الصراع الصيني الأميركي ليس أمرا محتوما

الاثنين 2014/08/18
غياب المصالحة داخل آسيا يسبب توترات للاستراتيجيات الصينية والأميركية

لندن - خصص المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ملفّا متعدّد الجوانب تناول فيه العلاقات الأميركية الصينية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، بدءا من النزاع المسلّح وصولا إلى الحرب الرقمية (السيبيرية). وهي توتّرات، يرى الجنرال كارل إيكنبري (السفير الأميركي السابق لدى أفغانستان) والباحث في الشؤون الآسيوية الأميركية، ضمن بحث تضمّنه الملف، لن تقود بالضرورة إلى الصراع بين الصين البلد الصاعد والولايات المتحدة القوة الراهنة.

مثلها مثل عدة دول في منطقة البلدان الآسيوية المطلة على المحيط الهادي، تواجه أستراليا في السنوات المقبلة تحديا مصيريا في السياسة الخارجية يتمثل في كيفية التوفيق بين علاقة تجارية تنمو بسرعة مع الصين والتحالف الأمني والعسكري العميق مع الولايات المتحدة. ونظرا للأهمية التي تكتسبها هذه المعضلة بالنسبة إلى الدول في كافة أنحاء المنطقة من الجدير مناقشة صعود القوى الكبرى وهبوطها، وبالتحديد الدينامية التي تحدث تاريخيا عندما يهدد توسع النفوذ والنمو السريع لإحدى الدول مصالح القوة المهيمنة. وكثيرا ما يؤدي التنافس المستتبع بين القوة الصاعدة والقوة الراهنة إلى صراعات تزداد مرارة، وفي نهاية المطاف تنتهي بحرب شاملة.

إن إدارة التنافس المحتد والعنيف (احتمالا) بين الزعماء المترسخين والخصوم المبتدئين هو موضوع ساخن على المستوى العالمي في الدوائر السياسية والعسكرية والأكاديمية. وعادة ما يتم تصوير التنافس على أنه قيام دولة صاعدة طموحة ومحبطة بتحسين موقعها عبر واحد من هذه الأساليب: امتلاك أراض جديدة أو توسيع مجالات النفوذ لديها أو مراجعة النظم والمقاييس والقوانين التي كتبتها أصليا (أو على الأقل تنفذها حاليا) القوة السائدة.

بإمكان القوة المتزعّمة اختيار الرد بإحدى الطرق التالية: إما أن تخفض في التزاماتها أو تستوعب القوة الصاعدة أو تقوم بتحويل التزاماتها لبعض الحلفاء أو الشركاء أو تزيد في قدراتها في محاولة لزيادة تأثيرها عبر تقوية الأسس الداخلية للقوة الشاملة أو عبر استخدام المزيد من اليد العاملة والموارد في الأماكن المهمة المتنازع عليها.

تتميز الظاهرة التاريخية نفسها لصعود القوى العظمى وسقوطها بالوضوح، لكن عند دراسة تفاصيل هذه الدينامية على مر الزمن، لا يتفاجأ المرء بنقاط التشابه بين الحالات التاريخية مع الوضع الحالي بين الصين والولايات المتحدة، بل بنقاط الاختلاف. والمثال الأكثر شهرة، وهو الحرب البيلوبونيسية، كان صراعا مطولا بين أثينا المدينة-الدولة الإغريقية الصاعدة وأسبرطة المدينة-الدولة المهيمنة. امتدت الحرب بين سنتي 431 و404 قبل الميلاد وقام المؤرخ الإغريقي المعاصر لها ثوسيديدس بتدوينها بكل دقة.

كارل إيكنبري: التاريخ مهم لأنه يصوغ كيفية قراءة البلدان لبيئتها المعاصرة


"فخ ثوسيديدس"


عند وصف أصل هذا الصراع كتب المؤرخ ثوسيديدس يقول “كان صعود أثينا والخوف الذي أحدثه ذلك في أسبرطة هو ما جعل الحرب حتمية”. واعتمادا على هذا التفسير يستعمل خبراء الاستراتيجيات وعلماء السياسة عبارة “فخ ثوسيديدس″ لوصف ظاهرة تسبب قوة صاعدة في إثارة شعور القوة المهيمنة بالخوف الشديد مما يؤدي إلى الصراع بين القوتين. وبالفعل يرى كثيرون ممن يتبنون هذه النظرية أن مثل هذه النتائج تتأتى من هيكلة المنظومة الدولية وليس من الدبلوماسية الشخصية.

