الصراع على سوريا

الاثنين 2016/12/19

منذ سنوات لم يعد الانفجار السوري يقتصر على الصراع بين السلطة والمعارضة، أو بين النظام وأغلبية الشعب، فقط، إذ أضحت مسألة الصراع “على سوريا” تغلب مسألة “الصراع في سوريا”، بحيث بات الفاعلون الخارجيون أكثر تقريرا بمصير الصراع السوري من الفاعلين الداخليين؛ أي النظام والمعارضة. ثمة مصادر عديدة لهذا التحول، الذي عقّد الصراع السوري وفاقم عذابات السوريين، أولها، حساسية موقع سوريا في الإقليم، وتأثيرها على جوارها، إذ أن التحولات فيها تؤثر في مجمل منطقة المشرق العربي، على صعيدي الأنظمة والمجتمعات.

وثانيها، أهميته بالنسبة إلى معادلات الصراع العربي – الإسرائيلي، ومكانة إسرائيل الإقليمية. وثالثها، نزوع النظام لفتح البلد على مصراعيه على التدخلات الخارجية، وجعله مجالا للنفوذ الإقليمي لإيران، وميليشياتها العسكرية، اللبنانية والعراقية، ثم فتح المجال لروسيا للتدخل بأساطيلها البحرية والجوية. ورابعها، التحول نحو الثورة المسلحة، سواء كان ذلك اضطراريا أو قصديا، أو بدفع من تدخلات خارجية، إذ أن ذلك، كما شهدنا، عزز ارتهان السوريين للعون الخارجي، بحكم حاجتهم للدعم المالي والعسكري وللتسهيلات من دول الإقليم ومن النظام الدولي.

وقبل الحديث عن الأدوار الإقليمية، في الصراع على سوريا، ربما يجدر التنويه بأن هذه الأدوار محكومة بالهامش الذي يسمح به النظام الدولي، الذي تتحكم به أو تديره، الولايات المتحدة الأميركية، سلبا أو إيجابا، وسواء كان ذلك بتدخلها المباشر أو بانكفائها. منذ حقبة ما بعد الاستقلال، وإقامة إسرائيل (1948)، بدت دول المشرق العربي مع مصر، والتي عرّفت حينها بـ”دول الطوق”، تقف ولو نظريا في مواجهة “دول طوق” أخرى متحالفة مع إسرائيل، وهي إثيوبيا وتركيا وإيران.

مع الزمن غاب اسم إثيوبيا، إذ بدت هذه الدولة ضعيفة، ولا تستطيع بقدراتها الخاصة والمحدودة اللعب خارج حدودها، لا سيما بالقياس لإيران وتركيا وإسرائيل. لنلاحظ في هذا الإطار أنه منذ حرب أكتوبر 1973 بدا واضحا أن إسرائيل وصلت إلى حدودها النهائية، سواء من الناحية الجغرافية، أو من ناحية القوة العسكرية، أو لجهة قدرتها على التدخل في محيطها. وقد تكشّف ذلك واضحا في عدة محطات، لا سيما منها في الحرب ضد العراق (1991)، بعد احتلال نظام صدام للكويت، ثم في الغزو الأميركي للعراق، ففي الحالين بدت إسرائيل غير قادرة على السيطرة على المشرق العربي، أو الدفاع عن المصالح الأميركية فيه، بل إنها اضطرت لالتزام الهدوء وعدم الرد حتى على الضربات الصاروخية العراقية (1991)؛ ومؤخّرا جاءت أحداث “الربيع العربي” لتؤكد هذه القاعدة وعلى نحو واضح بغض النظر عن الأحاديث المتداولة عن الأدوار الإسرائيلية المخفية.

لا يقصد من هذا الكلام أن إسرائيل باتت مجرد دولة ضعيفة أو لم يعد لديها ما تفعله خارج حدودها، وإنما يفهم منه أنها باتت دولة مكتفية بذاتها، وأنها معنية بالتركيز على هضم احتلالها للأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع، وتعزيز قدراتها الاقتصادية وتطوير مجتمعها. بيد أنه من المهم هنا الانتباه إلى أن هذا كله حصل بعد أن استطاعت إسرائيل ترويض النظم العربية في دول الطوق، إذ اعتبرت حرب 1973، عند النظام العربي السائد، باعتبارها آخر الحروب العربية – الإسرائيلية، حيث بات العرب يبحثون بعدها عن التسوية، مع الاعتراف بإسرائيل، فيما واصلت هذه حروبها من أجل تطويع الفلسطينيين، وهو ما حدث في غزوها للبنان (1982) ثم في حروبها المتكررة عليه، لتطويع المقاومة اللبنانية.

المعنى من ذلك أن دور إسرائيل العسكري بات يقتصر في تلك الفترة على تأمين أمنها، وضمان سلامة الحياة الاجتماعية فيها، بدليل استفرادها بالفلسطينيين في الأرض المحتلة، وشنها الحروب عليهم، من ضمنها ثلاث حروب شنتها على غزة في غضون ستة أعوام، أمام سمع العالم العربي وبصره. على ذلك فقد بات يمكن الحديث، بمعنى ما، عن أفول الدور الإقليمي لإسرائيل، التي انكفأت على ذاتها، بعد أن أمنت نفسها، داخل “حدودها”.

