الصراع على النفوذ يحتدم في آسيا الوسطى

الاثنين 2014/06/16
لا تزال جمهوريات آسيا الوسطى تحمل شكوكا تاريخية عميقة تجاه موسكو، بعد انعتاقها من الهيمنة الروسية

القاهرة - سلطت الباحثة حنان أبو سكين الضوء على الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمنطقة آسيا الوسطى، التي تحولت إلى ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بدأت منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وتعززت في ظل المتغيرات على الساحة الدولية.

تتمتع دول وسط آسيا ذات الغالبية المسلمة، بموقع جغرافي مهم ومميز، وبثروات معدنية ونفطية كبيرة، باتت تستقطب دول العالم الكبرى، وتجتذب الاستثمارات الأجنبية لتمويل مشاريع استثمار ثرواتها الباطنية الهائلة والسيطرة على واحد من أهم طرق تصدير منابع الطاقة البترولية إلى أوروبا وآسيا الشرقية، ومكن الفراغ الاستراتيجي الذي شهدته منطقة آسيا الوسطى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي العديد من الدول من لعب دور فاعل في هذه المنطقة الحيوية من العالم بشكل دفع عددًا من المحللين إلى الحديث عما يمكن تسميته “اللعبة الكبرى الجديدة” بين المتنافسين على بسط السيطرة والنفوذ على المنطقة، خاصة بعد اكتشاف احتياطاتها النفطية الهائلة.

بدأت المطامع الخارجية تتكشف حول دول منطقة وسط آسيا التي مثلت جزءا من صراعات عديدة تشهد تنافسا شديدا بين الأطراف الدولية الساعية إلى جذب اهتمام المنطقة والوصول إلى مواردها الطبيعية، في النهاية. وفي هذا المبحث، تتناول دراسة بعنوان “بين الصراع والتعاون: التنافس الدولي في آسيا الوسطى” والصادرة عن المركز العربي للدراسات والبحوث، سياسات القوى الكبرى للسيطرة على آسيا الوسطى لتحقيق مصالحها على المستويين الدولي والإقليمي.

أقامت وزارة الدفاع الأميركية علاقات مع القوات المسلحة في كل من أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان


الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية


يضم الإقليم السياسي الخاص بمنطقة آسيا الوسطى خمس دول: كازاخستان، تركمانستان، أوزبكستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، والتي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي واستقلت بعد انهياره مكونة دول آسيا الوسطى الخمس، و بذلك فإن الدول الخمس، التي قبعت لأكثر من قرن خلف الستار الحديدي إلى أن سقط، وجدت نفسها فجأة في مرحلة السيولة الإقليمية، التي أتاحت لعديد من القوى الإقليمية والدولية النفاذ إليها وهي حالة فرضتها الجغرافيا الحبيسة للمنطقة، وحاجتها إلى شركاء خارجيين جدد، إلى جانب روسيا يمكنونها من النفاذ إلى العالم عبر أراضيهم، ويقدمون لها سندا يستطيع موازنة النفوذ الروسي الذي لا تزال جمهوريات المنطقة تحمل تجاهه شكوكا تاريخية عميقة، بعد انعتاقها من الهيمنة الروسية.

