الصراع على الرواية والثقافة

الاثنين 2014/10/20

شكلت حادثة إخراج عميره هس، من ندوة نظمت في جامعة بير زيت مؤخرا، مناسبة لطرح عديد الأسئلة الثقافية، عن حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وعلى السياسة التي تنتهجها.

فبغض النظر عن التبريرات التي سيقت بهذا الخصوص فإن الحادثة تفتح على فهم ثقافي معين، عند قطاعات أو تيارات من الفلسطينيين، تتعاطى مع المجتمع الإسرائيلي بوصفه، فقط، بمثابة كتلة صماء، وكلا واحدا، وبالتالي فهو مجتمع العدو، الذي لا يخضع للتطور، ولا توجد فيه تمايزات، ولا تنفع معه لغة الحوار، وبالتالي لا فائدة ترجى من أي محاولة للتأثير عليه، سوى بالكفاح المسلح.

ومع معرفتنا بالطابع الاستعماري والاستيطاني والاحتلالي والعنصري للمجتمع الإسرائيلي، فإن هذا المجتمع، كغيره من المجتمعات يتألف من أفراد، أيضا، وهؤلاء لا يمكن اختصارهم، أو حبسهم، في هوية سياسية أو أيدلوجية أو طائفية معينة، ناهيك عن معرفتنا بأن أي مجتمع يمكن أن يتطبّع بواسطة قوة السيطرة وأدوات التحكم، التي تنتجها دولته، أي إن القصة تتعلق بالدولة ومؤسساتها وليس بالأفراد.

واضح أن هذه النظرة المغلقة بالذات إلى الإسرائيليين هي التي تفيد المؤسسة الصهيونية الحاكمة، وهي التي تريحها، لأنها هي التي تشتغل على تشريب الإسرائيليين فكرة أن الصراع بينهم وبين الفلسطينيين هو صراع على الوجود، إدراكا منها أن هوية الإسرائيليين، ووحدتهم المجتمعية، تتأسس على تناسيهم خلافاتهم وتناقضاتهم، لصالح التوحد إزاء المخاطر الخارجية، أي ضد الفلسطينيين والعالم العربي.

الواقع أن الشعب الفلسطيني بالذات، سيما بواقع ضعف إمكانياته، وصعوبة ظروفه، من مصلحته فك العلاقة بين المجتمع الإسرائيلي ودولته، وبين جماهير اليهود في العالم ودولة إسرائيل، والاشتغال على هذا المجتمع واستثمار التناقضات فيه، بين المتدينين والعلمانيين والشرقيين والغربيين واليساريين واليمينيين وغيرهم، لصالح كفاحه.

اللافت أن هذه الفكرة كانت في مركز الثقافة السياسية الفلسطينية منذ أواخر الستينات، إذ كانت حركة “فتح” اعتبرت في بدايات انطلاقتها، أن هدفها تحرير فلسطين وضمنه تحرير اليهود من الصهيونية، والوصول إلى حل يتأسس على إقامة دولة واحدة ديمقراطية-علمانية في أرض فلسطين الكاملة، ما يفترض السعي لإقامة مشتركات معهم تخدم هذا الهدف. أي أن الحركة الفلسطينية طرحت مبكرا فكرة الصراع على وعي الإسرائيليين، إذ لا توجد حركة وطنية تقاتل المستعمر لم تشتغل على مجتمعه، بكافة الأشكال، لمفاقمة تناقضاته واستثمارها، ولتوسيع دائرة المتعاطفين معها، كما حصل في مجتمع البيض في جنوب أفريقيا. فما بال الثقافة السياسية الفلسطينية اليوم تتقهقر؟ وهل كانت الحركة الوطنية الفلسطينية في بداياتها أكثر تقدما منها اليوم؟


كاتب سياسي فلسطيني

9