات الروسية في الأجواء السورية

ويرجّح مراقبون أن تشهد منطقة الجنوب المزيد من الهزات الأمنية، خاصة وأن النظام يصرّ على الحسم العسكري فيما إسرائيل غير مقتنعة بالاتفاق الذي ترى أنه لن يمنع إيران وميليشياتها من الوجود على مقربة منها.

ولا يستبعد خبراء عسكريون في أن يكون جانب من الاتهامات الروسية صحيحا، لجهة تشكيل واشنطن لنواتات عسكرية جديدة، منفصلة عن تحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي تأسس في العام 2014 بقيادة الوحدات الكردية لقتال داعش، والذي يلاقي اعتراضات كبيرة خاصة من العضو في حلف الناتو تركيا.

وسبق وأن لمّح المسؤولون الأميركيون لهذا التوجه ومن بينهم المتحدث الرسمي باسم عمليات التحالف الدولي ستيف وارن الذي قال“إن وحدات حماية الشعب الكردية لن تحصل من الآن فصاعدا على أسلحة أو معدّات عسكرية، والمعونات التي ستأتي من الآن فصاعدا ستذهب إلى الأعضاء البارزين في المعارضة العربية السورية”.

ورغم خسارة داعش لمعظم المناطق التي كان يسيطر عليها على غرار الرقة ودير الزور حيث لم يعد له وجود ثابت في أيّ من تلك المناطق باستثناء بعض الخلايا النائمة، بيد أن واشنطن ما تزال تراه تهديدا جديا يفرض عليها البقاء في سوريا، فيما تعتبر روسيا التي أعلنت الأسبوع الماضي عن انسحاب جزئي من هذا البلد أن تمسّك واشنطن بالبقاء في سوريا “غير شرعي” وتشكيل مجموعات مسلحة ليس الهدف منه سوى إعادة خلط الأوراق ومواجهة النظام السوري.

ويقول الخبراء إن الولايات المتحدة يبدو أنها تتخذ من عملية تضخيم صورة داعش غطاء لتكريس حضورها، وربما السعي إلى قلب المعادلة في سوريا، لأنها تدرك بالتأكيد أن التسليم بـ”انتصار” روسيا سيعني ليس فقط انهيار أهدافها في سوريا التي تحوّلت إلى ساحة حرب دولية وإقليمية بالوكالة بل أيضا إلى تهديد لنفوذها في المنطقة.

وتعتبر روسيا سوريا بوابتها الرئيسية لإحداث اختراق في ساحة الشرق الأوسط، وهذا طبعا سيشكّل قلبا للمعادلة الثابتة على مرّ عقود، وهو أنّ هذه المنطقة مركز نفوذ للولايات المتحدة والغرب بصفة عامة.

وسيعزّز كسب المعركة السورية قدرة موسكو على جلب ثقة المزيد من الحلفاء في المنطقة، وهذا ما يفسر الإصرار اللافت من الجانب الأميركي على عدم ترك روسيا ترسم لوحدها مستقبل سوريا.

ومن النقاط أيضا التي تجعل واشنطن تكافح لعدم التسليم بالأمر الواقع هو إيران، وما يشكّله وجودها في سوريا من تهديد لها ولحلفائها. وتوجد في سوريا العشرات من الميليشيات الشيعية من جنسيات مختلفة تقاتل لحساب الأجندة الإيرانية، هذا فضلا عن الآلاف من عناصر الحرس الثوري الإيراني.

ولعبت القوات التابعة لإيران دورا رئيسيا في المعارك التي خاضها الجيش السوري سواء كانت ضد فصائل المعارضة (حلب مثالا) أو ضد داعش، وآخرها معركة البوكمال التي قادها قائد فيلق القدس الذراع الخارجية للحرس الثوري قاسم سلماني، والتي انتهت بطرد عناصر داعش في نوفمبر.

ومكّنت السيطرة على البوكمال إيران عمليا من تشييد طريق بري يصلها بالبحر الأبيض المتوسط مرورا بالعراق. وبحسب معلومات حصلت عليها “الأناضول” من مصادر محلية في سوريا، فإنّ إيران بدأت فعليا باستخدام الخط البري الواصل بين العراق وسوريا.

وأشارت المصادر إلى أن قافلة مكوّنة من الحرس الثوري، والحشد الشعبي العراقي، دخلت خلال الأيام الماضية الأراضي السورية عبر مدينة البوكمال.

ويشكّل هذا تطوّرا نوعيا يشي بأن الفترة المقبلة لن تكون الكلمة فيها للسلام بل للحرب، فواشنطن بالتأكيد لن تقبل بالمطلق أن تكرّس إيران نفوذها في سوريا، كما أنها لن تسلم بانتصار روسيا هناك، وقد يدفع ذلك روسيا إلى تبنّي وجهة نظر طهران بأن الحل العسكري هو الخيار الأمثل لحسم النزاع، وهذا ينطوي على مخاطر كبيرة من أن تتفجر مواجهة مباشرة بين هذه الأطراف.

وحذّر وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من التحليق غير الآمن والخطر للطائرات الروسية في الأجواء السورية.

واعترضت مقاتلتان روسيتان من طراز “سوخوي سو ـ 25”، المقاتلة الأميركية “إف ـ 22”، الأربعاء الماضي، بعد تجاوز المقاتلتين الروسيتين خطا غير رسمي يفصل بين القوات الجوية للبلدين.

2