الصراع السياسي وتناقض قوى الربيع العربي يرسمان ملامح مجتمعات تائهة

الجمعة 2014/08/01

من يتمعن جيدا في الواقع العربي اليوم يخرج بنظرة تشاؤمية، وكأن هذا الواقع فقد بوصلة الاتجاه، حينما يجد أن قوى وأفرادا يوصفون بالسياسيين على اختلاف مشاربهم، قد تصدروا مواقع الإدارة والقيادة -في ظل التغيرات التي اجتاحت الوطن العربي، ولاسيما تلك التي أنتجتها موجات الربيع العربي- والكثير منهم لا يعرف كيف يوجه نفسه في شؤونه الخاصة، فكيف يدير بلده وسط عالم مليء بالتناقضات والمصالح، فضلا عن الإحساس الذاتي الذي ينتاب البعض، بأنه بين ليلة وضحاها أصبح يقود الملايين، وبين يده مقدرات دولة.

انشغل الإنسان العربي بالانقسام السياسي الرسمي العربي في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بحرب باردة بين قوى يسارية تحررية وأخرى قوى وصفت بالرجعية والتقليدية وغيرها.

وبقي الحال علية ردحا من الزمن دون أن يستطيع العرب فعلا التحرك إزاء إسرائيل باستثناء حرب تشرين 1973 التي اكتسبت فعلتها العربية الجامعة، حينما أدخل الملك فيصل النفط كسلاح في المعركة، وبعدها دخل العرب في نفق المفاوضات غير معلومة الأجل، حتى تخلخل النظام العربي تماما مع أزمة الكويت، وما أعقبها من بناء قناعات جديدة بأن الأمن القومي العربي لم يعد له مكان على الخارطة العربية. فكان احتلال العراق وتفتت المواقف العربية بوجود طبقات حاكمة باتت تكرس النظام القيصري الوراثي، حتى بقي الإنسان العربي يعيش جدله البيزنطي في صلاحية هذا النظام من عدمه أو في الانتماء إلى أيديولوجيات هي في الأصل متناقضة مع بعضها البعض وأغلبها قافزة فوق الموروث الثقافي المحلي، وعاجزة عن تقديم أنموذج يرتاح إليه الإنسان في كل أجزاء الوطن العربي.

إزاء هذا التردد بات من المعلوم أن عوامل اليأس أصبحت واضحة في المشهد العربي عموما. ومع قدوم فترة التغيير في العراق وفي بعض الدول العربية التي تغنت بالديمقراطية حتى انطلقت البرامج التثقيفية، ولاسيما تلك التي اهتمت بإشاعة مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية التي تاه الإنسان العربي في بحورها دون التمكن من لمسها وسط أجواء مشحونة بالطائفية السياسية كما في العراق ولبنان، والانخراط في بوتقة التحالفات الدولية أو الانصياع لها وعدم القدرة على الخروج من دائرتها تحت وطأة المساعدات الخارجية والخوف على المصالح الذاتية للأسر الحاكمة، كما في مصر مبارك.

وفي جانب آخر عاش بعض الزعماء العرب حلم الفضاءات الأفريقية دون استطاعتهم أصلا، في صياغة فضاء عري محكم وسط مجموعة تناقضات عديدة في الوقت الذي لا تتحمل المنطقة العربية مزيدا منها، وهناك أنظمة منطوية على نفسها تفكر في مصالحها متخذة من المجاملة السياسية مع الأطراف الخارجية على اختلاف مشاربها وسيلة لذلك.

تطور سياسي فريد انطلقت شرارته من تونس، حرك الشارع العربي المثقل بالهموم والفقر والظلم التهميش والطبقية. انطلقت جموع الشباب تنشد التغيير. وانكسر حاجز الخوف فكانت ثورة تونس الشعبية حاملة مشعل الحرية لهذه الأمة، ثم ثورة مصر وثورة ليبيا وثورة اليمن.

انطلقت جموع الشباب الثائر وكلها طموح وعنفوان وأمل في غد سعيد، وفي المقابل أقبلت عناصر المعارضة لهذا الحكم أو ذاك ترسم خريطة جديدة لنظام ديمقراطي، وتحت عباءة الديمقراطية تسللت قوى أصلا هي متقاطعة مع الديمقراطية، وصعدت إلى سدة الحكم، وبعد ذلك وقفت لا تعرف القيام بشيء سوى الصراع فيما بينها للحصول على المكاسب في حين بقي مفجرو الثورة الحقيقيون خارج اللعبة نسبيا، فانظر إلى نظم الثورة الجديدة ماذا فعلت: صراعات سياسية وفوضى أمنية عارمة يدفع ثمنها الإنسان المدني، وتوقف عجلة التنمية وضياع الثروات الوطنية وضياع البوصلة السياسية الداخلية والخارجية، وغزو ما يعرف بمنظمات المجتمع المدني تعلم الناس حقوق الإنسان والديمقراطية، في الوقت الذي لازالت البني التقليدية تحكم الواقع الاجتماعي، ما نتج عنه نوع من الارتباك التجريدي المقتصر على طرح تلك المفاهيم في الهواء دون الحصول على أي تطبيق في الواقع.

ولأن النظم الحاكمة الطارئة، لم تستطع التفكير في بناء توجه علمي يسعى لإحداث تغيير بنيوي إنتاجي ثقافي، وتكون حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية مستجيبة له تلقائيا، جعل هذا الأمر الإنسان العربي يرجع إلى حالة اليأس من جديد بل أخذ يحن إلى النظم التي ثار ضدها، ولا نعلم ما سيحصل غدا.

تمر المنطقة العربية بمشكلات حادة: إرهاب وصراع ونظم جاهلة وتراجع ثقافي وتزايد في أعداد اللاجئين وتناحر سياسي طائفي وتهديد بالتقسيم والتشرذم.

فهذا العراق يغرق من جديد، وتلك سوريا لا تزال تنزف، واليمن يئن تحت الفقر والضياع بالبحث عن نظم حكم إقليمية جديدة جعلت البلاد تنقسم إلى أجزاء ستة، وسودان قد تقسم ومشكلاته لم تنته ولن تنهي، وصومال مشتت، وليبيا تعيش صراعا مريرا، وجدل ومشكلات في تونس، ودول أخرى تخاف العدوى، كل هذا لأن العرب يخطئون الحساب دائما، ولا يعرفون عدوهم أو مصالحهم، وهاهم إزاء كل ذلك لا يعرفون كيف يتصرفون.

المنطقة العربية، ولا سيما بعد ما يسمى بالربيع العربي تحتاج إلى إعادة النظر في السياسات والعمل بجد من أجل صياغة سياسة عربية تأخذ في الاعتبار الرؤى الحاضرة والمستقبلية لإجراء تنمية بشرية حقيقية في مجتمعاتها، وإلا أنتجت لنا على المدى القريب مجتمعات جائعة وتائهة ينتشر فيها العنف والإرهاب بطريقة تهدد المنطقة العربية بأسرها.

وفي هذا السياق ينبغي العمل على إصلاح الجامعة العربية التي لم تتمكن يوما من لّم العرب على رأي واحد، وبلورة موقف حقيقي إزاء العواصف التي تعصف بالمنطقة.

6