الصراع على الموازنة يعكس استشراء داء المحاصصة في العراق

توجه نحو إقرار الموازنة بالالتفاف على الاعتراض الكردي ومطالب نواب البصرة تعطي الصراع على الموازنة بعدا مناطقيا.
السبت 2018/03/03
ممثلون لمؤسسات الدولة ام مندوبون لمجموعات المصالح

بغداد - يعقد البرلمان العراقي السبت جلسة لاستكمال التصويت على فقرات الموازنة الاتحادية للعام 2018، والتي اصطدمت عملية إقرارها بخلافات حادّة على توزيع مخصّصاتها في انعكاس لعقلية المحاصصة وتوزيع “المغانم” على المكونات الطائفية والعرقية وحتى المناطقية، التي تحكم إدارة الدولة العراقية وتنعكس سلبا على مختلف مظاهر الحياة بالبلد.

وكان البرلمان العراقي قد أخفق الخميس في إتمام عملية التصويت بسبب مقاطعة نواب التحالف الكردستاني واختلال النصاب تحت قبّة البرلمان، على الرغم من بالبدء بالتصويت على 12 فقرة من أصل 48، مما أجبر رئيس مجلس النواب على رفع الجلسة إلى السبت.

وليس أكراد العراق وحدهم من يحتجّون على حصّة إقليمهم من الموازنة، بل يحتجّ كذلك نواب محافظة البصرة على حصّة المحافظة التي يقولون إنّها ضئيلة قياسا بما يوفّره النفط المستخرج من حقولها من موارد مالية للدولة.

واكتسى الصراع على تقاسم أموال الموازنة معاني بالغة السلبية بفعل المرحلة الحرجة التي يعيشها العراق الخارج حديثا من حرب مرهقة ضدّ تنظيم داعش ألحقت دمارا هائلا بالعديد من المناطق وحوّلت سكّانها إلى مشرّدين وبؤساء يتطّلعون إلى جهد الدولة لتحسين أوضاعهم، فيما التهديدات الأمنية لا تزال تحفّ بالبلد رغم إعلان النصر العسكري على التنظيم المتشدّد دون النجاح في اجتثاثه بشكل كامل.

ويؤكّد خبراء الشؤون المالية والاقتصادية أنّ الموازنة التي يدور حولها الصراع ضئيلة قياسا بأبواب صرفها الكثيرة جدّا واحتياجات البلد الضخمة في مختلف المجالات. وتم اعتماد سعر لبرميل النفط في مشروع الموازنة  يبلغ 46 دولارا بمعدل تصدير يبلغ 3 ملايين و880 ألف برميل يوميا منها 250 ألفا من حقول كردستان.

وأبدت كتل نيابية شيعية توجّها نحو حسم موضوع الموازنة وتخطّي الاعتراضات الكردية، غير أنّ مواقف الممثلين لمحافظة البصرة وهم جزء من الكتل ذاتها، ظلّت موضع تساؤل.

وقال النائب عن التحالف الوطني (الشيعي) حسن خلاطي “ماضون في إقرار ما تبقى من فقرات الموازنة وسيتم التصويت عليها السبت”.

وشرح متحدّثا لوكالة الأنباء الألمانية “الفقرات المتبقية في مشروع الموازنة ليست نقاط خلاف بل هي تكميلية. وسيتم التصويت عليها بسهولة ونأمل مشاركة النواب الأكراد في الجلسة، وإذا لم يحضروا، فإنه من الممكن إقرار الموازنة بحضور الأغلبية”.

وانسحب نواب الكتل الكردستانية من جلسة الخميس الماضي على خلفية عدم الاستجابة لمطالبهم التي تتمثل بشكل رئيسي في عدم تخفيض حصّة الإقليم دون 17 بالمئة التي كان معمولا بها في السابق.

وقال النائب عن الكتل الكردستانية في البرلمان الاتحادي، محمد عثمان عزيز “شعب كردستان لا يقبل بأقل من استحقاقه، مشاركتنا في جلسة السبت مرهونة بمدى تلبية مطالبنا والتوصل إلى اتفاق لحسم نقاط الخلاف”.

