الصراع المتجدد بين الإيمان والعقل

المؤرخ البريطاني كريستوفر دي باليغ يعيد طرح قضية الإسلام والتنوير في كتاب يعد وثيقة تؤرّخُ لمسار النهضة الإسلامية وتعيد قراءتها في ضوء المستجداتِ الراهنة.
الأحد 2018/09/09
نابليون في مصر.. حملته فجرت أسئلة العلاقة بين الإسلام والعصر

كثيراً ما تتَّهِمُ القراءات الغربيّة العالمَ الإسلاميّ في القراءات بالفشل في تبنّي تجارب التحديث والإصلاح والتكيّف مع الواقع ومتغيّراته، وغالباً ما تستند قراءات كهذه إلى معايناتٍ انتقائيةٍ وراهنة يعوزها الربط بسياقٍ متماسك ومحايد لا سيّما وأنَّ مصطلحاتٍ مثل “الحداثة” و”التنوير” هي مصطلحاتٌ أُنتِجت خارج الحقل الثقافي الإسلامي، ما يستوجب توخّي الحذر عند مداولتها في المجال الثقافي الإسلامي.

في كتابه "الإسلام والتنوير" يعرِضُ كريستوفر دي باليغ، وهو صحافيّ ومؤرخ بريطاني متخصّص في تاريخ الشرق الأوسط ما يصفه بلقاء الإسلام مع الحداثة وذلك قبل قرنين من الزمن، وما استتبع ذلك اللقاء من عواقب جسيمة كانت بحسب ما يراه الكاتب أساساً للأمل في إحياء التنوير الإسلامي وهو المصطلح الذي ربما يعتبره البعض -بحسب ما يقول دي باليغ- سذاجةً أو تناقضاً لفظياً لجهة اجتماع مفردَتين كالتنوير والإسلام، ويركّز المؤلّف، وهو الذي عمل مراسلاً لصحيفة الإيكونوميست في كل من إيران وتركيا على مناقشة جوانب تفاعل المجتمعات الإسلامية بمكوّناتها المختلفة مع مظاهر النفوذ الأوروبيّ المتزايد في المراكز السياسية والثقافية في العالم الإسلامي، الذي بلغ ذروته بعد غزو نابليون لمصر عام 1798، وهي اللحظة الفارقة التي ينطلق الكاتب منها في رصده لتجارب التنوير في ثلاثة مراكز رئيسيّة يختارها المؤلّف لغرض دراسته وهي القاهرة وإسطنبول وطهران.

وفقاً لما يؤسّس له دي باليغ، فإنَّ نشأة مصطلح التحديث أو الإصلاح في المجال الحضاري والمعرفيّ الإسلامي تقترِنُ بلحظةِ اصطدامِ الحضارة الإسلامية مع الحضارةِ الغربية التي كانت في حينه قد أنجَزَت مسارها التحديثي الأول، وهي اللحظة التي مثّلَتها حملةُ نابليون على مصر عام 1798.

غيرَ أنَّ الفهم العميق لأصول الحركة التنويرية الإسلامية إنّما يقتضي العودة إلى الماضي الذي يفصله عن هذه الحركة زهاءَ خمسة قرون حينَ كانت الحضارة الإسلامية وسيطاً معرفيّاً في نقل فلسفة اليونان وأفكارهم إلى الحضارة الغربية مُلهِمَةً في وقتٍ لاحق نهضةً أوروبيةً غيّرت وجه العالم الغربي وصولاً إلى ما هو عليه اليوم.

الظواهر والشخصيات التي يربطها دي باليغ بالتحولات الكبيرة في الفكر والثقافة تركّزت من حيث تأثيرها في المناطق التي يصِفُها بالمناطق المحفّزة، وهي مصر وتركيا وإيران

وبحسب ما نطالعه في مقدّمة الكتاب، فإنّه ما من شكٍّ في أنَّ تاريخ القرون الوسطى يُثبِتُ بشكلٍ جليٍّ قدرة المجتمع الإسلامي ونخبته الثقافية على توليد الأفكار والنهوض بمهمّة التنمية البشرية؛ حتى وإن بدا في وقتٍ لاحق أنَّ تلك المسيرة تعثّرت تحت وطأة المتغيّرات العاصفة التي ألمّت بالمراكز الحضارية الإسلامية التقليدية.

