الصراع على عوائد النفط المتراجعة يهدد ليبيا بالإفلاس

أكدت مؤشرات اقتصادية، أن ليبيا مقبلة على أزمة مالية حادّة، في ظلّ انهيار سعر صرف العملة منذ يناير الماضي، وتراجع حاد في عائدات صادرات النفط بسبب الصراع الدائر بين فصائل مسلحة في مناطق الحقول والموانئ النفطية.
الأربعاء 2015/06/03
التوترات الأمنية تنذر بانهيار انتاج وصادرات النفط في ليبيا

طرابلس – وضع تدهور قيمة الدينار الليبي والتراجع الحاد في إيرادات النفط – المورد المالي الوحيد لموازنة الدولة – الاقتصاد الليبي على حافة الانهيار الشامل، فيما استمر البنك المركزي في السحب من الاحتياطات النقدية لتغطية فاتورة الواردات ودفع رواتب الموظفين ومستحقات الدعم، ما ينذر بنفاد السيولة المالية.

وقالت مصادر ليبية، إن الأزمة المالية الراهنة آخذة في التفاقم، وقد تدفع الحكومة الشرعية في طبرق والحكومة الموازية في طرابلس إلى مراجعة نظام دعم المحروقات والسلع الاستهلاكية الأساسية، لكنّها أشارت إلى أن هناك مخاوف من ردّ فعل عنيف من قبل الفصائل المسلحة أو من قبل المواطنين على أي إجراء من هذا القبيل.

وكشفت أن السلطات الموازية في طرابلس والتي تسيطر على معظم أجزاء غرب ليبيا، تدرس خفض دعم البنزين وتأخير صرف رواتب موظفي القطاع العام وفرض حظر على استيراد 32 سلعة لمدة ستة أشهر، تشمل كل شيء، من السيارات والسجاد إلى مواد البناء مثل الأسمنت، وكذلك العصائر ومشروبات الطاقة.

وتستورد ليبيا كل حاجاتها بما فيها الغذائية، بينما تنفذ معظم عمليات تمويل الواردات عبر طرابلس حيث توجد كل البنوك تقريبا، في حين لا تعرض البنوك في مدينة بنغازي الشرقية الرئيسية إلا خدمات محدودة وتعاني من نقص السيولة بسبب الصراع المسلح.

ويرى رجل الأعمال الليبي حسني بي، أن الحظر على توريد عشرات السلع سيوفر نحو ملياري دولار سنويا، لكنه توقع أن يصاب قطاع البناء الذي يشكل 65 بالمئة من الأعمال الخاصة في البلاد، بالشلل. وقال إن خفض قيمة العملة ضرورة سواء كان آجلا أو عاجلا، معتبرا أن سعر الصرف الأكثر واقعية سيكون 2.5 دينار.

وتدرس الحكومة الموازية خفض دعم البنزين والغذاء واستبداله بتقديم دعم نقدي لليبيين، وهو ما يعد مساسا بنظام أقامه القذافي لشراء الولاء.

وقد حاولت حكومات ما بعد الثورة تغيير نظام الدعم الذي يلتهم ثلث الموازنة، لكن الأمر انتهى بها إلى التراجع خوفا من ضغوط الفصائل المسلحة.

وقال اليكس وارن من مجموعة فرونتيير الاستشارية التي تدير الموقع الإلكتروني ليبيا ريبورت “حقيقة أن السلطات في طرابلس تفكر الآن في إصلاح الدعم، وذلك مؤشر على مدى التراجع الذي أصاب الأوضاع المالية حتى بمعايير العامين الماضيين”.

برناردينو ليون: ليبيا أصبحت على حافة الانهيار الاقتصادي ولابد من إنهاء الصراع

واعتبر أن إلغاء الدعم أو خفضه ربما يكون آخر شيء يمكن التفكير فيه بالنظر إلى اعتبارات الاستقرار الاجتماعي.

