الصراع الطائفي وتفادي حتميته

الثلاثاء 2014/09/30

دائما ما أحاول أن أنأى بنفسي عن الطائفية، وعن الخوض فيها لقناعةٍ مبكرة تعلمت منها أن كليهما (أي السني والشيعي) وهما المكونان الأساسيان لمسلمي العالم، لن يتخلى عن قناعاته وعقيدته وإيمانه وفطرته التي ولد عليها وترعرع، ولن يزيده انتقاد الآخر له وهجومه عليه إلا قناعةً وتمسكاً أكثر بطائفته، وإصرارٌ بعزم لا يتزحزح على تضليل الآخر، في حين لدى البعض قد يصل الأمر حدود التكفير والعداء المطلق الداعي إلى التصادم والاقتتال.

من الحكمة أن يسعى العقلاء من الطرفين، دوماً، لتستمر جلسات الحوار الهادف إلى التقارب من أجل السلم والتوائم والعيش المشترك تحت مظلة وطنٍ واحد، يكون المعيار فيه الانتماء إلى البلد لا للطائفة كمقياسٍ للوطنية، ولا يستخدم فيه بعض المتعصّبين من رجال الدين مشاعر العامة البسيطة والمسيّرة في أغلبها عبر فتاوى الترغيب والترهيب لتنفيذ أجندتها التي لا يغيب عنها استغلال السياسيين لتحقيق سياساتٍ لطالما أسهمت في عمق الفجوة بين الطائفتين، وليس أفضل من حال العراق أن يُضرب كمثال هنا، وبالطبع أيضا لبنان، الذي عملت بعض الأطراف فيه، وبإيعاز من دول لها مصالح لا تخفى على أحد، على تأجيج الفصل الطائفي القائم على تجييش أتباع المذهب، وحشوه بشعارات كاذبة لكنها قادرة على دغدغة عواطفه وتسييره ليكون داعما لقياداته التي زجت به أخيرا في أتون الحرب السورية، التي لم تعد فقط لنيل الحرية وخلع النظام الأسدي، وإنما ساحة لاستعراض القوى، وتصفية الآخر، والمساومة وبسط النفوذ، وفرض الإرادة.

تدخل حزب الله السافر في الشأن السوري، والذي ربط استمراره الأمين العام للحزب حسن نصر الله ببقاء بشار الأسد في الحكم، واكبه أيضاً إشراك لقوات من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية كعصائب أهل الحق وقوات البطاط وجيش المهدي، بالإضافة إلى متطوعين شيعة تم تجييشهم من دولٍ إسلامية كأفغانستان وباكستان؛ يجبرني مرغماً على التطرق لما تمنيت إنكاره ورفض حدوثه واستبعاده، ألا وهو طبيعة وشكل الحرب القادمة، وهل ستكون (إسلامية- إسلامية) بين أتباع المذهبين بخلفيةٍ طائفية بحتة، بعيداً عن المعتقدات الفكرية الحزبية، أو أنها ستكون أيديولوجية متزمتة تمثلها بعض الجماعات المسلحة الثائرة على الأنظمة، ومدنية تمثلها الدولة الساعية لوأد ما تراه مهددا لوجودها عبر الجماعات المسلحة ذات الفكر الديني.

قد تمثل الحرب الأميركية التي بدأت منذ أيام على تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية “داعش”، صائبةً في إطار الحرب بين الحكومات والجماعات التي تسميها بالإرهابية.