لكن عند مقارنة خصوصيات الصراع الأسبرطي- الأثيني مع التنافس الصيني- الأميركي في العصر الحاضر ليس من الواضح أبدا إن كان يمكن نقل ما يسمى بـ”فخ ثوسيديدس″ عبر الزمن والجغرافيا والأنظمة السياسية الاقتصادية السائدة. في الواقع بينما تتشابه دينامية التنافس بين الزعيم الراسخ والمنافس الصاعد، هناك اختلافات متعددة وواضحة بين الوضعيتين.

أولا، كانت التحالف الديلي الأثيني (Delian League) حلفا شكلته أثينا مع جزر بحر إيجة والمدن الأيونية الواقعة غرب تركيا عام 478 ق.م ونظاما تجاريا منفصلا عن النظام التجاري لدى تحالف بلوبونيسيا الأسبرطي على عكس النظام الاقتصادي العالمي المعاصر المتميز بالاندماج ومشاركة كل من الصين والولايات المتحدة. وإذا أردنا المضيّ خطوة أخرى في المقارنة نلاحظ أن أثينا لم تكن تمتلك ما قيمته ترليون دولار من سندات الخزانة الأسبرطية، وكذلك لا توجد أعداد هائلة من الطلبة الأثينيين يعيشون ويدرسون في أسبرطة. باختصار كانت أثينا وأسبرطة مدينتين دولتين ليس بينهما اندماج يذكر ولا تشتركان في موارد أو خدمات خاصة بقطاع معين.

في المقابل بالرغم من أن الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية هما أيضا دولتان متمايزتان وتتنافسان فيما بينهما تتقاسمان عدة قنوات تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي. ومن ثم، صحيح عموما أن الصراعات بين القوى الناشئة والقوى الراسخة أدت تاريخيا إلى نشوب الحرب، لكن الحالات القديمة المتعددة –وخاصة حالة أثينا وأسبرطة- تختلف كثيرا عن بعضها البعض وبالتأكيد تختلف عن التنافس القائم حاليا بين الصين والولايات المتحدة.

مع ذلك دعنا نتناول فخ ثوسيديدس وافتراضه الضمني أن الصين والولايات المتحدة محكوم عليهما بإعادة المأساة الأثينية الأسبرطية التي تعود إلى 2400 سنة خلت. عند تفحّص الفخ المذكور في سياقه يصبح من الواضح تدريجيا سبب عدم صلاحيته كدليل مناسب لصانعي السياسات في واشنطن وبكين في محاولتهما لإدارة الخلافات الوطنية الحادة. وحتى عند الاعتراف بأن بعض ملامح العلاقات الصينية الأميركية يمكن أن ترى فعلا عبارة عن أصداء آتية من زمن ثوسيديدس، تجلب هذه المسائل المتشابهة أمام الاستراتيجيين الأميركيين والصينيين اليوم تحديات وفرصا شديدة الاختلاف مقارنة بزعماء أسبرطة وأثينا قديما.

الصين والولايات المتحدة تتنافسان فيما بينهما لكنهما تتقاسمان عدة قنوات تعاون اقتصادي واجتماعي وثقافي


نظرة إلى الداخل


بداية بالمردود الناتج عن الصراع التقليدي، أصبحت قيمة الاستحواذ على الأراضي من أجل السيطرة على شعوب جديدة والوصول إلى الموارد الفلاحية والطبيعية في العصر الحديث أقل مما كان عليه الوضع في العصور الماضية. ولذا تنخفض الدوافع الأميركية والصينية للدخول في أعمال قتالية على نزاعات متعلقة بالأراضي جراء نقص احتمالية الحصول على الفوائد. زيادة على ذلك تمتلك كل من الصين والولايات المتحدة تأثير الردع النووي مما يزيد بشكل كبير إمكانية نشوب حرب تقليدية.