وتقول الباحثة أبو سكين إن أهمية منطقة آسيا الوسطى تكمن باعتبارها تمثل المتغير الجيو ــ سياسي اللازم الذي يمثل مفتاح السيطرة على العالم، فالتمركز في آسيا الوسطى يتيح الإطلالة الأكثر سهولة والأقل تكلفة نحو العمق الحيوي الروسي باتجاه الشمال، والعمق الحيوي الصيني باتجاه الجنوب الشرقي، علاوة على العمق الحيوي لشبه القارة الهندية باتجاه الجنوب والعمق الحيوي الإيراني باتجاه الجنوب الغربي، والعمق الحيوي لكامل منطقة بحر قزوين باتجاه الغرب، علاوة على أن السيطرة على موارد آسيا الوسطى تتيح التحكم في إمدادات النفط والغاز والمعادن والموارد الزراعية إلى روسيا والصين وشبه القارة الهندية ودول الاتحاد الأوروبي. والسيطرة على ممرات آسيا الوسطى تتيح السيطرة على الممرات البرية والجوية التي تربط بين شبه القارة الهندية وروسيا والصين، وغير ذلك من الطرق والممرات التي تتيح ضبط التفاعلات والعلاقات البينية التي تربط بين الأقاليم المحيطة بمنطقة آسيا الوسطى. كما تتمتع باحتياطيات نفطية تعادل في كميتها تلك الموجودة في منطقة الخليج، وعلى سبيل المثال تتمتع أوزباكستان بثروات طبيعية كبيرة من الذهب والفضة واليورانيوم والنحاس والزنك، فضلا عن الغاز الطبيعي والنفط والفحم وغيرها، وهي تعتبر سادسة دول العالم في إنتاج الذهب ورابعتها من حيث احتياطيات الخام الفضي، ومعروف أن لديها القدرة على تخصيب اليورانيوم، وطاجيكستان تمتلك مناجم كبيرة من اليورانيوم تم اكتشافها في الثلاثينيات، وقرغيزستان ترقد على مناجم هائلة من الذهب.

أطلقت الصين محطة لمعالجة الغاز الطبيعي في تركمانستان معززة نفوذها الاقتصادي


التنافس الدولي


حددت الدراسة مستوى التنافس الدولي على النفوذ في منطقة آسيا الوسطى بين عدة لاعبين هم؛ روسيا، والولايات المتحدة، والصين، وتناولتها على النحو التالي:

*روسيا: منذ انهيار الاتحاد وروسيا تسعى إلى الحفاظ على مركزها كقوة عظمى، وتستهدف السياسة الروسية الخارجية بشكل أساسي جمهوريات آسيا الوسطى، حيث تعتبر روسيا حدود تلك الدول حدودًا أمنية لها، ولاسيما من جهة جمهورية طاجكستان التي يوجد فيها عدد كبير من القوات الروسية على الحدود مع أفغانستان، مما دفع الكرملين إلى تضخيم الأخطار التي تواجه أمن آسيا الوسطى من “جماعات إرهابية”، واحتمال نشوب حروب وصراعات على السلطة في بعض دولها، وأن دولا أجنبية قد تتدخل لدعم التطرف، وتستخدم موسكو هذه الأوراق لزيادة نفوذها ووجودها العسكري هناك.

وفي ظل الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان بسبب الحرب على الإرهاب، أدركت روسيا أن أوباما يريد تقوية وجود الولايات المتحدة في أفغانستان لتتحول إلى منصة عمل باتجاه جمهوريات آسيا الوسطى، وصولًا إلى حوض قزوين عبرها، ومن أجل السيطرة على الكميات الكبيرة من النفط والغاز في تلك المناطق، لذا بادرت روسيا باتخاذ خطوات من شأنها تقوية مواقعها في آسيا الوسطى، من خلال ربط جمهوريات تلك المنطقة باتفاقيات والتزامات تصب في خدمة مصالح روسيا ومصالح هذه الجمهوريات في آن واحد.

*الولايات المتحدة: نشطت الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في التقرب من جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى، وسعت إلى توطيد علاقاتها السياسية والاقتصادية معها، والعمل على إرساء نظم حكم صديقة لها في هذه الجمهوريات لتأمين مصالحها النفطية في المنطقة. ومع وقوع أحداث 11 سبتمبر عام 2001، وبدء الحملة الأميركية ضد ما يسمى بالإرهاب بدأت واشنطن في تدعيم وجودها العسكري في المنطقة، وقامت بتوقيع عدد من الاتفاقيات لإقامة قواعد عسكرية في بعض الجمهوريات، ومنها قيرغيزستان، وأوزبكستان، لاستخدامها في حربها ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان، ولتدعيم النفوذ والحضور الأميركي في المنطقة، بما يتيح إقامة العديد من مشاريع النفط والغاز التي تؤمن الاحتياجات الأميركية من الطاقة.

