الصراع بين هيئات الإعلام بمصر يعجّل بنهاية رؤسائها

تغيير الوجوه دون مسار جديد للإعلام لن يمنع الصدام، ومخاوف من أن ينعكس اهتزاز صورة الهيئات أمام المؤسسات على أداء المنابر الإعلامية.
الخميس 2020/06/25
كرم جبر على رأس المجلس الأعلى للإعلام

تصاعد الخلافات بين الهيئات الإعلامية المكلفة بإدارة المشهد الإعلامي المصري، دفع السلطات للتدخل وإجراء تغييرات كبيرة في هذه الهيئات، لإنهاء صراع من المرجح أن تنتقل تبعاته إلى المؤسسات الإعلامية وتتسع دائرة الفوضى.

القاهرة - بلغ صراع الهيئات الإعلامية في مصر حدّ تبادل الاتهامات علانية، وأعاقت الخلافات بينها الاتفاق على رؤية واحدة لطريقة إدارة وتنظيم وضبط المشهد خلال هذه الفترة التي تواجه فيها الدولة تحديات إقليمية عديدة، ما عجل بتغيير رؤساء هذه الهيئات.

وأصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قرارا بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة كرم جبر، بدلا من مكرم محمد أحمد، وعبدالصادق الشوربجي، رئيسا لهيئة الوطنية للصحافة، والإبقاء على حسين زين في رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام. ومن المنتظر الإعلان عن تشكيل أعضاء الهيئات، واختيار رؤساء التحرير ومجالس إدارات الصحف القومية.

وصعد مجلس تنظيم الإعلام، ضد أسامة هيكل وزير الدولة لشؤون الإعلام الاثنين، ورفع شكوى ضده إلى مصطفى مدبولي رئيس الحكومة، قال فيها إن عناصر أمن الوزارة اقتحمت مكاتب المجلس للحصول على وثائق هامة، وهذا تصرف يسيء للدولة ويحرجها أمام الرأي العام.

وقرر المجلس تجميد أعماله ووقف اجتماعاته المستقبلية إلى حين تدخل الجهات المسؤولة، كرسالة احتجاج على ما حدث، والضغط على الحكومة لاتخاذ موقف حاسم ضد وزير الإعلام، بشكل يُظهر المجلس أمام الرأي العام أنه انتصر في معركته مع الوزير، لكن حدث العكس الأربعاء، وجرى تغيير رئيس مجلس تنظيم الإعلام، مكرم محمد أحمد.

ورد هيكل، على الشكوى في تصريحات صحافية، مؤكدا أن “واقعة الاعتداء ملفقة، وما حدث أن لجنة وزارة الإعلام كانت تقوم بجرد محتويات مكتب يخصها داخل المجلس، ويحتوي على أوراق هامة”، لكن مجلس تنظيم الإعلام فنّد هذه الرواية وتمسك بتوصيف الواقعة على أنها اقتحام.

منابر إعلامية دخلت على خط أزمة تبادل اتهامات، بين وزير الإعلام ومجلس تنظيم الإعلام، ونقابة الإعلاميين في مصر

ومن شأن تصاعد حدة الخلاف بين الجهات المسؤولة عن ضبط المنظومة، أن يتسبب ذلك في انتكاسة للحكومة التي كانت تعوّل على الجهاز الإعلامي ليقوم بدور محوري في دعم الدولة ضد استهدافها، لكن تفرغ كل طرف للانتقام من الآخر بطريقته الخاصة.

وكان من المتوقع أن يصل صدام الهيئات الإعلامية إلى نقطة اللاعودة بحكم الشواهد التي حدثت في الغرف المغلقة خلال الفترة الماضية، من تلاسن وتلميحات وتبادل اتهامات، بين الوزير ومجلس تنظيم الإعلام، أو نقابة الإعلاميين والوزير، وشاركت منابر إعلامية في الدخول على خط الأزمة.

واتهم نقيب الإعلاميين طارق سعدة، أسامة هيكل بأنه يتدخل بشكل فج في أعمال النقابة، لمجرد أن الأخير أرسل إليه خطابا يستفسر فيه عن سبب الصمت على ظهور إعلاميين على الشاشات دون حصولهم على ترخيص أو التقدم للحصول على عضوية النقابة، في حين يتم استهداف آخرين ووقفهم عن العمل.

وخرج سعدة ببيان صحافي حاد، قال فيه إن هيكل تفرغ لاختراق صلاحيات الهيئات الإعلامية، وممارسة دور “ناظر المدرسة” على أدائها، وتجاهل المهمة الموكلة إليه من الحكومة بإعداد سياسة إعلامية، ويتخاذل في مواجهة القنوات المعادية، ما رد عليه الوزير بأن سعدة “يدير نقابة سرية بشكل غير قانوني”.

