الصراع السوري يدخل عامه الثامن.. غياب الأفق

ما زالت الثورة السورية تفتقد إلى القيادة، وبحاجة لتوضيح أو تأكيد خطاباتها المتعلقة بالحرية والمواطنة والديمقراطية، بعد أن أزاحتها الفصائل العسكرية المتغطية بالإسلام لصالح خطاباتها الدينية والطائفية المتطرفة.
الاثنين 2018/03/19
سبعة أعوام من الصراع الضاري والدامي والمدمر، تلوح من دون أفق

لا أعتقد أن ثمة أحدا كان يعتقد باستمرار الصراع السوري، لسبع سنوات (من مارس 2011 إلى مارس 2018)، على هذا النحو وإلى هذه الدرجة، أي إلى درجة مصرع مئات الألوف وتدمير عمران المدن وتشريد الملايين، ودخول أطراف دولية وإقليمية على هذا الصراع، مثل إيران وتركيا وروسيا والولايات المتحدة، ومع انعدام اليقين بشأن تحولاته أو مآلاته، لا بالنسبة للنظام ولا بالنسبة للمعارضة ولا بالنسبة لتموضع القوى الخارجية.
على ذلك يمكن تشخيص الواقع السوري، أو “الرجل السوري المريض”، وفقاً للجوانب المهمة الآتية:
أولاً، باتت القوى الخارجية الدولية والإقليمية، ولا سيما الأميركية والروسية ثم الإيرانية والتركية، أكثر تأثيراً بالنسبة لتقرير مستقبل سوريا، خصوصاً بسبب اعتماد الأطراف المحلية المتصارعة على الدعم الخارجي، السياسي والمالي والتسليحي، وهذا يشمل النظام والمعارضة، ولا سيما مع غياب أغلبية الشعب عن معادلات الصراع الدائر، الذي بات يغلب عليه طابع الصراع المسلح.
ثانياً استطاع النظام بمساعدة حلفائه، إخراج أغلبية المجتمع السوري من معادلة الصراع، بتدميره أو بمحاصرته البيئات الشعبية المتمردة، أو التي يعتبرها بمثابة حاضنة للجماعات المعارضة، كما حصل في حمص وحلب والقصير والزبداني وكما يحصل اليوم في الغوطة، يضاف إلى ذلك تشريده للملايين من السوريين.
ثالثاً ما زالت الثورة السورية تفتقد إلى القيادة، وبحاجة لتوضيح أو تأكيد خطاباتها المتعلقة بالحرية والمواطنة والديمقراطية، بعد أن أزاحتها الفصائل العسكرية المتغطية بالإسلام لصالح خطاباتها الدينية والطائفية المتطرفة.
رابعاً نجح النظام وحلفاءه في سعيهم حرف الأنظار عن حقيقة الصراع السوري بوصفه جزءاً من ثورات الربيع العربي التي تستهدف نظم الاستبداد والفساد والتغيير نحو أنظمة ديمقراطية، وتوجيه أنظار العالم إلى نواح أخرى، ضمنها ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وتأمين المساعدات التموينية والطبية للمناطق المحاصرة، مع علمنا أن النظام ما زال يتصرف -رغم كل ما جرى- باعتبار أن هذه “سوريا الأسد إلى الأبد”، أو كأنها بمثابة ملكية عقارية خاصة، ليس بها مواطنون، أو كأن هؤلاء مجرد مقيمين لا حقوق لهم.

حتى الآن لم تصدر كلمة السر الأميركية الخاصة بوقف الصراع في سوريا، إذ أن القرار حتى اللحظة، مازال يتأسس على الإبقاء على ديمومة الصراع، لا غالب ولا مغلوب