 وهنا يتساءل المؤلّف ما الذي يجب فِعلَه في السردية الإسلامية بُغيَةَ إعادة اكتشاف تلك الروح الحيوية التي شهِدها العمق الحضاري الإسلامي في مراحل متفاوتة من تاريخه؟ هل يحتاج إلى الانفتاح على العالم أم حماية نفسه منه؟

شهِدت المجتمعات الإسلامية منذ بداية القرن التاسع عشر تحوّلات جوهرية استندت إلى تغيّراتٍ مفاهيمية وحداثوية، بما في ذلك تبنّي مفاهيم الطب الحديث وتحرّر المرأة وتطور الديمقراطية وما إليه من المفاهيم التي اعتُبِرت مستجدّاتٍ حقليّة حينئذ.ومما لا شكَّ فيه أنَّ تغيّراتٍ كهذه ما كانت لتُبصِرَ النور مِن غيرِ جهود ونضالات أعلامٍ بارزين أخذوا على عاتقهم مسؤولية النهوض بعبء الإصلاح والتغيير بغية تجاوز الهوّة الحضارية التي راحت تتفاقم بين المجتمعات الإسلامية ونظيراتها الغربية.

يعرِض الكتاب بتحليلٍ مفصّلٍ لسِيَرِ أبرز أولئك الأعلام والكتّابِ والسياسيين الذين جلبوا هذه التغيرات الملحوظة، كما يُشرِّحُ السياقات السياسية والاجتماعية التي جعلت إرثهم يبدو اليومَ وكأنّه مهدَّد بالزوال.

 ويركّزُ المؤلّف على مناقشة ما يدعوه بالتوحيد التدريجي للمساعي المختلفة التي أفضت لما يدعوه الكاتب “الدوّامة” الحداثية، وهي التي يعنوِنُ بها الفصل الرابع من كتابه وصولاً إلى صعود الدولة الحديثة التي يُفرِدُ لها فصل الكتاب الخامس، بينما يخصّص الفصل الأخير لما يدعوه بـ”التنوير المضاد” والذي شكَّل تحدّياً وانقلاباً على توجهات القرن التاسع عشر النهضويّة.

لم يقتصر مسار الإصلاح والتنوير على المراكز الشرق أوسطية التي يخصّها الكتاب بالنّقاش كما أسلفنا، إذ أنّ ذلك المسار شمل مواقع أخرى، فعلى سبيل المثال تأسست أول ملكية دستورية في العالم الإسلامي في تونس عام 1861. وفي الهند، أصبحت الكليّة المحمدية الأنغلو شرقية، التي تأسست في عام 1875، واحدةً من أولى مؤسسات التعليم العلماني في العالم الإسلامي.

بيدَ أنَّ الظواهر والشخصيات التي يربطها دي باليغ بالتحولات الكبيرة في الفكر والثقافة تركّزت من حيث تأثيرها في المناطق التي يصِفُها بالمناطق المحفّزة، وهي مصر وتركيا وإيران. فمثلما كانت البلاد الإسلامية تتطلّع إلى مكة المكرمة كمركزٍ عقائديٍّ وروحيّ يمثّل القلب بالنسبة إلى الأمّة الإسلامية، فإنَّ القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين كرَّسَ نظرةَ الأمّة إلى تلك المراكز بوصفها الدماغ الذي يشرِفُ على جسد الأمّة.

إنَّ ما يلفت الانتباه في إبراز الكتاب لأهمية الدور الذي لعبته المرأة على امتداد تاريخ الحضارة الإسلامية ذِكرُهُ أنَّ هنالك قرابة 8000 امرأة دَرَسنَ في المساجد في كلِّ من القاهرة والقدس والمدينة المنوّرة في غضون 150 عاما بعد وفاة النبي محمد، أي قبل 1300 سنة من اليوم، وبحسب ما يقول الكاتب، يبدو أنّه لم يكن هنالك فصل بين الجنسين في هذه الأماكن المقدسة.

التنوير بوصفِهِ حاجةً ذاتية

النكوصُ الرجعيّ فرض نفسه على مساحات أكبر من العالم الإسلامي
النكوصُ الرجعيّ فرض نفسه على مساحات أكبر من العالم الإسلامي

يرى المؤلّف أنَّ تجربة الإصلاح والتنوير الإسلامية الحديثة، وإذا ما كانت قد تأثّرت في بعض جوانبها بمنجز الحداثة الغربية، إلاَّ أنّها أيضاً جاءت بمثابة استجابة طبيعيّة لنزوعٍ مجتمعيّ داخليّ فرضته المجتمعات الإسلامية التي أدركت الحاجة إلى التغيير والانتقال إلى عصرٍ جديد، ومن ناحية أخرى، فإن التأثير العالمي عبر الحدود، لا يمكن أن يكون التفسير الوحيد لظهور الحاجة إلى سيادة القانون والحكومة التمثيليّة في جميع المجتمعات الإسلامية تقريباً. فالبشر يسعون إلى التغيير ليس فقط استجابةً للتهديدات أو الفرص، ولكن عندما يشعرون بالحاجة الذاتية والطبيعية لذلك.