نتيجتها ما زالـت غـير محسومـة، ومخطئ من يظن أن بإمكان دول العالم القضاء على تنظيم بقوة الطائرات فقط، فمثل هذه الجماعات تعتمد في وجـودها على الفكر الذي يستقطب الشباب ويجعل منهم خلايا نائمة يسهل إيقاظها حال الضرورة لها، وستنفذ بعقيدة قوية أوامر قادتها وملهميها ولن تكون أجسادها غالية في نظرها، لأن تفجّرها ضد أي هدف تعده كافرا من وجهة نظرها، سيصعـب اقتفـاء آثار منتسبيها وكشفهم، فهذه التنظيمـات قـد تعلمت من دروس المـاضي وألغت المركـزية في بعض مواقعها، واعتمدت بدلا من ذلك نمط الخلايا الصغيرة من مجموعة من الأفراد تُرك لها حريـة التصرف، كما أنها لم تعد كـالسابـق يسهل كشفها، فهي مختلطة في مجتمعـاتها ومنـدمجة ولا تعطي أي انطباع أبدا عن كينونتها لا في المظهر والشكل فقط، وإنما في تبنيها العلني أيضا لأي فكر.

قد تنجح الحرب على “داعش” في تقزيم نفوذها على الأرض، وقد تنهي تواجدها العسكري لفرض حل للأزمة السورية، لكنها لن تقضي على فكر متشدّد نشأ لأن الحكومات قد وضعت أمام الآخر خيار العيش في ظل الاستبداد أو الإرهاب أو الفوضى، وهو ما سيتمخض عنه، على الدوام، فكر يدعو للتغيير بالقوة المسلحة!

على الجانب الآخر، وما قد يسهم يوما في إشعال الحرب الأهلية الطائفية واسعة النطاق، مواقف التنظيمات الموالية لإيران وأذرعها في المنطقة العربية كحزب الله مثلا، والـذي ما فتئ قادتـه يقومـون بتبرير تدخلهـم في سوريا وتنازلهم عن شعار زوال إسرائيل التي قامت على قتالها أيديولوجيات الحزب، وبسببها تلاعب بمشاعر المسلمين حول العالم وبمختلف طوائفهم وانتماءاتهم ونال تأييدهم، لكنه رمى بقواته صوب الداخل السوري الساعي لتنفس حريةٍ غابت عن هوائه أكثر من أربعين سنة، عاشها في ظل حكم حزب البعث وزبانيته!

لنفترض جدلا صحة حجج الحزب وتبريره لتدخله، ولكن هل من الحكمة أن تترك قواته الأرض اللبنانية مفتوحة لأي اختراقات إسرائيلية لتصول وتجول فيها، إلا إن كانت له المقدرة (وأشك في ذلك) على فتح أكثر من جبهـة بما فيهـا مـع إسرائيـل في حال محاولة الأخيرة ضرب عناصر الحزب ومواقعه في الجنوب اللبناني، أو تصفية عناصر أو قيادات تابعه له في الداخل.

التجييش الطائفي الذي انتهجه نوري المالكي في العراق سبب آخر كان من الممكن أن يتجه بالعراقيين أيضا صوب الحرب الطائفية، التي ستنهي بدورها حالة التعايش السلمي والإنساني بين السنة وإخوتهم الشيعة، وقد تتسبب في إشعال صراع طويل يصعب إنهاؤه أجَّجَه هضم حقوق طائفةٍ على حساب أخرى، مع أن كلاهما محسوبان على دينٍ واحد؟.

لتفادي ذلك، فالكرة بالفعل هذه المرة تقع في الملعب الشعبي، لمن يسمونهم “حزب الكنبة” من الشعب، إلى الجماهير الصامتة المطيعة، التي إن تخلت عن التبعية العمياء والانقياد لفتاوى القيادات المحرّضة، وحاولت العودة إلى نمط العيش المشترك، وتركت عنها التعصب الأهوج لمذهبها، والنواح على ماضٍ بعيد لم يعد من المجدي تذكره ولا الانتقام له؛ حينها وبكل تأكيد لن تجدي نفعا دعوات التعصب والتزمّت، وسيكون الانتماء للوطن القاعدة والمعيار، وسيتراجع رجال دين ضالعون في السياسة والمذهبية، ليكون دورهم محصوراً، كما يفترض، في أماكن العبادة فقط.


كاتب عربي مقيم في السعودية

8