الصراع القبلي في اليمن لم يجمع القوة والنفوذ في كفة واحدة

الاثنين 2014/10/06
اليمنيون تشتتت وحدتهم أمام المد الطائفي الزاحف بأياد خارجية غير خافية

"قراءة في النسق الاجتماعي والسياسي"، دراسة تتناول بنية الخطاب الطائفي في اليمن وانعكاساته في محاولة لكشف جانب من طبيعة الصراع الحالي في اليمن. سلط الجزء الأول من الدراسة (نشرت بصحيفة العرب في 2014/10 /02، العدد: 9697، ص7) الضوء على بعض الجوانب التاريخية التي أدت إلى ظهور هذه النزعة، وبالتحديد عهد سقوط المملكة المتوكلية وظهور النظام الجمهوري. وفي هذا الجزء الثاني، تحليل بعض مظاهر تغلغل هذا الخطاب في ثنايا المجتمع اليمني من خلال إقصاء الهاشميين ودور النظام الجمهوري في ذلك.

خلال العهد الجمهوري في اليمن عمد قادة النظام إلى تركيز خيوط السلطة اجتماعيا في يد قوة واحدة من قوى المجتمع، بل وفي جانب واحد وهي قبيلة حاشد، التي سيطر كبار مشايخها على مواقع النفوذ والقوة في النظام الجمهوري لمناصرتهم إياه، في مقابل تهميش كثير من الشخصيات والوجهاء والمشايخ المعروفين في مختلف القبائل الأخرى التي ناصرت النظام الملكي.

بالتالي فقد فقدت النظرية التعددية التي قام عليها الحكم في اليمن طوال فتراته التاريخية السالفة أهميتها، ودخل المجتمع ضمن سياق أحادي سلبي أدى إلى ما يعيشه اليمن من حالة فوضى وانعدام مفهوم الدولة في سياقات الذهنية الاجتماعية القبلية بوجه خاص، لكون الدولة قد باتت في نظر أولئك ومن خلال تعبيراتهم الصريحة مرتبطة ببعض مشايخ قبيلة حاشد وعلى رأسهم الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر.

على أن الأمر لم يقتصر على شريحة القبائل، بل امتد ليشمل فئة القضاة الذين لم يتضرروا كثيرا حيث ظلوا في موقعهم كحلقة مساندة للحكم الجديد. ويشمل فئة الهاشميين جملة الذين تعرضوا لحالة كبيرة من التهميش الكلي خلال المرحلة، وتم إغفال دورهم الكبير في قيام النظام الجمهوري والدفاع عنه سنة 1962، بل وفي المشاركة الفاعلة والرئيسة في محاولات التغيير السابقة سواء في ثورة الدستور ضد الإمام يحيى حميد الدين سنة 1948، أو في حركة 1955 ضد الإمام أحمد.

تم في سياق تكريس حالة الإقصاء، ربطهم بالحكم الملكي عموما وبأسرة آل حميد الدين الحاكمة، وتعدى ذلك إلى ربطهم بدائرتي الإمامة والزيدية، اللتين ارتبطتا بالحكم الملكي في اليمن، ليصبح الغضب عليهما جزءا من الغضب على حكم الإمام يحيى حميد الدين وابنه الإمام أحمد وحفيده الإمام محمد البدر. وبالتالي سهل تشاكل كل تلك الدوائر في ذهن المستمع والقارئ العامي، لتتداعى تلك الصور دفعة واحدة في عقله حين الحديث عن أحدها.

مثلا إذا جاء الحديث عن الإمام يحيى تداعت إلى ذهنه حقبة تاريخية طويلة من حكم الأئمة، التي تم وصمها في الخطاب الإعلامي بالكهنوت والرجعية، علاوة على ارتباطه بصورتي الهاشميين كعرق، والزيدية كطائفة، وإذا تم الحديث عن الزيدية برزت تلك الصور أمامه.

