الصراع على السلطة في الجزائر يمتد للأذرع المالية

تصاعد الخلافات بين يسعد ربراب ومحيط الرئاسة، ومسيرة شعبية ضخمة في بجاية للمطالبة برفع العراقيل أمام مجمع سيفيتال.
الأربعاء 2018/12/12
الاستعانة بالشارع

الجزائر – انتقلت القبضة الحديدية بين السلطات الحكومية الجزائرية ورجل الأعمال يسعد ربراب، إلى الشارع للحسم في الملفات الاقتصادية المطروحة بين الطرفين منذ سنوات، خاصة بعدما ارتدت ثوب تصفية حسابات سياسية، بين رجل الأعمال المعارض والمحسوب على جهاز الاستخبارات المنحل وبين محيط الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وعلى رأسه رئيس الوزراء أحمد أويحيى.

وسار الآلاف من الأنصار والمتعاطفين مع رجل الأعمال يسعد ربراب الثلاثاء في مدينة بجاية بشرق العاصمة، من أجل الضغط على السلطات الحكومية لرفع العراقيل والقيود على المشاريع الاستثمارية التي يريد الرجل تنفيذها في المنطقة، والسماح للآلاف من أبنائها بالحصول على مناصب شغل والاستفادة من مداخيل جديدة للثروة.

وقدرت تنسيقية اللجان الشعبية المساندة ليسعد ربراب، المشاركين في المسيرة بثلاثين ألفا، كان في مقدمتهم العديد من الوجوه والشخصيات البارزة في المنطقة، كمسؤولين سياسيين ومنتخبين وناشطين في المجتمع المدني والرياضي، وعلى رأسهم رئيس نادي شبيبة القبائل شريف ملال، المتواجد منذ مساء الاثنين في المدينة.

وطالب المتظاهرون الذين ساروا في المحور الرابط بين مبنى مجمع سيفيتال المملوك لرجل الأعمال يسعد ربراب إلى مقر  المحافظة، برفع القيود والعراقيل المسلطة على مشاريع واستثمارات الرجل من طرف الدوائر الحكومية، ورددوا العديد من الشعارات المناوئة للحكومة وعلى رأسها أحمد أويحيى.

ربراب يوصف بأنه "الذراع المالية" لجناح الجنرال مدين ولذلك يتم تحييده من قبل محيط الرئاسة لإبطال نفوذه المالي

وشدد هؤلاء في البيان الذي تمت تلاوته أمام مدخل المحافظة، على الطابع السلمي للاحتجاج وعلى ضرورة توفير السلطة لمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع من أجل المساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني، وخلق فرص التشغيل والثروة، وعلى عدم الزج بالمسائل السياسية في الشؤون الاقتصادية والاستثمارات المفيدة للمجتمع.

وكان قرار عدم سماح إدارة الجمارك بإنزال التجهيزات والمعدات الأساسية لمصنع سحق البذور الزيتية في ميناء بجاية، منذ قرابة العامين، قد أثار جدلا كبيرا في الساحة الجزائرية، قياسا بالأضرار التي قد تلحق صاحب الاستثمار، وتحطيم أحلام عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل في الفوز بوظيفة.

وبررت الإدارة المذكورة قرار منع جمركة التجهيزات الأساسية، بالاختلالات التقنية والإدارية التي يتعمد صاحب الاستثمار عدم إصلاحها، وهو ما أدى به إلى محاولة القيام بإنزالها في موانئ أخرى، على غرار جيجل ومستغانم والعاصمة، إلا أن الإدارة المركزية للجمارك أوعزت لجميع فروعها ولجميع الموانئ، برفض إنزال المعدات
في إقليمها.

وصرح الناطق باسم تنسيقية اللجان الشعبية المساندة لمشاريع سيفيتال مراد بوزيدي، لـ”العرب”، بأن “التنسيقية هي تنظيم شعبي مستقل، يدعم استثمارات المجمع الاقتصادي سيفيتال، نظرا لما يحققه من تنمية اجتماعية واقتصادية في المحيط الذي تقام فيه، حيث يتم توفير الآلاف من فرص الشغل والثروة”.

