الصراع على الطاقة يضرم النار في جليد القطب الشمالي

السبت 2015/01/03
الاكتشافات النفطية في القطب الشمالي تعيد رسم خارطة الطاقة العالمية

القاهرة- في ظل التطورات المتعلقة بزيادة الطلب على الطاقة، تخوض الدول الصناعية تنافسا محموما للسيطرة على المناطق الغنية بمصادر الطاقة. وبعد أن أشعلت الشرق الأوسط ودمّرت أفغانستان ووصلت إلى منطقة بحر قزوين والبحر الأسود وغيرهما كثير من مناطق العالم، وقسمت السودان ودقت طبول الحروب الأهلية في أكثر من مكان في العالم، تتجّه بوصلة الصراعات الدولية على مصادر الطاقة نحو إشعال القطب الشمالي.

مع تزايد الطلب على الطاقة، يتوقّع مراقبون أن يشهد العالم مزيدا من التوترات والنزاعات الدولية، خصوصا فيما يتعلّق باكتشاف المناطق الطاقية الجديدة، صراعات القوى الكبرى على “استعمارها”.

كشف تقرير صدر عن وزارة الطاقة الأميركية أن استهلاك العالم من النفط سينمو بأكثر من 5 بالمئة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ليصل إلى أكثر من 12 مليار برميل يوميا بحلول عام 2025، وسيزيد أيضا استهلاك العالم من الغاز الطبيعي بنسبة 57 بالمئة مقارنة بالاستهلاك الحالي، مما سيترتب عليه نقص كبير في الكميات المعروضة وارتفاعات متواصلة في الأسعار، وهذا سيترتب عليه مزيد من التنافس والصراع من أجل الحصول على الطاقة.

معروف أن الشرق الأوسط يتصدّر خارطة المناطق المتضرّرة من هذا الصراع الدولي حول مصادر الطاقة، لكن في السنوات الأخيرة، رصد الخبراء، حربا باردة تدور في الخفاء حول مناطق أخرى من العالم، لعلّ أهمها الصراع على القطب الشمالي.

ظلّ القطب الشمالي، لسنوات طويلة منطقة نائية ومتجمّدة لا حياة فيها ولا يزورها إلا العلماء والباحثون، لكن ونتيجة للتغيرات المناخية والاحتباس الحراري الذي يهدّد بذوبان جليد هذه المنطقة، مما يعني إمكانية شق طرق ملاحية جديدة، بدأت الدول الكبرى تخطّط وتبحث عن كيفية الاستفادة من ثروات المنطقة الشمالية للكرة الأرضية التي لا تخضع ملكيتها لأي دولة إلى حد اليوم.

في ظلّ حدة الطلب العالمي على الطاقة البترولية وما لهذه الطاقة من أهمية تدفع الدول إلى التقاتل بسببها، هل يمكن أن يتصاعد التنافس على القطب الشمالي إلى مواجهة مسلّحة تحولّ هذه المنطقة النائية من العالم إلى “شرق أوسط آخر”؟


صراع الهيمنة


هذا التساؤل أجاب عليه الباحث محمود بيومي، في دراسة صدرت، مؤخّرا، عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، بالقاهرة، بعنوان: “صراعات الهيمنة على القطب الشمالي بين الدول الكبرى” ربط فيه بين تزايد أهمية القطب الشمالي ومخاطر تأثير التغيّرات المناخية وتسارع ذوبان الجليد، وانكشاف مساحات واسعة من المحيط القطبي الشمالي أمام حركة الملاحة والاستكشاف معا.

يقع القطب الشمالي في قلب الدائرة القطبية الشمالية للكرة الأرضية، وهو عبارة عن بحر متجمّد تحيط به اليابسة، ويتصل هذا البحر بالمحيط الهادئ عبر مضيق “بهرنغ”، كما يتصل مع المحيط الأطلسي عبر بحر الشمال في أوروبا، ويختلف القطب الشمالي عن القطب الجنوبي، في أن هذا الأخير عبارة عن يابسة تحيط بها نهايات المحيطات الثلاثة “الهادئ، والهندي، والأطلسي”.