هكذا فقد كانت تلك الموضوعات دوائر متشاكلة في منحى غير سوي، الهدف منها تحجيم دور الهاشميين في اليمن تلبية لغايات مختلفة، منها ما هو متعلق بحالة التطرف الفكري الواضح في ثنايا أفكار التيار السلفي الجهادي على وجه الخصوص، الذي تم تعزيز دوره وتمتين وجوده بشكل رسمي خلال حقبة السبعينات والثمانينات، كما لم يقتصر هجومهم على المذهب الزيدي فحسب، بل امتد ليشمل بلهيبه كل المذاهب والأفكار المخالفة لهم بشكل عام سنية كانت أم شيعية، ومنها ما هو مرتبط بالتضارب المصلحي مع هذه الشريحة من قبل فئات بسيطة من بعض الشرائح الأخرى.


ما ملامح الطائفية في النظام الجمهوري؟


أمام هذه الرؤيا وهذا المنهج، تعرض الهاشميون كعرق والزيدية كطائفة إلى حملة إقصائية واسعة، تم تبنيها إعلاميا ومنهجيا بشكل موسع، ولا أتصور أن غضبة القاضي محمد محمود الزبيري تأتي من فراغ في كتابه “مأساة واق الواق” في محضر رفضه لكل تلك الممارسات العنصرية التي تعرض لها الهاشميون في اليمن منذ فترة مبكرة من عمر النظام الجمهوري حين قال: “أنا لا أعتبر الهاشميين إلا جزءا أصيلا من أبناء الشعب، لو نازعتني الدنيا كلها عليهم لقاتلت في سبيل الاحتفاظ بهم، كما أقاتل من ينازعني على جزء من أرض بلادي، وأعتبر هذا وذاك غاصبا معتديا أثيما".

فقدت التعددية التي قام عليها الحكم طوال فتراته التاريخية السالفة أهميتها ودخل المجتمع ضمن سياق أحادي سلبي

لقد عكس هذا القول عمق حالة الإقصاء، بمحاولة البعض من أركان النظام الجمهوري إلغاء هوية شريحة الهاشميين وانتمائهم لليمن، رغم عمق تواجدهم التاريخي، الذي يعود إلى الربع الأخير من القرن 3هـ/9م، حين هاجر الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم الرسِّي إلى مدينة صعدة بطلب من بعض قبائل اليمن.

على أن الأمر لم يتوقف عند ذلك فحسب، بل عمل بعض الدارسين في عدد من الهيئات الأكاديمية الرسمية على التشكيك في صحة انتساب الذرية الهاشمية اليمنية إلى الإمام علي بن أبي طالب، حيث تطرق إلى ذلك أحمد قائد الصائدي في كتابه “حركة المعارضة اليمنية”، وتبعه نقلا عنه عبدالملك المقرمي في كتابه “التاريخ الاجتماعي للثورة اليمنية”، وغيرهم، اللذين أعادا أمر الانتساب إلى طبيعة الأوضاع السياسية التي قصرت تداول الحكم في دولة الأئمة على شريحة السادة فقط، مما سمح بحسب تعبير الصائدي، لكل طامح راغب في الوصول إلى السلطة، وتحقيق مختلف الامتيازات التي يتمتع بها السادة ضمن إطار المجتمع اليمني، من تدبر أمر الالتحاق سلاليا بهذا النسب بصورة غير شرعية (…)