وتصرّ الحكومة العراقية على احتساب نسبة 12.6 بالمئة كحصة لإقليم كردستان في الموازنة الاتحادية، فضلا عن السيطرة على إيرادات المعابر الحدودية والمطارات وعوائد النفط المستخرج من حقول الإقليم ويصدّر عبر ميناء جيهان التركي.

 

التأخّر في إقرار الموازنة العراقية بسبب الصراع على تقاسمها يكتسي أبعادا سلبية إضافية حين يقترن بالظروف الحرجة التي يمرّ بها البلد اقتصاديا وأمنيا واجتماعيا والتي تتطلّب سلاسة أكبر في عمل أجهزة الدولة، وهو ما لا يبدو متاحا بسبب استشراء عقلية المحاصصة.

ووصف النائب الكردي بالبرلمان العراقي أمين بكر تخفيض نسبة إقليم كردستان بالموازنة الاتحادية بأنّه “ظلم وإجحاف بحق أبناء الإقليم”.

وقال النائب عن كتلة التغيير النيابية إنّ “مضي مجلس النواب بالتصويت على الموازنة الاتحادية في غياب ممثلي الشعب الكردستاني أمر مرفوض من قبلنا بشكل قاطع”.

ومن جهتهم يهدّد نواب محافظة البصرة بتعطيل إقرار الموازنة إذا لم تتمّ تلبية مطالب مالية تخصّ محافظتهم. وقال النائب زاهر العبادي الجمعة، إنّ نواب البصرة لن يصوّتوا على استكمال الموازنة في حال عدم تضمينها “جميع حقوق المحافظة التي تمّ الاتفاق عليها مع رئيس الوزراء حيدر العبادي”.

ونقل موقع السومري الإخباري عن النائب قوله إنّ “ما تم طرحه بجلسة البرلمان الخميس في ما يخص التصويت على الموازنة الاتحادية لا يلبّي أدنى طموحات محافظة البصرة والتي تنتج يوميا أربعة ملايين برميل نفط ويتم تصدير ثلاثة ملايين و600 ألف برميل منها”، لافتا إلى أنّ “ما تم طرحه لا يرضينا وسنعمل على دعوة نواب محافظتي ميسان وذي قار للامتناع معنا عن التصويت على الموازنة بجلسة السبت ما لم يتم تضمينها لمطالبنا المشروعة”.

وتعطي مثل هذه المطالبات نظام المحاصصة المعمول به في العراق، بعدا مناطقيا يضاف إلى البعدين العرقي والطائفي.

وأضاف النائب زاهر العبادي أن “قانون الموازنة بشكله الحالي لم يوظف إلا 400 مليار دينار فقط أي ما يعادل 350 مليون دولار للمحافظة وهو أمر غير مقبول للبصرة وهي تعطي 85 بالمئة من موارد الموازنة”.

وكان المتحدث باسم المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء حيدر العبادي قد اعتبر تعطيل إقرار الموازنة عملا غير مسؤول وسيلحق ضررا فادحا بالبلد وشعبه.

ودعا سعد الحديثي في بيان مجلس النواب إلى “تحمل مسؤولياته في الإسراع بالتصويت على قانون الموازنة لتمكين وزارات ومؤسسات الدولة من القيام بواجباتها وتقديم الخدمات للمواطنين”، معربا عن “بالغ الأسف للانسحابات المتكررة للنواب من الجلسات بهدف الإخلال بالنصاب ومنع تمرير الموازنة دون التفات لعواقب التعطيل”.

ويقول مراقبون إنّ الجدل الحادّ أحيانا حول إقرار الموازنات أمر مألوف يحدث حتّى في الدول المتقدّمة، وهو في الغالب مظهر إيجابي يعكس حرصا على حسن التصرّف في أموال الدول وإضفاء النجاعة على صرفها، غير أنّه في الحالة العراقية يأخذ طابع التنافس المباشر على اقتسام الخيرات والمكاسب دون أدنى تفكير في تنميتها وتنويعها، وهو أحد أوجه الخلل في تجربة الحكم القائمة منذ سنة 2003 والقائمة على المحاصصة.

3