زيادة استكشاف النفط والغاز ستؤدي لزيادة التلوث والتأثير على التنوع البيولوجي والكائنات النادرة

وتتمثل أهمية القطب، وفق دراسة محمود بيومي، في أمرين، أولهما الطرق البحرية الجديدة بين جنوب شرق وشرق آسيا، وبين أوروبا والولايات المتحدة، والتي ستساهم في تخفيض التكاليف وزمن الرحلات البحرية، وربما تمثل منافسا محتملا لقناة السويس. وثانيهما الثروات الهائلة التي يختزنها باطن المحيط، وبخاصة من النفط والغاز.

على مستوى التغييرات المناخية، يشهد القطب تراجعا مضطردا في درجات الحرارة بشكل مستمر منذ عقود، فارتفاع درجات الحرارة في القطب يبلغ ضعف المعدل العالمي لباقي مناطق الكوكب، وقد تراجع الغطاء الثلجي في القطب الشمالي بنسبة 40 بالمئة خلال العقود الماضية، وهو معدل غير مسبوق. بينما ذكرت لجنة الأمم المتحدة للمناخ في 2013 أن المحيط القطبي الشمالي سيصبح قابلا للملاحة كل عام في شهر سبتمبر بحلول منتصف القرن الحالي بفعل ذوبان الجليد، والذي سيختفي خلال أشهر الصيف بحلول نهاية القرن. ويشير العلماء حاليا إلى أن مياه القطب الشمالي يمكن أن تكون خالية من الجليد تماما لمدة شهر تقريبا بحلول منتصف العقد القادم، مع توقع فترات أطول بحلول عام 2030.


محفزات استغلال موارد الطاقة


يعد القطب الشمالي من المناطق الغنية بموارد الطاقة منذ أن اكتشف الاتحاد السوفييتي أول حقل نفطي وغازي ضخم في 1962 في مدخل بحر كارا في سيبيريا الغربية، بينما اكتشف الأميركيون في عام 1968 حقل بترول ضخما في ألاسكا على بعد 250 ميلا من القطب الشمالي.

وقدرت هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية أن ما يقارب ربع الاحتياطي العالمي غير المستكشف من موارد الطاقة يتركز في القطب الشمالي؛ بنسبة 22 بالمئة من البترول، و78 بالمئة من الغاز، إلى جانب احتياطيات كبيرة من الماس والذهب والبلاتين والقصدير والمنجنيز والنيكل والرصاص، وهي ثروات كفيلة بأن تشعل المتجمد الشمالي.

وتقع معظم موارد الطاقة في قاع المحيط القطبي الذي يشكل المنطقة الأقل استكشافا على مستوى العالم، ويقدر الاحتياطي الأميركي غير المستكشف في هذه المنطقة بـحوالي 30 مليار برميل، بينما تمتلك روسيا الحصة الأكبر من موارد الطاقة في القطب الشمالي حتى الآن، حيث اكتشفت روسيا ما لا يقل عن 43 حقلا للنفط والغاز في القطب الشمالي حتى نهاية عام 3013 في مقابل 11 حقلا للولايات المتحدة، و6 حقول اكتشفتها كندا، وحقلا واحدا للبترول اكتشفته النرويج.

التنافس الدولي على القطب الشمالي يتصاعد خصوصا على الموارد الطبيعية والطرق البحرية

في دراسته يقدّم محمود بيومي نقطة جديدة في ملف الصراع على القطب الشمالي، حيث يربطه بقناة السويس، وهل تصلح الممرات الملاحية الشمالية “الجديدة” بديلا لقناة السويس؟. في هذا الفصل من الدراسة يوضح الباحث أن طول الطريق الملاحي الشمالي يبلغ ما يقارب 3 آلاف ميل من المحيط الأطلنطي إلى الهادئ، وقد جرت أول رحلة لسفينة تجارية تُسمى SS Manhattan في عام 1969 اخترقت فيها المحيط الشمالي من نيويورك عبر الأطلنطي، ثم عادت إلى نيويورك مرة أخرى.

لكن هذه الرحلات لم تُستأنف لارتفاع التكاليف مقارنة بالطرق الأخرى، على الرغم من أن هذا الطريق الشمالي يستغرق وقتا أقل بنسبة 30 بالمئة من طريق قناة السويس لرحلة تنطلق من ميناء هامبورغ الألماني إلى ميناء شنغهاي الصيني.

كما أن فرق المدة بين طريق قناة السويس والممر الملاحي العابر للقطب الشمالي لرحلة بحرية من ميناء بوسان إلى ميناء روتردام يصل إلى حوالي 13 يوما. وفي هذا الصدد تزايدت أعداد سفن النقل التي تستخدم الطريق الشمالي منذ عام 2009، لتقفز من 5 سفن فقط عام 2009 إلى 71 سفينة عام 2013.