تجدر الإشارة إلى أن فرضية التشكيك قد بادر إلى تبنيها بدءا عدد من الباحثين الموالين للنظام الجمهوري خلال جذوة الحرب الأهلية الأولى بين نظام المملكة المتوكلية اليمنية والثائرين عليه، حيث أصدر قاسم غالب وهو من أركان المدنيين المؤسسين للنظام الجمهوري كتاب “ابن الأمير وعصره”، الذي ينكر فيه نسب أسرة آل حميد الدين إلى الذرية الهاشمية، على أنه في ذات الوقت قد كشف منذ فترة مبكرة عن نعرته العنصرية ورغبته في إثارة علائق الخلاف بين العصبية الهاشمية والعصبية القحطانية، خلال حواره في عدن سنة 1381هـ/1961م مع أحد أقطاب شريحة القبائل في اليمن وهو الشيخ سنان أبو لحوم، الذي أشار إلى ذلك في مذكراته بقوله: “ويوم 1961/10/12 كنت في البيت متعبا فزارني قاسم غالب وتحدثت معه كثيرا، وكان عائدا من القاهرة وأثنى على البيضاني، وقال: إننا غيرنا الفكرة إلى القحطانية والهاشمية، لأنها كانت مفيدة، فقد انتهت النعرة بين الشافعية والزيدية، وهو كان من دعاة ذلك".

كان ذلك أيضا ما حاول إثارته الدكتور عبدالرحمن البيضاني خلال حقبته السياسية في اليمن بحسب شهادة الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني، الذي عبر عن رفضه لمثل تلك الممارسات العنصرية والطائفية بقوله إن الدكتور البيضاني قد: “… جاء ليفرق بين أبناء الشعب فيهاجم الهاشميين تارة، ويهيج الشافعية ويتباكى عليهم أخرى”، مشددا على أن الهاشميين في اليمن كانوا يعانون مثل غيرهم من بؤس النظام الحاكم وسوء أحواله خلال عهد المملكة المتوكلية اليمنية.

النظام الجمهوري عمد إلى تركيز خيوط السلطة اجتماعيا في يد قوة واحدة من قوى المجتمع بل وفي جانب واحد وهي قبيلة حاشد

كما لم يتوقف ذلك المنهج الإقصائي عند حد إلغاء الهوية اليمنية وتشكيك الانتساب للذرية الهاشمية، بل عمد عدد من الدراسات الاجتماعية اليمنية الحديثة إلى قراءة مقومات ومرتكزات هذه الشريحة وفق منظور سياسي متوافق مع أدبيات الخطاب الإعلامي السائد في اليمن منذ الثورة اليمنية سنة 1962 ضد حكم آل يحيى حميد الدين.


أي دور للباحثين في ترسيخ الطائفية؟


عمد عدد من الباحثين عند مناقشة أحوال شريحة السادة اجتماعيا إلى تضخيم بعض المظاهر الاجتماعية وعرضها في صورتها السلبية باعتبارها مظاهر خاصة بهم، ودون دراستها ضمن منظومة الأفكار والعادات والتقاليد لمختلف فئات اليمن وشرائحه.

من ذلك مسألة تحديد زواج الهاشمية من غير الهاشمي مثلا، الذي تتم مناقشته بشكل مبتسر دون مراعاة موضوع الكفاءة الشرعية بحسب رأي الفقهاء، ودون تطبيق ذلك على بقية أطياف الشرائح الاجتماعية اليمنية، التي تلتزم بقوانين الكفاءة الشرعية والعرفية، وفق ما فصله كثير من الفقهاء في مدوناتهم الفقهية.

على أن الزيدية قد فصلت الأمر بجعله مقرونا بموافقة الزوجة والولي، وتتوافق في ذلك شريحة السادة مع غيرها من شرائح المجتمع كشريحة القضاة وشريحة القبائل، التي تمتنع عن إتمام عقد الزواج لمن هو دونها في المنزلة الاجتماعية بحسب مقتضيات العرف والتقاليد.(…)

ومسألة الزي المخصص لشريحة السادة باعتبارهم علماء، حيث يتم انتقادهم به رغم مشاركة شريحة القضاة لهم بشكل تام، ومسألة عادة تقبيل اليد والركبة، التي يمارسها المجتمع اليمني بأكمله، بل والمجتمع العربي المسلم، ضمن سياق إظهار حالة التأدب بين أفراده ولكبار السن وللعلماء.