أهمية منطقة آسيا الوسطى تكمن باعتبارها تمثل المتغير الجيو ــ سياسي اللازم الذي يمثل مفتاح السيطرة على العالم

وأقامت وزارة الدفاع الأميركية علاقات مع القوات المسلحة في كل من أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان، وبدأت في تأمين السلاح والتدريب لتلك القوات. وتمتلك الولايات المتحدة قاعدة جوية “ماناس" في قيرغيزستان وتقع شمال العاصمة بشكيك، حيث تضم هذه القاعدة أكثر من ألف جندي أميركي، أما القاعدة الثانية فهي قاعدة “خان آباد” الجوية في أوزبكستان، وفضلًا عن ذلك فإن الولايات المتحدة ترتبط بالعديد من الاتفاقيات مع هذه البلدان، تتيح لها استخدام مجالها الجوي والهبوط الاضطراري للتزود بالوقود.

*الصين: تعتبر الصين من أوائل الدول التي اعترفت بدول آسيا الوسطى بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق، وأقامت معها علاقات دبلوماسية قوية وتبادلت معها الزيارات الرسمية، وبدت ملامح السياسة الصينية الجديدة تجاه هذه المنطقة عام 1969، حينما تحركت بكين لإيجاد إطار رسمي يربطها بالمنطقة، فجاءت فكرة منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي بالتعاون مع روسيا وكل من كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، والتي انضمت إليها أوزبكستان عام 2001، وكان واضحا أن بكين تستغل نفوذ روسيا للتحرك نحو آسيا الوسطى، في حين كانت موسكو تبحث عن حليف قوي في آسيا لوقف الزحف الأوروبي الأميركي نحو مناطق نفوذها. وفي ظل حاجة الصين الملحة إلى الطاقة بشكل متزايد وارتفاع أسعار النفط والغاز، كان على بكين البحث عن بدائل رخيصة وأكثر أمانا تلبي احتياجاتها. ومن هنا برزت أمامها مصادر الطاقة في آسيا الوسطى التي هي قريبة منها ليتحقق لها هذا الحلم، غير أن الأمر يحتاج إلى مزيد من المقايضات مع روسيا التي تتخوف من أن الصين تزاحمها في السيطرة على خطوط نقل النفط والغاز. وفي نفس الوقت تشكل آسيا الوسطى سوقا استهلاكيا رائجا للسلع الصينية، ومعظم واردات الصين من آسيا الوسطى هي المواد الخام التي تفتقر إليها الصين، وتصدر الصين السلع الاستهلاكية لهذه الدول.


التنافس على مستوى القوى الإقليمية


انتقلت الباحثة في دراستها إلى الشق الثاني من التنافس الدولي على حيازة نفوذ في آسيا الوسطى على المستوى الإقليمي ويضم هذا المستوى كلا من إيران وتركيا وإسرائيل.

*إيران: تتميز جيوبوليتيكيًا بأن حدودها الشمالية تصل إلى بحر قزوين، وتشكل أفضل معبر للنفط إلى الخليج العربي جنوبًا، ومع تفكك الاتحاد السوفيتي وظهور ثلاث دول آسيوية تشاطئ بحر قزوين وتطالب بمياهها الإقليمية فيه، وهي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، وفي ضوء عدم استغلال نفط بحر قزوين خلال عهد الاتحاد السوفيتي، حيث اقتصرت المنافع الإيرانية من البحر على الصيد وثروة الكافيار التي درّت على إيران أرباحًا كبيرة، إضافة إلى الثروة النفطية التي خرجت إلى العيان، تصاعدت الأهمية الاستراتيجية لتلك المنطقة مما حرك التطلعات الإيرانية للقيام بدور رئيس فيها، وبخاصة أن لدى إيران مرافق نفطية متقدمة نسبيًا، فالتطلعات الاستراتيجية الإيرانية الحالية تتركز في أن تصبح هي الناقل الرئيس لنفط بحر قزوين، عبر أراضيها إلى الخليج العربي.