وأدى تزايد أعداد السفن المارة بالطريق القطبي الشمالي إلى إثارة المخاوف من تأثير هذا الطريق المحتمل على قناة السويس، والتداعيات الاقتصادية لهذا التحول المحتمل. لذا فإن هناك عددا من العوامل التي ستحدد مدى قدرة الطريق الجديد على منافسة قناة السويس:

1 - كثافة العبور: يمكن القول إن عدد السفن المارة بالطريق الشمالي لا يزال ضئيلا للغاية مقارنة بمعدلات العبور بقناة السويس؛ إذ تمر 17 ألف سفينة في المتوسط سنويّا من القناة من جميع الأحجام والأنواع، في مقابل 71 فقط في عام 2013 من الطريق الشمالي.

2 - الظروف المناخية: ينفتح الطريق الشمالي موسميّا فقط في الصيف في شهر سبتمبر، ويكون مغلقا بالجليد باقي العام، ولا بد من وجود مرافقة كاسحات جليد للسفن العابرة لإزالة أي كتل جليدية، لذا فإن انفتاح الطريق يتوقف على ذوبان الجليد، وهو الذي قدّرت لجنة الأمم المتحدة للمناخ بأنه لن يتحقق قبل منتصف القرن الحالي على الأقل في موسم الصيف.

3 - الجدوى الاقتصادية: رغم أن الطريق البحري الشمالي أقصر من قناة السويس، إلا أنه يتطلب مرافقة كاسحات للجليد بشكل مستمر، فحتى خلال فصل الصيف، فإن الجليد يعيق الملاحة البحرية، وتبلغ تكلفة تأجير الكاسحة الواحدة 400 ألف دولار، بالإضافة إلى نفقات التأمين المرتفعة، لذا فإن السفن الصغيرة والمنفردة لن تستطيع استخدام الطريق الشمالي لارتفاع التكلفة مقارنة بسفن الحاويات الضخمة. كما أن الجدوى الاقتصادية ستكون أكبر إذا عبرت السفن في شكل قوافل وليس بشكل منفرد لتوفير النفقات.

4 - التنافس الدولي: من المتوقع أن تتأثر معدلات العبور للطريق الشمالي بتصاعد التنافس الدولي لأجل الهيمنة على القطب الشمالي، فروسيا هي الدولة المؤهلة حاليّا ببنيتها التحتية وامتلاكها العدد الأكبر من كاسحات الجليد لكي تؤدي الدور الأكبر في تيسير المرور بهذا الطريق، وهو الأمر الذي تتحفظ عليه الولايات المتحدة وكندا في سعيهما لكي يمر الطريق البحري بمياههما، بينما يفتقران حاليّا للبنية التحتية وكاسحات الجليد.

يخلص الباحث إلى أن الطريق البحري الشمالي لا يشكل تهديدا ملحّا لقناة السويس على الأقل على المدى القصير والمتوسط، لكنه سيشكل تحديا جديّا للقناة على المدى الطويل مع ذوبان الجليد بشكل دوري، وربما مع تطورات تقنية في صناعة كاسحات الجليد تساهم في تخفيض تكلفتها ورفع كفاءتها، كما أن هذا الطريق ليس فقط منافسا لقناة السويس، بل أيضا لقناة بانما؛ حيث ستنخفض تكلفة ومدة العبور عبر الطريق الشمالي للانتقال من الساحل الغربي للولايات المتحدة وكندا، أو من ألاسكا إلى دول القارة الأوروبية، بدلا من المرور عبر قناة بنما إلى الأطلسي ومن ثم لأوروبا، حيث كشفت رحلة قامت بها سفينة دنماركية في سبتمبر 2013 عن توفير 800 ألف دولار من الوقود حينما استخدمت ممرات القطب الشمالي البحرية مقارنة باستخدام طريق قناة بنما.


قضايا الصراع على القطب الشمالي


على الرغم من بوادر الصدام بين القوى الكبرى، لم تتفجّر مواجهات واسعة النطاق للسيطرة على القطب الشمالي حتى الآن. ويدار القطب الشمالي من خلال مجلس القطب الشمالي، الذي تأسس عام 1996 بعد توقيع 8 دول على إعلان أوتاوا.

