الصراع المعلن والخفي في المشهد السياسي التونسي

الشاهد أراد استباق ما قد تحدثه دعوة أكبر نقابة وطنية من تأثير على الأحزاب والكتل النيابية داخل قبة البرلمان في باردو.
السبت 2018/03/03
مشهد سياسي متداخل وغير واضح المعالم

يمرّ المشهد السياسي التونسي بفترة من أدقّ الفترات في البلاد ومن أكثرها تأثيرا على بقية المسار الديمقراطي في المستقبل، ذلك لأن مفهوم “التجريب” لم يعد متاحا أو مسموحا به، فلا أعذار يمكن أن تبرر أي فشل مستقبلي.

كان الشارع التونسي بجميع أطيافه المدنية والحزبية والمؤسساتية ينتظر من الظهور الإعلامي لرئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في برنامج حواري على شاشة القناة الوطنية الأولى في الـ25 من فبراير 2018، الحصول على أجوبة عن الأسئلة الملحة والحارقة في المجالات المختلفة من قبيل، أي مصير لقطاع الفوسفات في محافظة قفصة والمجمع البتروكيميائي في محافظة قابس؟ ما الحلول العملية لتجاوز أزمة التعليم التي ما انفكت تتعقد؟ ما تأثير الانتخابات المحلية على عموم المشهد السياسي في ظل الاستقطاب الثنائي بين النداء والنهضة؟

الانتظارات كانت كبيرة جدا، نظرا لأهمية الملفات المطروحة في الساحة الوطنية، لكن ما لفت الانتباه أن الحوار فهم من قبل بعض الأطراف وكأنه قُيّس مسبقا للرد على مواقف الاتحاد العام التونسي للشغل والتي دعا فيها على لسان أمينه العام إلى ضرورة القيام بتحوير وزاري في قطاعات اعتبرها “مشلولة” واعتبر بعض الوزراء يمثلون عبئا على المسار الديمقراطي وعلى الحكومة نفسها.

كما ساند الاتحاد النقابي منظمة الأعراف (منظمة أرباب العمل) ومنظمة اتحاد الفلاحين وبعض المنظمات المدنية والأحزاب السياسية من المعارضة.

اعتقد الشاهد أن الانتقادات الموجهة للحكومة موجّهة لشخصه مباشرة ولحكومته التي يرى أنها حققت نجاحات رغم الصعوبات، حيث أشار إلى أن اتحاد الشغل شريك هام في وثيقة قرطاج ومن حقه الإدلاء بمواقفه، ولكنه أكد على أن الشخص الوحيد المخول بالتحوير أو التعديل الوزاري هو رئيس الحكومة وفق ما حدده الدستور.

وكأني بالشاهد يريد استباق ما قد تحدثه دعوة أكبر نقابة وطنية من تأثير على الأحزاب والكتل النيابية داخل قبة البرلمان في باردو. وقد يُفهم من طريقة الشاهد في حواره أنه يريد أن يؤكّد على أنه ندائي وأن النداء هو ظهيره الحزبي الذي أتى به إلى السلطة، إنه بلا شك يؤكد انتماءه الحزبي في محاولة لتحصين موقعه على رأس الحكومة، وهو أمر مشروع في العرف السياسي وفي الديمقراطيات الحديثة.

الملفت للانتباه أيضا أن الحديث عن الأزمة الاقتصادية وتعطل آليات الإنتاج في قطاع الإنتاج لم يمثل المحور الأهم في تدخلات رئيس الحكومة، إذ احتلت انتخابات المجالس المحلية (البلدية) أهمية بالغة لديه، في إيحاء بأن نتيجتها محسومة مسبقا لصالح الاستقطاب الثنائي بين النداء والنهضة، وما تلويحه بأنه لا وجود لتعديل وزاري إلا للتأكيد على أمرين؛ أولهما أنه صاحب القرار الوحيد في ما يتعلق بالتسيير الحكومي وبذلك يريد أن يسد الطريق على الداعين إلى تعديل جزئي أو شامل على مستوى التركيبة الحكومية الحالية، وعلى رأسهم اتحاد الشغل، وثانيهما أنه لن تكون هناك مفاجآت على مستوى الخارطة الحزبية المشكلة للحكومة بعد الانتخابات وبذلك سيتواصل سنده الحزبي المكون من النداء والنهضة.

المستوى الثالث في خطابه عدم إيلاء موضوع الخلاف بين الجامعة العامة للتعليم الثانوي (النقابة العامة للتعليم الثانوي) ووزارة التربية ما يستحق من الأهمية، خاصة وأن قطاع التعليم دخل منذ مدة في سلسلة من الاحتجاجات، كانت في شكل تجمع عام أمام وزارة التربية ورئاسة الحكومة بالقصبة ثم القيام بمجموعة من الإضرابات آخرها إضراب 15 فبراير 2018، وحجب الأعداد، مطالبين بالتفاوض في ما يخص النظام الأساسي وسن التقاعد ومشقة المهنة إضافة إلى المطالبة بالترفيع المالي في المنح المسندة للأساتذة بعنوان الامتحانات ومنحة الإنتاج. كما طالبوا بتجريم الاعتداء على المؤسسات التربوية خاصة بعد موجة الحرائق التي اجتاحت بعض المبيتات وتردي البنية التحتية لهذه المؤسسات.

يبدو وكأن موضوع التعليم مؤجل إلى وقت لاحق، في حين أن الأعداد لم تسلم إلى إدارات المؤسسات وهناك خطر السنة البيضاء. كان من المفروض أن يكون الموضوع من أولويات الجميع، اتحاد الشغل والجامعة العامة للتعليم الثانوي والحكومة ورئاسة الدولة والبرلمان، لأن منطق ليّ الذراع لن يوصل إلى أي نتيجة، خاصة وأن الأمر يتعلق بأهم موضوع يمس كل الشرائح الاجتماعية لأنه إن صلح صلحت معه جميع القطاعات الأخرى.

عموما يبدو أن يوسف الشاهد تمرّس سياسيا إلى الدرجة التي سمحت له بترتيب أولوياته، كما أراد أن يكون حازما، واحتوت تدخلاته رسائل سياسية في المقام الأول، فقد تناول المسائل المطروحة للنقاش في محاولة منه لتطمين الساحة السياسية والشعبية بأن القادم أفضل وأن الحكومة جادة في تعاطيها مع الملفات المطروحة والتي لا تنتظر.

4