الصراع العربي الكردي جزء من "الفتنة الأهلية الباردة"

الاثنين 2013/10/07
عوائق كثيرة تحول دون اندماج العرب مع حياة الأكراد

(نور) طفلةٌ في الخامسة من عمرها، لجأتْ مع أمِّها وأختها ذات الخمسة عشر عاما إلى مدينة قامشلو/القامشلي ذات الغالبية الكردية، من محيط مدينة دير الزور منذ ما يقارب العشرة أشهر، بعد مصرع والدها في قصف لطيران النظام هناك.

صادفتُهم في «السرفيس»، وبعد أن أجفلها صوت إغلاقي الباب بقوة، قالت لي نور وباللغة الكردية: «أخفتَني». تفاجأتُ بما قالته بعد أن أدركتُ أنهم عرب، (كما تدلُّ على ذلك ثيابهم العربية المميَّزة). فأجبتُها بالعربية مبتسما: «لا تؤاخذيني عمو». إلا أن أمها التي كانت جالسة قبالتي وتحتضن نور، أصرَّت على التكلم مع ابنتها الصغيرة باللغة الكردية. رحتُ أتحدَّث مع نور طول الطريق وهي تجيبني وتسألني بلغة كردية طفولية جميلة. فلمستُ علامات الانتصار في وجه الأم، بعد أن سألتني أكانت ابنتها تتقن الكردية وتفهمني جيدا أم لا.

قالت لي الأم بالحرف، بعد أن سألتُها عن سرِّ حديث نور بالكردية: يا ولدي نحن في بيئة غالبيتها أكراد، وثمة لغة خاصة بهم علينا تعلمها ليزداد اندماجنا في مجتمعنا الجديد. بالنسبة لي لم أعد قادرة، بحكم العمر، على تعلم لغة جديدة. ثم أضافت: لو أننا لجأنا إلى تركيا مثلا، ألم يكن لزاما علينا تعلم اللغة التركية هناك؟

«بالتأكيد ثمة الكثير من القصص الأخرى المشابهة لقصة الطفلة نور، عن رغبة النازحين في الاندماج في المجتمع الكردي ومحاولاتهم لـتأكيد ذلك». كما يؤكِّد على ذلك (س.ج) المختص في علم الاجتماع، مضيفا «إلا أنه ثمة الكثير من العوائق التي تقف حائلا أمام حدوث هذا الاندماج بالشكل الصحي الأمثل، ربما أكثر هذه الأسباب وضوحا ورسوخا هو اشتداد الخطاب القومي على الصعيدين العربي والكردي في آن، تغذّيه مشاعر التفوق من الجانب الكردي بسبب اشتداد عودهم، نتيجة تبلور قوات عسكرية تدافع عن وجودهم، كما تجاهر هذه القوات.

في المقابل الشعور العميق بالغبن والإقصاء الذي يسيطر على العرب النازحين في هذه المناطق. فالتشرُّد يحطم الملكات البشرية لتصبح غير قادرة على التعامل بموضوعية مع الحدث». على حد تعبير الاخصائي (س.ج)

إلا أن الكاتب السوري (دارا عبدالله) لا يرى في هذا الصراع أي أثر مباشر على وجود النازحين العرب في المناطق الكردية، ويضيف دارا وهو ابن مدينة القامشلي، شمال شرق سوريا: «من المفيد جدا ذكره، أن السلوك السياسي للحركة الكردية السورية تجاه هذا الموضوع كان مقبولا، حيث قامت بتوزيع الإعانات على العوائل العربية في مناطق سيطرتها بالتساوي مع مثيلاتها من الأكراد».

ويشبِّه الكاتب دارا ما يحدث بـ«الفتنة الأهلية الباردة» معتبرا أن الأكراد كانوا سينالون المعاملة ذاتها فيما لو نزحوا إلى المناطق العربية» في ضوء حديث بعض المراقبين عن ارتفاع وتيرة الخطاب القومي الكردي.

وكانت السيدة ليلى محمد، عضو الهيئة الكردية العليا (ائتلاف يضم جميع القوى السياسية الكردية في سوريا) قد أعربتْ عن خشيتها من «تغيّر قد يطال ديموغرافية المناطق الكردية» على حد وصفها «نتيجة ازدياد التوافد العربي على هذه المناطق، في مقابل ازدياد الهجرة الكردية نحو إقليم كردستان العراق ودول أوروبا».

وتقدِّر إحصائيات الهيئة الكردية العليا، عدد النازحين من المناطق السورية المختلفة إلى القامشلي والمدن الكردية الأخرى، بـ (115 ألف نازح). وتشير في المقابل، ذات الإحصائيات إلى هجرة ما يقارب الـ (130 ألف مهاجر كردي سوري) مؤخرا إلى إقليم كردستان العراق.

(س) رجل في الثلاثينات من العمر، قدِم من الريف الجنوبي لمدينة الحسكة على تخوم محافظة دير الزور. التقيتُ به في منزل أحد الأصدقاء، كان متوترا وهائجا .. تحدَّثنا عن الخدمات في القامشلي كالماء والكهرباء، وتطرقنا إلى غلاء الأسعار.

الأمر الذي يراه (س) «تصرُّفا مخططا له من قبل أكراد المدينة للتضييق على النازحين العرب وإجبارهم على الخروج من المنطقة»، على حدِّ زعم السيد (س) الذي ختم كلامه بلهجة قريبة إلى الصراخ والوعيد، قائلا: اسمعني جيدا، الجيش (العربي) الحر قادم.

هكذا يرى (س) ومثله أغلب عرب المنطقة خطرا على وجودهم وهويتهم العربية، في تنامي قوة الأكراد وتبلور ذراعهم العسكرية على وجه الخصوص. ويزداد هذا الصدام وضوحا يوما بعد آخر، بين النازحين العرب وسكان هذه المدن من الأكراد، على وقع اشتداد المعارك بين فصائل مسلحة من المعارضة يغلب عليها الطابع الإسلامي والعربي المتشدد من جهة، ووحدات الحماية الشعبية الكردية من جهة ثانية.

في الريف الممتد بين شمال مدينة الحسكة ومدن الشريط الحدودي في الشمال الشرقي ذات الغالبية الكردية، والتي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وجناحه المسلح الذي يخوض هذه المعارك والمعروفة اختصارا بـ YPG أي وحدات حماية الشعب.

بين عفويَّة الطفلة نور التي تدفعها أمها إلى تعلم اللغة الكردية، رغبة في أيجاد باب يوصلهم للاندماج الكامل في جسم المجتمع الكردي المضيف لهم، وعدائية الرجل (س) الذي «ضاق ذرعا بممارسات الأكراد الساعين إلى طرد العرب من مناطقهم، متوعِّدا إيّاهم بقدوم الجيش العربي الحر». تبقى السيدة ليلى أم أحمد تجرُّ بلدتها السفيرة معها في أنحاء موطنها الجديد، بلدة معبدة، في ظلِّ اندماج زوجها في المجتمع الكردي هناك، ورفضه لفكرة العودة إلى الديار، وترك بلدته الثانية/الأولى، بأي شكل من الأشكال.

___________________


* (خدمة مؤسسة أنا ANA للإعلام الجديد)

6