وأضاف “لا ندري الأسباب والخلفيات الحقيقية للعراقيل والقيود المسلطة على استثمارات المجمع، رغم عوائدها الإيجابية ومساهمتها في محاربة البطالة والفقر، فمصنع سحق البذور الزيتية كان يعول عليه في خلق ألف منصب عمل مباشر و100 ألف منصب عمل غير مباشر والمئات من المؤسسات المصغرة”.

وبرزت الخلافات بين رجل الأعمال يسعد ربراب والسلطة الحالية بقيادة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، منذ عدة سنوات، عندما رفض الرجل الانخراط في مشروع دعم الولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة (2014) من طرف جمعية رجال الأعمال.

وتم بعد ذلك إبعاده من التنظيم، وهيكلته بشكله الحالي المتمثل في منتدى رؤساء المؤسسات، الذي يقوده رجل الأعمال القوي والمقرب من السلطة علي حداد.

وتدرج التصنيفات السياسية رجل الأعمال يسعد ربراب في خانة الجناح الذي كان يقوده مدير جهاز الاستخبارات المنحل الجنرال محمد مدين (توفيق)، وتصفه بـ”الذراع المالية” للجناح، ولذلك يتم تحييده من طرف محيط الرئاسة، في مسعى لإبطال نفوذه في الساحة الاقتصادية والمالية لصالح رجال أعمال آخرين موالين لبوتفليقة، بقيادة رجل الأعمال علي حداد.

وكان يسعد ربراب، الذي افتتح أحد مصانعه مؤخرا في فرنسا وتم تدشينه بحضور الرئيس إيمانويل ماكرون، قد نفى عن نفسه نية الترشح للانتخابات الرئاسية المنتظرة في البلاد بعد أربعة أشهر، وبرّأ الرئيس بوتفليقة من إمكانية الوقوف وراء تعطيل مشروعاته في الجزائر. لكنه وجه اتهاما لمن وصفهم بـ”الأيادي الخفية”، في إشارة إلى المحيط الإداري والاقتصادي في قصر الرئاسة، وعلى رأسه رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحيى ورجل الأعمال النافذ علي حداد، وهو ما أخرج الأخير عن صمته ودفعه للتصريح لوسائل الإعلام بدعوته إلى “الدفاع عن استثماراته وإقامتها في بلاده وليس في الخارج”.

لم يجد رجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب غير حشد الشارع للضغط على السلطة من أجل فك الخناق على مشاريعه التي تضررت

ويرى متابعون للشأن الجزائري أن صراع السلطة الذي انحصر في وقت سابق على الدوائر السياسية ومراكز النفوذ، امتد في هذه المرة إلى القوى المالية في البلاد. ويمكن اعتبار ملف مجمع سيفيتال، جوهر صراع بين مال السلطة وبين مال جناح الدولة العميقة (جهاز الاستخبارات المنحل)، وأن اللعبة تتجاوز أبجديات المشروعات الاستثمارية والاقتصادية، إلى لعبة المال السياسي.

وحسب الناطق باسم تنسيقية اللجان الشعبية لدعم استثمارات مجمع سيفيتال فإن “المجمع يطمح لإقامة مشاريع اقتصادية واستثمارية ضخمة في البلاد، إلا أن العراقيل والقيود الإدارية المشبوهة تحول دون ذلك”.

وأضاف “أن إرادة خفية تستهدف المجمع وتدفع بالآلاف من العاملين إلى البطالة، كما هو الشأن بالنسبة لمصنع ‘براند’ لصناعة المواد الكهرومنزلية بسطيف، وميناء بومرداس شرقي العاصمة، ومصنع المياه المستخصلة في البليدة”.

وكان القضاء الجزائري قد عطل شراء مجمع الخبر الإعلامي العام 2016، لرجل الأعمال يسعد ربراب، بقرار أثار الكثير من الجدل، وطرح استفهامات سياسية حول الأبعاد والخلفيات التي تقف وراء صفقة الشراء، أو الحظر من طرف القضاء، واعتبر حلقة من مسلسل طويل حول صراع الرجل مع السلطة.

4