الصراع السوري عقدة شائكة أمام المجتمع الدولي

الأربعاء 2014/03/05
مأساة السوريين مستمرة أمام المساعي السياسية العاجزة عن إنهائها

لندن -أصدر مجلس الأمن مؤخرا القرار رقم 2139 في فبراير 2014 المتعلق بتسيير التوسع في عمليات الإغاثة وتعزيز وصول المساعدات الإنسانية إلى سوريا، سعيا إلى تخفيف المأساة الإنسانية التي يعاني منها السوريون المحاصرون بين نيران النظام والمجموعات المتشددة، وقد تناول مركز الشرق العربي للدراسات الاستراتيجية والحضارية في لندن، في قراءة تحليلية، خلفيات هذا القرار من الناحية السياسية.

وفي خضم الصراع الدائر في سوريا، دخلت الدول الغربية على الخط، في محاولة لايجاد مخرج للأزمة السياسية، وتحولت سوريا إلى ساحة تجمع قطبين مختلفين الأول مع المعارضة المعتدلة و الثاني مع نظام الأسد، رغم أن الدولة الوحيدة التي تسانده هي روسيا في وجه المجتمع الدولي.

وليس ببعيد عن دور الولايات المتحدة تحاول فرنسا عبر استخدامها للأداة الدبلوماسية في الملف السوري انتهاج نهج مغاير للنهج الأميركي الذي يشكل الفيتو الروسي محددا معينا في سياستها ضمن ما يعرف بالمصالح الأميركية، فللدبلوماسية الفرنسية تأثير سابق على الروس، تجلى بالمصادقة على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في مجلس الأمن، حيث وعد الفرنسيون المؤيدون للقرار، الروس المعارضين، بالوقوف إلى جانب مصالحهم في موضوع كوسوفو، الإقليم الذي كان ينازع من أجل استقلال تعارضه موسكو. وهكذا وبوعود فرنسية، تراجع الروس عن معارضتهم لمحكمة لبنان.

ويمكن تلمس ملامح الرؤية الفرنسية تجاه سوريا، منذ زيارة الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، لواشنطن ولقائه نظيره الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض، والتي يمكن استقراؤها من التصريحات الصحفية، حيث تحدث أوباما عن “عملية جنيف” والحل السياسي كمسار وحيد لإنهاء الأزمة في سوريا. هولالند، وعلى الرغم من علاقة الود بين الاثنين، خالفه الرأي قائلا إن مؤتمر جنيف مخصص حصرا لنقل السلطة التنفيذية من الأسد إلى حكومة انتقالية سورية تتمتع بصلاحيات كاملة.

أما الأمور الأخرى، مثل إنهاء حصار قوات الأسد ضد المدنيين السوريين، فسيتم فرضها من خلال مجلس الأمن.

إن إصرار فرنسا على تقديم مشروع القرار، والعمل على دفعه إلى مسار حتمي باتجاه التصويت، بالإضافة إلى عقد الفرنسيين والروس جلسات مكثفة، يوحي بأنها قد قدمت قرارا يضمن الموافقة الروسية.

ويأتي تبرير الدبلوماسيين الفرنسيين لصدور القرار بالفصل السادس لأمرين:

الأول: لتحقيقه تلاقي المصالح المشتركة مع الروس، فهو ملزم للدول والحكومات، وفي ذات الوقت يسحب دافعا مهما لروسيا في رفض القرار إن صدر ضمن تهديدات عسكرية ضد الجهة غير الملتزمة.

والثاني: أن قرارات روسيا متعددة، مثل القرار 1559 الذي أجبر الأسد على سحب قواته من لبنان في العام 2005، سبق أن أثبتت فاعليتها وضمن الفصل السادس.

وقد شكلت الأحداث الأخيرة في أوكرانيا تغييرا في بعض أساليب اللعبة الدبلوماسية الروسية من حيث التكتيك مع بقاء الإستراتيجية الروسية واضحة المعالم، إلا أن الملف السوري بالنسبة إلى روسيا هو ملف يشكل أساسا مهما لحماية مصالحها الجيوسياسية وحتى العسكرية في المنطقة، والتي يشكل النظام الحالي في سوريا عنصرا مهما ووحيدا أقل تقدير في حماية هذه المصالح، بالإضافة إلى كون هذا الملف يتيح لروسيا ممارسة دورها القطبي في ظل استفراد الولايات المتحدة وهيمنتها على المنظمات الدولية والقرار الدولي وهي ترى في هذا الملف قاعدة للتغيير في خارطة الفعل والتأثير الدولي وبالتالي عودة روسيا كقطب ثان في السياسة الدولية.

ولا يعني أن القرار يمهد لـ”التدخل الإنساني” في سوريا على غرار ما حصل في ليبيا، بل هو خطوة تسجل للنظام العالمي الجديد السائر نحو التعددية القطبية، والذي لم يكتمل بعد بل هو في طور التبلور.

يبدو أن الضغوط الروسية، التي اهتمت أولا بحماية النظام السوري، تمكنت من انتزاع أية صيغة واضحة من شأنها فرض عقوبات على النظام السوري لو عرقل دخول المساعدات الإنسانية، أو أخل بشروط القرار، الأمر الذي يجعله قرارا من غير فاعلية، فنظام بشار الأسد خبير بأساليب التلاعب والمخادعة، ولن يصعب عليه فعل ما من شأنه أن يدير الدفة لصالحه.

وظهرت أمامه موافقة على قرار لصالح الشعب السوري شكلا، لكن الحقيقة تقول إنه غير ملزم للنظام مضمونا، لعدم قدرة المجتمع الدولي على مواجهة نظام الأسد، لو لم يلتزم أو منع وصول المساعدات، واتهم كعادته من يسميهم “إرهابيين”، أو عاود قصف المدنيين معتبرا أنهم “إرهابيون” أو عاد لمحاصرة الأحياء بذريعة أن فيها “إرهابيين”.

إلى ذلك، لن تخفف حدة الحرب الدائرة في سوريا ما عدلته وضمنته روسيا في القرار لتحميل “جميع الأطراف” المسؤولية، فالعالم كله ـ عدا روسيا وإيران ـ يعرف أن النظام السوري هو المسؤول عن تدهور الأوضاع، حين لا يوجد في القرار بند عن العقوبات سوى إشارة خجولة إلى التحرك لاحقا بحق المخالفين، من غير تحديد معنى المخالفة أو كيفية التحرك.

6