أخذ الوعي السياسي يتشكّل بسرعةٍ في المجتمعات الإسلامية بغيةَ إرساء سياساتٍ وطنيةٍ وسياسيّة تستند إلى هيئاتٍ تشريعية منتخبة ديمقراطياً، إلا أنَّ بداية الحرب العالمية وعواقبها المدمّرة دفعت نحو صعود معارضي الليبرالية والفكر التقدمي الذين انقضوا على النهضويين.

وجاءت معاهدة فرساي سنة 1919 لتُعلِنَ نهاية الإمبراطورية العثمانية جاعلةً الأراضي الإسلامية ساحة قتال وتجاذب في النفوذ أثناء فترة الحرب الباردة، وفي ضوء هذا الاستعباد والتلاعب بمصائر شعوب المنطقة، يقول الكاتب، سعت الشعوب الإسلامية إلى امتلاك وسائل سياسية للتعبير عن الرفض.

التطرف كنتيجة لانتكاسة التنوير

ظهر الإسلام السياسي أو الإسلاموية كأيديولوجية مناهضةٍ للكولونيالية ومن ثمَّ انخرطت في مناهضة الشيوعية في وقت لاحق، كما أنّها في أصلها نشأت في سياق ردَّة الفعل على خارطة الشرق الأوسط وما شكَّلَتهُ من مخاوف لدى عموم المسلمين، وقد حدثت هذه التطورات في سياق “الجهاد” الدولي المشتَرَك ضد الشيوعيّة في أفغانستان، الذي ساهم في صعود الخطاب الجهادي العالميِّ، وفي الواقع، مع تدويل القضايا الإسلامية، بدءاً بالحروب الأفغانية والجزائرية والبوسنية، إلى ظهور لاعبين إسلاميين متعددي الجنسيات مثل القاعدة، راحت فكرة المراكز الجغرافية التقليدية تنحَسِرُ لصالح نمطٍ جديدٍ من المراكز الأيديولوجية والسياسيّة، ولم تعد العواصم الإسلامية التقليدية تمارس أدوارها القياديّة في العالم الإسلامي وتلاشت فكرة المركز الجغرافي الذي يمارس الدور القيادي في الفكر الإسلامي، كذلك انهار التعايش السلمي نسبيا بين السنة والشيعة بعد الغزوات الغربية لأفغانستان والعراق وازداد الانقسام حِدَّةً باحتدام الصّراع المذهبي.

كانت الحرب العالمية الأولى نقطة تحول في تاريخ التنوير الإسلامي، فقبل الصراع كانت المنطقة تتحرك نحو الحداثة واعتماد القيم الليبرالية والعلمانية. حوصِرت الحركة النهضوية ليحلّ محلّها خطاب السخط الذي غلب على معظم المسلمين إزاء الاستغلال الاستعماريّ استثمرته الأيديولوجيات المتطرفة. وإنَّ صعود مثل هذه الأيديولوجيات وتحولها إلى العنف يطرح سؤالا هاما على صلةٍ مباشرة بمسألة التنوير الإسلامي: إذا كان الإسلام قد نجح بشكل فاعل في تجربته مع الحداثة حتى الحرب العالمية الأولى، فلماذا تمكَّنَ النكوصُ الرجعيّ من فرض نفسه على مساحات أكبر من العالم الإسلامي بعد ذلك؟

إذا ما كانت تجربة النهضة الغربية قد حظِيَت بالآلاف من المجلّدات التي وثّقتها وأرّخت لها، فإنَّ هذا الكتاب يعدُّ بين أهمّ الوثائق المقدّمة باللغة الإنكليزية للقارئ العام، والتي تؤرّخُ لمسار النهضة الإسلامية وتعيد قراءتها في ضوء المستجداتِ الراهنة بما فيها ظاهرة الربيع العربي التي يرى الكاتب أنّها محاولةٌ تنويريّة أخرى أجهضتها الدكتاتوريّات وتردّدُ الغرب في دعمها منذ بداياتها وقبل انحرافها المهول تحت وطأة القمع.

10