الصراع على سوريا…

الاثنين 2016/07/11

لا يمكن اعتبار الصراع في سوريا بين طرفي النظام والمعارضة والذي بات يطغى ويهيمن على المشهد المعقد في سوريا والمنطقة، إلا بوصفه من النتائج الوخيمة للسياسات التي انتهجها نظام الأسد الأب (1970-2000) وسعى من خلالها إلى إظهار سوريا وكأنها دولة إقليمية كبرى قادرة على الفعل والتأثير خارج حدودها.

وفي الواقع فإن هذه السياسات كانت ثقيلة على السوريين وحمّلت سوريا أكثر ممّا تحتمل، أي أكثر بكثير من إمكانياتها وقدراتها، لا سيما من خلال محاولات نظام الأسد الأب الدؤوبة الاستحواذ على الورقتين اللبنانية والفلسطينية، وفي ما يتعلق بدوره في تحجيم عراق صدام حسين، وفي ادعاءاته مقاومة إسرائيل، وبانتهاجه سياسات “راديكالية”، ولو شكليا، في العالم العربي.

والمعنى أن ما نشهده من تداخلات خارجية، دولية وإقليمية، في الشأن السوري هو بمثابة نتيجة طبيعية للدور السوري في المرحلة الماضية، إذ أن سياسات الأسد الأب أرهقت سوريا وأدخلتها في خصومات فائضة عنها، ونبّهت إلى مدى تأثيرها في المشرق العربي، وإلى أهمية السيطرة على التطورات فيها، لإضعاف تأثيراتها الخارجية.

على ذلك يبدو طبيعيا أن نشهد تحول سوريا إلى ساحة لصراعات الدول، التي تحاول كل واحدة منها فرض أجندتها الخاصة، وتمرير رؤيتها لمستقبل هذا البلد، لا سيما وأن الصراع الجاري لا يكلف هذه الدول شيئا مباشرا، إذ أنها تخوضه بالوكالة أو بأشكال غير مباشرة.

هذا ما يفسّر تعقيدات خارطة الصراع الجارية، وتعدد أطرافها (وهو ما أوضحناه في مقالة سابقة)، وما يفسر أيضا، أن الحرب الجارية هي بمثابة “حرب الكل ضد الكل”، وهو تعبير للفيلسوف السياسي الإنكليزي توماس هوبز (1588-1679)، والذي تحدث فيه عن المرحلة الوحشية التي تمر بها بعض المجتمعات في مرحلة معيّنة. ولعل هذا أصدق تعبير عما يجري، إذ أن النظام يحارب المعارضة والمعارضة تحاربه، وثمة من جهة تنظيم داعش الذي يحارب النظام والمعارضة وجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الإسلام، ومن جهة ثانية جبهة النصرة التي تحارب النظام وداعش وجيش الإسلام.. إلخ. وعلى الصعيد الدولي ثمة الولايات المتحدة في خصومة مع إيران حول الشأن السوري، وإيران وتركيا في مواجهة بعض هذه الجماعة أو تلك، كما تقف روسيا في مواجهة تركيا، وهذا مع تداخلات متباينة من هذه الدولة العربية أو تلك.

والخلاصة أن سوريا تحولت من لاعب إقليمي إلى ملعب دولي وإقليمي، أي تحولت إلى ساحة لصراعات القوى على تشكيل المشرق العربي، وعلى المكانة التي يمكن أن تحظى بها هذه الدولة أو تلك.

مع ذلك فإن هذه اللوحة المعقدة هي مجرد غطاء لحقيقة مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية وروسيا هما اللاعبان الرئيسيان في هذا الملعب، وأن الأطراف الأخرى، وضمنها تركيا وإيران وقطر وغيرها، لها أدوار محددة ومسيطر عليها، على الأغلب. لكن هذا لا يحجب حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية هي اللاعب الرئيسي، فهي بمثابة موزّع للتناقضات في سوريا (وفي المنطقة والعالم)، وتاليا فهي التي توزّع الغنائم والحصص نظرا إلى كونها الدولة الأقوى والأكثر قدرة وتأثيرا، ليس من واقع قوتها العسكرية فحسب، وإنما من واقع قوتها الناعمة أيضا، أي قوتها الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، ومن الفجوة الكبيرة بينها وبين العالم على هذه الأصعدة كافة.

هذا يعني أن أي حديث عن تنسيق روسي ـ أميركي، في خصوص إدارة الوضع في سوريا، هو مثير للسخرية حقا، لأنه مجرد محاولة للتلاعب والاستخفاف بالعقول، إذ من السذاجة بمكان الاقتناع بأن هناك تنسيقا بين طرفين متكافئين حقا. وفي الحقيقة فإذا كان هناك نوع من التنسيق، فتفسيره على الأرجح، يكمن في أن الولايات المتحدة تريد المزيد من التورط لروسيا فلاديمير بوتين في الصراع السوري لإرهاقه واستنزافه. وهذا يفيد بأن روسيا تتحرك في المربع أو في الهامش الذي تحدده أو ترسمه الولايات المتحدة، لا أكثر، وهو ما يفسر سعي روسيا إلى حل سياسي، كما تفسر ذلك سرعة استجابتها لتطبيع العلاقات مع تركيا، وطلبها المستمر رفع العقـوبات الأميـركية المفروضة عليها، وضمنه رفع الحظر عن استيرادها تكنولوجيات متقدمة. واضح من كل ذلك، أيضا، أن الإدارة الأميركية مازالت غير مصممة أو غير معنية بحسم الصراع الحاصل، مفضلة عليه معادلة “لا غالب ولا مغلوب”، لا المعارضة تنتصر ولا النظام ينهزم، وهي وصفة لاستمرار الصراع السوري، واستمرار استنزاف الأطراف المتورطة.

أما بالنسبة إلى الحديث عن الحرب على الإرهاب أو على “داعش” و”جبهة النصرة”، فهو مجرد عنوان آخر لاستمرار الصراع، إذ أن الولايات المتحدة ذاتها لم تفعل شيئا قبل ظهور تنظيم داعش وقبل صعود جبهة النصرة، وهي ذاتها تراجعت عن مقولاتها بشأن وجود خطوط حمر، وبشأن أن بشار الأسد فاقد للشرعية وأن عليه أن يرحل، إذ أنها لم تفعل أي شيء حتى لوضع حد للقصف بالبراميل المتفجرة، ناهيك عن أنها أعاقت وجود منطقة حظر جوي في شمال سوريا على الأقل.

كاتب سياسي فلسطيني

8