وانطلقت طهران من تصور استراتيجي مؤداه؛ أنها باتت القوة الطبيعية المرشحة للعب دور قيادي في منطقة آسيا الوسطى، فهي تجاور تركمانستان وأذربيجان جغرافيا، كما تعد طهران المنفذ البري الطبيعي لكلتا الدولتين إلى الخليج العربي، ولها صلات ثقافية وحضارية مع طاجكستان، حيث يتحدث شعب طاجكستان اللغة الفارسية وعلى الجانب الاقتصادي، كانت الدوافع الاقتصادية أحد أوجه تقارب إيران من جمهوريات آسيا الوسطى، ويتضح ذلك عند النظر في حجم التبادل التجاري بين إيران وهذه الدول، وركزت إيران في هذا المجال على حزمة من السياسات المتمثلة في تقديم الائتمان لتنشيط التجارة مع تلك الدول، كما عمدت طهران إلى الاعتماد على حزمة من السياسات التي صممت ليس فقط لتطوير وجودها الاقتصادي في آسيا الوسطى، ولكن أيضا لحرمان منافسيها من أي فرص للنجاح في المنطقة، وذلك من خلال بناء شبكة مواصلات برية بين إيران وآسيا الوسطى، بحيث يمر التعامل التجاري مع المنطقة بالضرورة عبر البوابة الإيرانية.

ثروات آسيا الوسطى الطبيعية
◄ تمتع المنطقة باحتياطيات نفطية تعادل في كميتها تلك الموجودة في منطقة الخليج

◄ تعتبر اوزباكستان سادسة دول العالم في إنتاج الذهب ورابعتها من حيث احتياطيات الخام الفضي

◄ تمتلك طاجيكستان مناجم كبيرة من اليورانيوم تم اكتشافها في الثلاثينات

◄ تحتوي قرغيزستان مناجم هائلة من الذهب

*تركيا: غيرت تركيا منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002 من نهج تعاملها مع منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، فعوضا عن التنافس والصراع على المصالح والنفوذ اتبعت أنقره فلسفة التعاون والشراكة، وقدمت نفسها على أنها الدولة المصدرة للأمن والاستقرار.

ومنذ مجيء حزب العدالة والتنمية والعلاقات بين تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز تشهد تحسنا مطردا.

ولتكتمل دائرة تحسين العلاقات بين تركيا وآسيا الوسطى تنتهج تركيا عدة أساليب دبلوماسية واقتصادية وأمنية لتحقيق هذا الهدف، منها تنشيط “منتدى الاستقرار والتعاون في القوقاز" الذي تم تدشينه في أعقاب الاشتباك المسلح الذي نشب عام 2008، بين روسيا وجورجيا على خلفية أوسيتيا الجنوبية. وتطمح تركيا فضلا عن ذلك إلى تنفيذ فكرة ربط بحر قزوين بالخليج من خلال إنشاء خط يربط تركمانستان وإيران وتركيا، وهو طموح إن تحقق فإنه من شأنه أن تكون له تأثيرات عميقة على المستوى الجيوسياسي في المشرق بأكمله.


إسرائيل


أطلقت إسرائيل يدها في نشاط عسكري استخباري محموم في آسيا الوسطى، وقد اهتمت منذ وقت مبكر باختراق دول آسيا الوسطى بأكملها، وكانت لديها استراتيجية متكاملة، لذلك تعتمد على التركيز في المرحلة الأولى على التغلغل الاقتصادي من خلال رجال الأعمال اليهود من شتى الجنسيات من جهة وتقديم إسرائيل نفسها كوسيط نشيط لجذب رؤوس الأموال الغربية من جهة أخرى. كما تم افتتاح فرع للوكالة اليهودية (سحتوت) في العاصمة الأوزبكية طشقند لتنظيم هجرة اليهود الأوزبك إلى إسرائيل، وافتتاح مركز ثقافي في طشقند يعمل بنشاط على الترويج للثقافة والأفكار بين اليهود وغيرهم من مواطني أوزبكستان، فضلًا عن تعليم اللغة العبرية. وهكذا كانت إسرائيل تحقق تغلغلًا سياسيا واقتصاديًا وثقافيًا متزايدًا الاتساع والعمق في أوزبكستان طوال التسعينات، وضع أساسًا قويًا لقيام تعاون أمني واسع النطاق.

وتخلص الباحثة حنان أبو سكين إلى أن التنافس في آسيا الوسطى مرشح للتزايد كما ونوعًا ويتفاقم ذلك في ظل العولمة بما تتضمنه من انفتاح وحرية حركة عبر الحدود، مما يؤدي إلى زيادة التهديدات والتحديات الأمنية.

6