تعرض الهاشميون كعرق والزيدية كطائفة إلى حملة إقصائية واسعة تم تبنيها إعلاميا ومنهجيا بشكل موسع

ناهيك عن محاولة تأجيج المشاعر بمعلومات غير دقيقة ولا صحيحة، وتمس كيان المجتمع قبل أن تمس كيان فئة منه، كالقول بوجوب اعتدال الراكب عن ظهر دابته ونزوله إلى الأرض حين رؤيته للهاشمي ماشيا على سبيل الخضوع، إلى غير ذلك من الأقاويل المسيئة للمجتمع اليمني بشكل عام قبل إساءتها لشريحة مخصصة منه، على اعتبار ما ألصقته في اليمنيين إجمالا من سلوكيات مشينة طابعها الذل والخوف والرهبة، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الشخصية اليمنية التي حاربت من أجل الحفاظ على حريتها وكرامتها، الأمر الذي يجعل الدارس يميل إلى تأكيد النبرة السياسية في مختلف تلك الدراسات الاجتماعية.

العجيب في الأمر أن حالة الإساءة إلى المجتمع اليمني في معرض تكريس حالة الإقصاء لشريحة الهاشميين لم تتوقف عند ما سلف، بل نجدها قد تعدت لتصل إلى حد نفي وجود أي ثراء معرفي في اليمن خلال فترات حكم دولة الأئمة، حيث، في هذا الإطار، يمتلئ كتاب القاضي إسماعيل الأكوع “هجر العلم ومعاقله في اليمن” بكثير من المعلومات الخاطئة، والإيماءات المشوبة بنفس طائفي إقصائي، ومن ذلك ما أشار إليه في كتابه بأن الهاشميين قد عمدوا إلى احتكار المعرفة فيهم لغايات سلطوية كما يزعم حيث يقول: “إن الجهل الذي كان سائدا بين القبائل وهم السواد الأعظم في اليمن، هو من صنع الحكم الإمامي، وقد وضع وفق خطة مدروسة ليبقى الشعب جاهلا فلا يعرف شيئا في الوجود غير حكم الأئمة ووجوب طاعتهم دينا وعقيدة … فلهذا فقد حرص الأئمة على احتكار العلم في أسرهم وفي من يليهم، ثم في من يليهم من الأسر العلوية، لتكون المناصب العليا في الدولة حكرا عليهم وحدهم".

واقع الحال لا يصح ذلك تاريخا، كما لا يمت إلى الحقيقة بطرف، حيث وبالنظر إلى كتب الفهارس العلمية (الببلوغرافيا)، وإلى فهارس أسماء العلماء في عدد من الكتب المنشورة، يتضح مدى بعد مثل تلك المقولات عن مطابقتها للواقع. لكون معظم علماء اليمن الزيدي والشافعي من أبناء الشرائح الاجتماعية المتنوعة، وخاصة من طبقة القضاة، الذين شكلوا لبنة الحياة العلمية في اليمن.

في سياق آخر، لقد انخرطت شريحة الهاشميين ضمن سياقات المجتمع اليمني، مؤثرة ومتأثرة في مجمل تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، فكان منهم القوي والضعيف، الغني والفقير، العالم والجاهل، متوافقين في ذلك مع مختلف الشرائح الاجتماعية اليمنية، التي تميزت كل واحدة منها بامتيازات خاصة، تتوافق وتتقاطع مع غيرها من الامتيازات الاجتماعية للشرائح الأخرى في عديد من الأحوال السلوكية، وخاصة مع شريحة القضاة، التي تتطابق معها في كثير من الصفات المظهرية والعادات والتقاليد الاجتماعية، نتيجة توافقهما المعرفي، وبالتالي اتحادهما الوظيفي الكامن في تعليم الناس وتفقيههم أمور دينهم ودنياهم، والتزام الفصل بينهم بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

6