لكن مع ذلك يبدو أن الصين ترى أن توسيع مجال نفوذها البحري، خاصة في بحري الصين الشرقي والجنوبي، يجلب مردودا أكبر ويستحق المتابعة. وبمفعول جذب المنافع العسكرية والاقتصادية الكامنة الهائلة من الهيمنة على الممرات البحرية الحيوية تبدو الصين عازمة على فرض سيادتها على حدود بحرية عريضة باستعمال تكتيكات “تقطيع الصلامي”، أي القيام بعمليات عسكرية تكتيكية أكثر عدوانية من أجل تحقيق أهدافها الاستراتيجية بالتدريج.

إضافة إلى ما تقدم ذكره توجد توجهات خارجية مقابل توجهات أخرى داخلية لدى الدولتين، فكل من الصين والولايات المتحدة تنزعان إلى النظر نحو الداخل من عدة نواح. كلاهما يتعامل مع إعادة هيكلة اقتصادية وتهرّم سكاني ونفقات الرفاه الاجتماعي وعدم مساواة المداخيل والوصول إلى التعليم وإصلاح التعليم وحماية البيئة وأمن أرض الوطن. لكن تجدر الإشارة الى أن هذه المشاكل الداخلية أكثر حدة ومستعصية الحل في الصين مما هو الحال عليه في الولايات المتحدة.

زيادة على ذلك تواجه الصين تحديات أكبر لسلطة حكومتها المركزية مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية. ففي بكين هناك مخاطر حقيقية متأتية من نظام حكم ذي يد طولى وربما هش ومجموعات من الأقليات المحرومة من حق الانتخاب والمقموعة. أما في واشنطن فبالرغم من حقيقة وجود تحديات التحلل السياسي طويل المدى ليس هناك شك في وجود حكومة فدرالية مستدامة.

وبغض النظر عن عمق التحديات الداخلية ومداها التي يواجهها كل طرف، يرغب الطرفان في فترة مطولة من الاستقرار الإقليمي والعالمي وذلك اعتمادا على الحسابات الاستراتيجية الخاصة بهما ومن ثم يميلان إلى إدارة النزاعات الثنائية سلميا.

هل الولايات المتحدة، القوة الدولية المهيمنة في الوقت الراهن، في وضع “تخندق” –أي استعادة القوة قبل فترة أخرى من النمو- أم هل هي في الواقع تسير نحو الانحدار؟ في الوقت الحالي تصعب الإجابة بشكل قاطع.

بغض النظر عن عمق التحديات الداخلية ترغب واشنطن وبكين في فترة مطولة من الاستقرار الإقليمي والعالمي

منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عرفت الولايات المتحدة الأميركية دورات متتالية من التخندق في حكم الرؤساء أيزنهاور ونيكسون وربما أوباما حاليا. بيد أن المنتقدين وصفوا الدليل الاستراتيجي الدفاعي لسنة 2012 الذي أتى به باراك أوباما بأنه غير قوي ومن ثم يمهد للانحدار.

وسواء تعلق الأمر بالتخندق أو الانحدار، أصبح من الواضح أنه إذا لم يتم الاعتناء بالمشاكل الاقتصادية والسياسية في الولايات المتحدة قد يصبح من المستحيل تفادي الاتجاه نحو الانحدار في آخر المطاف.

هل الصين، المنافس الصاعد بسرعة، تمثل خطرا جديا للهيمنة الأميركية أم هل هي دولة أصغر يلزمها أن تمر بفترة تخندق لتفادي التوسع المفرط؟ ترى الولايات المتحدة علاقات القوة لسنة 2014 بأنها تمثل الأمر الواقع، بينما تتمثل نظرة الصين الأبعد في أن قوة الأمر الواقع تاريخيا الممتد على مدى آلاف السنين يجب أن يضع الصين في موقع أبرز في القارة الآسيوية وربما في العالم. وهذا يعني أن الصين تشعر بأنها تستحق استرجاع مكانتها التقليدية والمستحقة تحت الشمس وهي تسعى حثيثا من أجل إيجاد طرق لجعل ذلك واقعا ملموسا.