وتكمن الأزمة الحقيقية في أن صراع الهيئات تسبب في حالة من الاستقطاب الإعلامي، وأصبح لكل جهة مجموعة تدافع عنها ضد الطرف الآخر، فقد تجد مذيعا يهاجم وزير الإعلام لصالح مجلس تنظيم الإعلام، وآخر يتبنى سياسة هيكل ضد نقابة الإعلاميين، ما أثر على الرسالة الإعلامية التي تصل إلى الجمهور.

خطورة احتدام الخلاف بين الجهات الإعلامية، أنه يتسبب بالتبعية في زيادة الفوضى التي تغرق فيها صحف وقنوات وأثرت على مصداقيتها وتأثيرها

ويرى مراقبون للمشهد أن خطورة احتدام الخلاف بين الجهات الإعلامية، أنه يتسبب بالتبعية في زيادة الفوضى التي تغرق فيها صحف وقنوات وأثرت على مصداقيتها وتأثيرها، حيث تفرغت كل هيئة لتعظيم نفوذها والانتقام من الطرف الآخر، وانشغلت عن مهمة ضبط إيقاع المؤسسات المسؤولة عنها.

ويقول هؤلاء إن المنظومة الإعلامية تدفع فاتورة باهظة لتراخي الحكومة في اتخاذ قرارات حاسمة تساعد وزير الإعلام على تحقيق الهدف الذي جاء من أجله، فهي التي جمدت ملف تغيير رؤساء وأعضاء الهيئات منذ أكتوبر الماضي رغم خلافهم مع هيكل، وتساهلت مع بقاء نقابة للإعلاميين دون تأسيس شرعي.

وانتهت مهمة الهيئات الإعلامية رسميا، لكن الحكومة قررت تكليفها بتسيير الأعمال لفترة مؤقتة، كما أن نقابة الإعلاميين مكلفة منذ ثلاثة أعوام بعقد جمعية عمومية واختيار نقيب وأعضاء مجلس، وما زالت كيانا يحتمي بمجلس تنظيم الإعلام الذي قرر أن تعمل تحت مظلته.

ويعتقد بعض المتابعين أن خروج الخلاف بين الجهات الإعلامية عن السيطرة يصب في صالح ضبط المنظومة، لأنه يسرع من وتيرة إقصاء مراكز القوى وهناك أكثر من سبب مقنع وواقعي لذلك، ويشرعن وجود دور أكبر للحكومة بعيدا عن اتهامها بالتدخل علانية في العمل الإعلامي.

وأكد أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة محمد المرسي، أن ما يحدث من صدام محتدم بين رؤوس المنظومة الإعلامية ينذر بعواقب وخيمة على المشهد، بعدما وصل التعاون والتنسيق بين كل الأطراف إلى المرحلة صفر، ما يستدعي تدخل الدولة لإعادة ترتيب الأمور، وتحديد اختصاصات كل جهة بشكل يكرس استقلاليتها.

الاتهامات وصلت إلى وزير الإعلام
الاتهامات وصلت إلى وزير الإعلام

وأضاف لـ”العرب”، أن وقف حدة الاستقطاب الإعلامي يتطلب استقلالية الهيئات وتغيير الوجوه فقط لن يمنع تكرار الصدام، بل يجب انتقاء أسماء مهنية وكوادر عقلانية لديها خبرات واحترافية وتقارب في وجهات النظر، كمدخل لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم أهداف الدولة والمجتمع.

وأشار إلى أنه بات على الحكومة أن تنتهز الفرصة لوضع مسار جديد للإعلام، وتستغل المرحلة الراهنة لبناء أسس حقيقية للمنظومة، محصنة من الهدم والأهواء الشخصية، عبر متخصصين وكفاءات مشهود لهم بالقبول في المجتمع الإعلامي، لتنسى هذا الملف وتتفرغ لحماية الأمن القومي.

ويخشى متابعون أن ينعكس اهتزاز صورة الهيئات أمام المؤسسات، على أداء المنابر الإعلامية، عندما ينتهز مسؤولو الجهات التي تمتلك أغلب الصحف والقنوات الفرصة، وهم غير متخصصين، لفرض سياسة تحريرية بعينها، بدعوى أنهم تدخلوا بقوة لملء الفراغ الذي خلفه صراع صناع القرار الإعلامي.

ومنذ عودة وزارة الإعلام، لوحظ تهميش دور هذه الجهات في المشاركة بصناعة القرار الإعلامي، لأن الحكومة كانت لديها قناعة بحتمية سحب البساط من تحت أقدامها، بعد إخفاقها في المهمة طوال أربع سنوات مضت، ما يفرض على الحكومة التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها قبل قفز أطراف أخرى للتدخل في إدارة المشهد.

18