ويضم المجلس خمس دول لها سواحل ممتدة على المحيط القطبي هي كندا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا والدنمارك والنرويج، بالإضافة إلى ثلاث دول أخرى هي فنلندا والسويد وأيسلندا. كما يضم المجلس 12 دولة تحمل صفة مراقب، ومجموعات من السكان الأصليين تحت اسم المشاركون الدائمون.

ويحصر محمود بيومي الصراع الدولي في القطب الشمالي في 4 نقاط أساسية:

1 - الحدود البحرية: تتعدد الخلافات الحدودية بين دول القطب، فهناك الخلاف الكندي الأميركي ببحر (Beaufort)، والخلاف الكندي الدنماركي حول جزر هانس، والخلاف الروسي الأميركي حول اعتبار روسيا لأجزاء من الطريق الشمالي في سيبيريا جزءا من المياه الداخلية.

25 بالمئة من الاحتياطي العالمي غير المستكشف من الطاقة يتركز في القطب الشمالي

2 - الخطوط الملاحية: تسعى الدول الخمس للحصول على الحصة الأكبر من خدمات الطريق البحري الشمالي، خاصة روسيا التي استثمرت في بنيتها التحتية وأسطول كاسحات الجليد، وتسعى إلى تحويل الطريق الشمالي لموانئها، لكن كندا ترى أن الطريق الشمالي ليس طريقا بحريّا حرّا، بل هو يقع ضمن مياهها الداخلية، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة.

3 - الموارد الطبيعية: يقع جزء مهم من موارد الطاقة والموارد السمكية في مياه الدول المطلة على المحيط القطبي، ويكمن الخلاف الأساسي حول الحقول النفطية والغازية الواقعة في المياه الدولية، خاصة أن انحسار الجليد سيُتيح إمكانية الاستغلال الاقتصادي، وتسعى العديد من الدول من خارج القطب إلى الدخول لحلبة المنافسة للحصول على حصة من الموارد من خلال شراكات مع الدول المطلة على المحيط، وإرسال سفنها للمياه الدولية.

4 - إدارة المنطقة القطبية: يظل مجلس القطب الشمالي مجرد منتدى لتنسيق المواقف، وليس لإدارة شؤون المنطقة، وفي هذا الصدد تتبع روسيا سياسة ثابتة تقضي بقصر اتخاذ القرارات التي تخص المنطقة على دولها فقط، وتحديدا الدول الخمس المطلة على المحيط القطبي، في مقابل موقف أميركي مرحّب بدور أكبر للأعضاء المراقبين.

وفي إطار سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتعزيز السيطرة الروسية على القطب الشمالي؛ فإن روسيا بلورت سياسة واضحة تجاه القطب الشمالي، تسعى إلى التحكم في الطريق الشمالي، حيث تطمح موسكو إلى تحويل الطريق الشمالي لطريق منافس لقناة السويس بالتوازي مع عدة مشاريع أخرى تطرحها كمشروع خط حديد سيبيريا الذي سيتم وصل طرفه الغربي بشبكة السكك الحديدية الروسية للوصول إلى قلب أوروبا، أما الطرف الشرقي فيتم وصله بشبكة السكك الحديدية الصينية للوصول إلى قلب آسيا. وتمتلك روسيا أسطولا كبيرا من كاسحات الجليد، وتخطط لبناء كاسحات تعمل بالطاقة النووية.

وكان الرئيس الروسي قد أصدر قرارا بإنشاء القيادة الاستراتيجية للأسطول الشمالي الموحد لتكون مسؤولة عن حماية القطب الشمالي بحلول نهاية عام 2014.

كما قامت روسيا بتعزيز البنية التحتية وبناء الموانئ، والبدء في مشروعات نفطية واسعة. كما تسعى روسيا للتعاون مع الصين التي دخلت كعضو مراقب في مجلس القطب لموازنة دور حلفاء الولايات المتحدة.

يختم محمود بيّومي دراسته، مبيّنا أنه على الرغم من افتقاد الصراع على موارد وممرّات القطب الشمالي للحدة التي تؤهله لتصدر الاهتمام الدولي على المدى القريب، فإن عدة قضايا جدلية من المرجح أن تُطرح بقوة على الأجندة الدولية في المستقبل القريب لتصبح محورا لصراع ممتد بين الدول الكبرى.

7