خامساً ثمة حليفان ثابتان وقويان وشريكان للنظام هما إيران وروسيا، يريان أن أي تغيير في سوريا سيكون بمثابة نهاية لنفوذهما فيها، وخاصة على ضوء تورطهما عسكريا في دعم النظام القائم ضد غالبية شعبه.
سادساً لم تكن ما تعرف بدول “أصدقاء الشعب السوري” على ذات القدر المكافئ للدولتين الصديقتين للنظام، إذ أن تلك الدول “الصديقة” تلاعبت بثورة السوريين، وجذبتها لأجنداتها الخاصة والمتضاربة، وهذا يشمل تركيا، التي أضحت تتعاطى مع سوريا من بوابة خشيتها من المسألة الكردية، كما من بوابة مصالحها الخاصة وأمنها القومي، كما يشمل ذلك الولايات المتحدة، التي أضحت تسيطر على جزء كبير من الأراضي السورية في شرقي الفرات وفي الجنوب السوري، مع ثماني قواعد عسكرية.
سابعاً حتى الآن لم تصدر كلمة السر الأميركية الخاصة بوقف الصراع في سوريا، إذ أن القرار حتى اللحظة، ورغم تغير الإدارة الأميركية، من باراك أوباما إلى دونالد ترامب، مازال يتأسس على الإبقاء على ديمومة الصراع، لا غالب ولا مغلوب، لا النظام ولا المعارضة، وإبقاء سوريا ساحة لصراعات القوى الخارجية لإرهاقها واستنزافها، وهذا كله يفسر إخفاق المسارات التفاوضية، سواء كانت في جنيف أو كانت في أستانة.
هكذا فبعد مرور سبعة أعوام على الصراع السوري ثمة صعوبات ونواقص ومخاطر وتحديات جمة تواجه السوريين، وهذا قدر سوريا وموقعها الجيوسياسي كبوابة للمشرق العربي، وفي تأثيراتها على مستقبل الوجود الإسرائيلي.
لكن القول بأن هذا هو واقع الصراع السوري، أو الثورة السورية، وأنه ما كان يمكن توقع مسارات أفضل، لا يعني أن الأمور تسير على ما يرام، ولا التزام التغطية على الأخطاء، أو النواقص. فهذه الثورة انطوت على مفاجآت خطيرة، أولاها؛ عجز الطبقة السياسية السائدة عن إنتاج قيادة، أو أقله مرجعية قيادية، مدنية وعسكرية، فحتى الآن لم تنجح في إنتاج كيان سياسي يعبر عن السوريين ويجمعهم من حوله، وهذا يشمل تشرذم جماعات المعارضة العسكرية التي لا يجمع بينها جامع، ناهيك عن الفجوة بينها وبين الإطار السياسي (المجلس الوطني ثم الائتلاف الوطني)، إذ حتى الهيئات التفاوضية نجد أنها باتت متعددة وتتعرض لتغييرات بين فترة وأخرى.
وثانية المفاجآت؛ عدم محافظة كيانات الثورة السياسية والعسكرية على خطابات الحرية والديمقراطية والكرامة التي أصدرتها في بداياتها، في مقابل مجاملة الخطابات الدينية والطائفية المتعصبة ما أضرّ بمصداقيتها إزاء العالم وإزاء شعبها.
وثالثتها؛ تتمثل في الاعتماد على الخارج والارتهان لأجنداته، بدل تنمية مجالات الاعتماد على الذات، والتركيز على خدمة مصالح السوريين وتطلعاتهم العادلة والمشروعة في الحرية والديمقراطية.
ورابعتها؛ إعادة بناء الهوية الوطنية السورية الجامعة، على أسس جديدة، باعتبار ذلك بمثابة ردّ على حال الهشاشة والتفكك اللذين بدا عليهما المجتمع السوري حين ظهر على شكل جماعات سكانية متباعدة ومتفرقة على أسس هوياتية قبلية وطائفية ومذهبية وإثنية ومناطقية وعشائرية، يكاد لا يجمعها جامع، سوى اعتبارها سوريا بمثابة مكان للإقامة، وليست وطنا يضم كل السوريين، وبديهي أن هذه الهوية لا بدّ أن تنبني على دولة مؤسسات وقانون ودولة مواطنين أحرار ومتساوين.
لكل ذلك فإن سبعة أعوام من الصراع الضاري والدامي والمدمر، تلوح من دون أفق.

8