الصراع على النصر "الاستراتيجي" مع إسرائيل

السبت 2014/08/02

في كل حروب العرب مع إسرائيل، كان الحديث عن النصر والهزيمة مثقلا ببديهية انعدام التوازن العسكري بين الطرفين لصالح الدولة الصهيونية التي تحظى بدعم عسكري وسياسي غير محدود من الولايات المتحدة الأميركية. حتى إذا أبدى الطرف العربي، الذي يخوض الصراع، أي شكل من أشكال الصمود، اعتبرت النسبة الساحقة من الشعب العربي المشحونة برغبة جامحة في إيقاف الصلف والعدوان الصهيوني ذلك نصرا مؤزرا غير خاضع للنقاش.

والحال أن المقاومة باتت واقعا أكثر صلابة في المعارك الأخيرة التي خاضتها حركة حماس في قطاع غزة على ثلاث مراحل أو حروب، وحزب الله في العام 2006، إذ تطورت القدرة العسكرية للطرفين ليتمكنا من إيقاف الغزو الصهيوني الذي كان يتم في سابق الأيام بسلاسة أكبر.

في أيام الضعف المريع والانكشاف العسكري الفاضح، حدثت المعارك مع الدولة الصهيونية عبر جيوش نظامية، وكانت نتائجها سلسلة متصلة من الهزائم المؤكدة والموثقة. لكنها تحولت عبر الآلة الدعائية البغيضة للأنظمة الحاكمة إلى انتصارات مؤزرة. ويحدث ما يشبه ذلك اليوم مع حزب الله وحماس حيث تلعب الآلة الدعائية الإعلامية، والمزاج العربي الداعم للمقاومة بالعموم، فضلاً عن الأداء القتالي الأعلى للحركتين الإسلاميتين دورا في الترويج للانتصار حتى قبل أن تضع الحرب أوزارها.

ما من شك في أن مقاومة حزب الله حققت في العام 2000 انتصارها الأبرز بعد أن دحرت إسرائيل من جنوب لبنان في أعقاب سنوات طويلة من المقاومة. في العام 2006 وبعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان، أطلق حزب الله اسم “النصر الإلهي” على ما آلت إليه الأوضاع بعد انتهاء الحرب. على المستوى العسكري، فشلت إسرائيل في اجتياح الأراضي اللبنانية وكان نصر المقاومة محصورا في اختبار تطور أدائها القتالي واستعمال أسلحة جديدة، هي الصواريخ في المعارك بين العرب وإسرائيل.

لكن مآل الحرب لم يكن نصرا ولا بأي حال. إذ وافق الطرفان على قرار مجلس الأمن رقم 1701 والذي نص على إنهاء العمليات القتالية ونشر 15 ألف جندي لقوة “اليونيفيل” لحفظ السلام مع انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الأزرق وانسحاب حزب الله إلى شمالي نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. هكذا تكون إسرائيل قد تلقت ما يشبه الهزيمة على الصعيد التكتيكي العسكري، إذ خسرت أعدادا كبيرة من الجنود وخضعت دوما لمفاجآت المقاومة التي بدت أكثر مرونة وثقة وجرأة. لكنها انتصرت على الصعيد الاستراتيجي وذلك بإبعاد حزب الله عن الحدود التي كان يصول ويجول بها منفردا إلى الأبد.

هل يتكرر الأمر اليوم مع حركة حماس في حرب غزة؟. تخوض حركة حماس عمليات قتالية بمستوى عال، إذ قتلت أعدادا كبيرة من الجنود وأسرت جنديا ونفذت عمليات اقتحام مفاجئة أربكت العدو الذي بات يصعد من هجماته على المدنيين، والأهم أنها عرقلت اجتياح الجيش الإسرائيلي لأراضي قطاع غزة. هكذا تكون قد حققت ما يشبه النصر في هذا الجانب العسكري التكتيكي، لكن العمل منصب لانتزاع نصر استراتيجي للقطاع المحاصر.

في الجانب الإسرائيلي، يبدو كما لو أن العدوان قد حقق انتصارات تكتيكية هو الآخر. فإسرائيل اختبرت منظومة القبة الحديدية التي حققت نجاحا بنسبة جيدة، إذ تعتبر الإصابات الناجمة عن الصواريخ في الجانب الإسرائيلي محدودة جدا.

كما نجحت إسرائيل جزئيا في هدفها المعلن وهو تدمير الأنفاق، وذلك عبر القصف الهمجي بآلاف الأطنان من المتفجرات.

النصر الاستراتيجي للفلسطينيين سيتحقق في حالة واحدة، هي رفع الحصار عن غزة. حينها ستكون حرب إسرائيل المجنونة بلا طائل حقيقي رغم كل الدمار الذي أحدثته بعملياتها الإرهابية، فهو دمار قابل للإصلاح في حال رفع الحصار.

النصر الثاني هو التغير في مزاج الرأي العام العالمي، الذي بات يساند القضية الفلسطينية بصورة أقوى، فارتفعت حدة الانتقادات لإسرائيل كما لم يحدث من قبل.

وتعرف الدولة الصهيونية أن خيطا رفيعا هو ما يفصلها عن الهزيمة الإستراتيجية، وهي تتمسك بهذا الخيط، إذ تصر على انتهاء الحرب بتدمير الأنفاق ومن دون رفع الحصار، بل وبسحب السلاح من المقاومة. الصراع على النصر الاستراتيجي يشكل اليوم الأرضية التي تمتد أو تنحسر عليها هذه الحرب.


كاتب فلسطيني سوري

9