واضطرت الأزمة بالفعل المصرف المركزي إلى الإفراط في السحب من احتياطاته من النقد الأجنبي، ما سرّع تراجع احتياطاته بشكل مقلق.

ويقول المركزي الليبي، إنه يعمل بشكل مستقل وينأى بنفسه عن الصراع بين الحكومتين المتنافستين وأنه يمول البلاد بالكامل دون الانحياز لأي طرف.

ويقول محمد عبدالجليل أبوسنينة رئيس اللجنة الاستشارية الاقتصادية ومدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد في المركزي الليبي، إن احتياطات بلاده من النقد الأجنبي انخفضت بنحو 28 بالمئة بين عامي 2013 و2014، لتتراجع من 106 مليار دولار إلى 77 مليار دولار بنهاية العام الماضي.

وأضاف، أن استمرار المركزي الليبي في تمويل التزامات المصارف التجارية بالنقد الأجنبي، يعني استمرار تناقص احتياطاته بشكل متسارع، ما يهدد استقرار قيمة الدينار الليبي ويعرضها للانهيار.

وشهد الدينار الليبي تقلبات حادة ومضاربات محمومة أدت إلى تراجع قيمته منذ يناير الماضي بنحو 35 بالمئة مقابل الدولار. ومنذ العام الماضي جمّد المصرف المركزي العديد من مشروعات البنية التحتية وقيّد الإنفاق على الرواتب الأساسية للموظفين العموميين وعلى دعم الغذاء والوقود، ضمن إجراءات للحفاظ على احتياطاته النقدية.

ويؤكد موظفو الخدمة المدنية وهم أكبر قوة عاملة في ليبيا، أنهم لم يحصلوا على رواتبهم منذ شهرين على الأقل، واتهموا البنك المركزي بعدم منح البنوك المحلية السيولة الكافية لصرف الرواتب، لكن مسؤولين بالبنك المركزي أوضحوا أن التأخير في صرف الرواتب يعود إلى أسباب إجرائية.

وقال العقيد محمد أبو بردة مساعد مدير إدارة الهجرة غير الشرعية في وزارة الداخلية بطرابلس “ليست لدينا ميزانية ولم نتلق رواتبنا والتأخيرات في كل مكان”.

محمد أبوسنينة: الإيرادات النفطية لم تعد كافية لتمويل الالتزامات المالية الداخلية والخارجية

وقال حسني بي، رئيس واحدة من أكبر الشركات الخاصة في البلاد ومن أكبر المستوردين، إن عائدات ليبيا من تصدير النفط تراجعت بشكل قياسي لتبلغ نحو 5.5 مليار دولار بسبب الصراع بين الفصائل المتنافسة وهجمات تنظيم داعش وإغلاق حقول ومرافئ نفط رئيسية، مضيفا “البلاد تحتاج إلى 3.5 مليار دولار شهريا لتغطية مجمل النفقات العامة بما فيها رواتب الموظفين”.

ويؤكد محمد عبدالجليل أبوسنينة، أن الإيرادات النفطية لم تعد كافية لتمويل الالتزامات المالية الداخلية والخارجية ومنها صرف رواتب الموظفين في القطاع العام (الخدمة المدنية) والمنح التي تصرف للطلبة الليبيين في الخارج والعاملين في السفارات الليبية.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا برناردينو ليون الذي يسعى لإنهاء الصراع على السلطة بين الحكومتين المتنافستين، قد حذّر الأسبوع الماضي من أن “ليبيا على حافة الانهيار الاقتصادي والمالي”.

ويقول خبراء إن ليبيا تحتاج إلى نحو 30 مليار دولار أو أكثر سنويا لتمويل الواردات، في وقت تراجع فيه إنتاج النفط من 1.6 مليون برميل يوميا قبل سقوط نظام القذافي إلى ما بين 400 ألف و620 ألف برميل يوميا، وهو إنتاج يتحدد حسب درجة التوتر الأمني في مناطق الحقول والموانئ النفطية.

10