اللافت أن هذه الحقبة تزامنت مع الثورة في إيران التي أطاحت بحليف إسرائيل الاستراتيجي شاه إيران (1979)، وإقامة الجمهورية الإسلامية فيها. ومعلوم أن هذه الدولة تبنت منذ البداية، منهج “تصدير الثورة”، إن جاز التعبير، لتعزيز نفوذها على الصعيد الإقليمي. وقد اشتغل النظام الإيراني في ذلك على محورين أساسيين، جعلهما بمثابة عدّة شغل له. الأول، تمثل باستغلال العامل الطائفي أو المذهبي، إذ جعل إيران بمثابة مركز للإسلام السياسي الشيعي، وفق منهجية “الولي الفقيه”، بحيث بتنا إزاء أول دولة تحول الإسلام السياسي إلى مؤسسة لها مرجعية سياسية ودينية، وأول دولة بمثابة مركز للإسلام السياسي الشيعي. وبديهي فقد استفاد النظام الإيراني من التراتبية الدينية لدى “الإسلام الشيعي”، كما استفاد من الإمكانيات المالية الهائلة التي يمتلكها، الأمر الذي مكنه من إنشاء جماعات إسلامية مسلحة في هذه الدولة أو تلك.

أما الأمر الثاني، الذي ساعد إيران في ما وصلت إليه، فهو استغلالها قضية فلسطين، ولعبها على وتر العداء العربي لإسرائيل، ولا سيما إنشاؤها حزب الله في لبنان، واحتكار مقاومة إسرائيل. وكما شهدنا فإن هذه المقاومة توقفت تماما، من الناحية العملية عام 2000، وإن تخللتها الحرب الإسرائيلية على لبنان (2006)، وبعض العمليات المحدودة، بواقع استدارة حزب الله إلى الداخل اللبناني، وانشغاله بالمحاصصة الطائفية، والاشتغال في تعزيز النفوذ الإيراني في الإقليم، وهو ما توّجه في قتاله السوريين، في السنوات الماضية، دفاعا عن نظام الأسد.

هكذا أضحت إيران بمثابة الدولة الأكثر فاعلية في الشرق الأوسط منذ ربع قرن، إذ اشتغلت فيه كشريكة للولايات المتحدة، أي تلك التي تعتبرها بمثابة “الشيطان الأكبر”، وهذا حدث مرتين، في الغزو الأميركي لأفغانستان (2002) ثم في الغزو الأميركي للعراق (2003)، فهي التي استفادت، أكثر من أميركا نفسها، من إسقاط نظام طالبان في الأولى، وصدام في الثانية. بالمحصلة فقد أدى ذلك إلى تعزيز نفوذ إيران من أفغانستان، إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا، بفضل الميليشيات المسلحة التي أسستها، وبفضل الدعم المالي الذي أغدقته على الجماعات الموالية لها في هذه البلدان، الأمر الذي مكنها من إقامة شبكات خدمية واسعة، عزز اعتماد مجتمعات هذه البلدان، من المحسوبة على الطائفة الشيعية، عليها.

وفي الغضون، استطاعت إيران، عبر كل ذلك، كسر وحدة المجتمعات العربية بإثارتها النعرة الطائفية – المذهبية فيها، وهو الأمر الذي لم تستطعه إسرائيل طوال العقود الماضية، ووصلنا إلى هذه اللحظة التي باتت فيها إيران تتحكم بالعراق وسوريا واليمن، بعد لبنان، والتي بات فيها المسؤولون الإيرانيون يتبجحون بأن إمبراطوريتهم صارت تمتد من صنعاء إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا، وأن بغداد باتت هي عاصمة إمبراطوريتهم. ويمكن القول إن إيران ما كان بإمكانها أن تصل إلى ذلك، إلا بفضل السكوت أو التواطؤ الأميركيين، وضمنها التوافق الإسرائيلي المبني على تفهم محدودية الدور الإيراني، والقدرة على امتصاصه.

أما بالنسبة إلى تركيا، فهذه كانت مكتفية بالتنمية الاقتصادية، وبمد نفوذها عبر قوتها الناعمة، طوال تلك الفترة، في إطار تنافسها مع النفوذ الإيراني والإسرائيلي، ولو أنها بدأت مع الثورة السورية، فقط، بالتحول نحو التدخل المباشر، ولكنه تدخل ظل مشوبا بحدود معينة، بسبب أوضاع تركيا الداخلية، ووجود محددات معينة، مثل الخلاف التركي – الروسي، والتنافس التركي – الإيراني، والمشكلة الكردية، وانكفاء الحلف الأطلسي عن مساندة موقف تركيا، وهي الأمور التي تحاول تركيا الالتفاف عليها، كما حصل مؤخرا، بتنسيقها مع روسيا في المسألة السورية وفي عملية “درع الفرات”، التي حجمت طموح الأكراد لإقامة منطقة حكم ذاتي في الشمال السوري، على الحدود مع تركيا.

هذا كله يحصل بسبب ضعف فاعلية النظام العربي والانقسامات العربية، وغياب دولة المواطنين، وانسداد آفاق التطور السياسي والاقتصادي والثقافي في المجتمعات العربية، لكن صورة العالم العربي، لا سيما المشرق منه، لن تتوضح إلا مع المآلات التي يمكن أن تحصل في الصراع السوري.

كاتب سياسي فلسطيني

8