لكن حاليا تبقى الصين تجمع بين وضعية القوة الراهنة والقوة الصاعدة في ذات الوقت. داخليا يسعى زعماء الحزب الشيوعي الصيني للحفاظ على مقاليد السلطة الاقتصادية والسياسية في أيدي نخبة صغيرة حتى وهم يسعون إلى توسيع امتداد ونفوذ بلدهم في الخارج بوصفه قوة صاعدة. فمثلها مثل الولايات المتحدة لن تكون الصين قادرة على الحفاظ على مسارها الصاعد إذا أصبحت الأسس السياسية والاقتصادية الداخلية لفعل ذلك غير مستقرة وهشة. وفي آخر المطاف سيكون عليهم الانسحاب على الصعيد الدولي من أجل التخندق محليا أو المخاطرة بعواقب التمدد بعيدا جدا ولمدة طويلة جدا.

تتراجع الدوافع الأميركية والصينية للدخول في أعمال قتالية على نزاعات متعلقة بالأراضي جراء نقص احتمال الحصول على الفوائد


تطوير استراتيجية عظمى


تتمثل إحدى العقبات الكبرى أمام تطوير استراتيجية عظمى متماسكة في عالم اليوم متعدد الأقطاب بشكل متزايد في أن فعل ذلك تعقّده جملة من المشاكل والتهديدات العابرة للحدود الوطنية. وهذا يعني أن الصين والولايات المتحدة عند استجابتهما لخطر أو تطور ما ليس متعلقا بصفة مباشرة بالآخر قد تأخذان إجراءات تستتبع عن غير قصد الإضرار بمصالح الطرف الآخر. مثلا إن عملية تطوير ونشر الصواريخ الباليستية في الوقت الحالي من قبل كوريا الشمالية وإيران (التي تظهر بشكل بارز في الاستراتيجية الدفاعية الأميركية) تواصل تحفيز التحسينات في القدرات الصاروخية الأميركية، وهو أمر تجده الصين مقلقا. وفي ذات الوقت تنظر الولايات المتحدة للغزوات البحرية الصينية التي تزداد عدوانية في بحري الصين الشرقي والجنوبي على أنها تهديد لنظام تحالف يمثل أساس وضعها الأمني الإقليمي وصدقيّتها على الصعيد العالمي.

الفروق بين الولايات المتحدة والصين فيما يتعلق بالأيديولوجيا والقيم هي فروق عميقة، فالولايات المتحدة تركز على الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. وفي مقابل ذلك حذر الرئيس الصيني شي جينينغ أعضاء الحزب من الدعاية للديمقراطية الدستورية والقيم الكونية والليبرالية الجديدة وحرية الإعلام والعدمية التاريخية (الانتقاد المفرط لماضي الحزب) والتشكيك في الإصلاح، إذ في الصين مازالت الديمقراطية تعتبر هدامة.

وفي هذا الصدد لا يمكن تجاهل الفروق القصوى بين الصين والولايات المتحدة بكل بساطة ووضعها على الرف.

قال المؤرخ شارلز تيلي مرة إن الدول تصنع الحرب والحروب تصنع الدول، وهذا الخطاب مهم. لقد عرّفت الولايات المتحدة نفسها على أنها بلد استثنائي ناصر الديمقراطية والحرية، وترى نفسها في صف الرابحين من البشرية. في المقابل ترى الصين التي تشعر بالظلم والإهانة أنها بحاجة كبرى لاستعادة مكانتها التي تستحقها في العالم كبلد ثري وقوي.

باختصار التاريخ مهم لأنه يصوغ كيفية قراءة البلدان لبيئتها المعاصرة وتحديد أهدافها الاستراتيجية. وفي هذا الخصوص مازال غياب المصالحة التاريخية داخل آسيا يسبب توترات تدخل الاضطراب على الاستراتيجيات الصينية والأميركية في المنطقة وكذلك للعلاقات بين هذين البلدين.

الأكيد أن مستقبل العلاقات الأميركية الصينية غير واضح، ويبقى الصراع ممكنا في حال سوء إدارة أحد الطرفين أو الاثنين معا لهذه العلاقات. لكن الإدارة السليمة للعلاقات –وهي صعبة التحقق حتى في أفضل الظروف- ستكون مستحيلة إذا صور الزعماء في واشنطن وبكين الصين والولايات المتحدة على أنهما ممثلان تراجيديان محكوم عليهما إعادة تمثيل الحرب البيلوبونيسية. إن فعل ذلك هو دليل على سوء قراءة التاريخ وضعف في العلوم السياسية وأساس واه جدا لأصول الحكم.

7