الصراع على مصر: السيسي وقائمة التحديات

الاثنين 2014/07/21
السيسي يواجه سلسلة من التحديات وتركة ثقيلة من الاخوان

يقدم كتاب “الصراع على مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد” للكاتب الصحفي ياسر ثابت رؤية تحليلية لشخصية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي منذ ظهوره على الساحة في أعقاب توليه منصب مدير المخابرات الحربية، مرورا بالأدوار المختلفة التي لعبها سواء ضمن المجلس العسكري الذي أدار شؤون الحكم في مصر عقب تنحي الرئيس حسني مبارك عن الحُكم، أو خلال فترة توليه منصب وزير الدفاع، وانتهاء بتحركه عقب مظاهرات 30 يونيو لإنهاء تجربة الإخوان المسلمين في الحُكم وعزل الرئيس محمد مرسي، وصولا إلى انتخاب السيسي رئيسا لمصر.

في هذه الرحلة، يركز المؤلف في كتابه الصادر عن دار “كنوز″ في القاهرة، على تقديم شخصية السيسي بهدوء وعقلانية، بعيدا عن موجة المبالغات سواء في المديح أو الذم، والتي يرى ياسر ثابت أنها ناجمة في الأساس عن مواقف سابقة التجهيز وتعبر عن انتماءات أيديولوجية تؤثر في نظرة كل طرف لشخصية السيسي.

وسط ضباب الفراغ السياسي، وانقسام القوى المجتمعية والسياسية، تقدم السيسي إلى مهمة رئاسة دولة مستنزفة اقتصاديا وأمنيا، التخبط الإداري ضارب فيها والفساد الممنهج استشرى في بنيتها، والتبعية الطويلة تضع حدودًا على حرية حركتها في محيطها.

يتصور المؤلف أن ما دخلت مصر فيه عقب تنصيب الرئيس الجديد هو بداية لمرحلة جديدة من مراحل التدافع الجيلي وبالحسابات الكمية والنوعية فإن المستقبل وأوراق الفوز متوافرة لدى أجيال الشباب أكثر من أي طرف آخر، بشرط أن تُحسن استخدامها وتتعلم من تجاربها السابقة. وإذا كانت الشرائح العمرية الأصغر سنا سجلت نوعا من الاعتراض والتحفظ على مجريات الأمور خلال عملية الاقتراع في انتخابات الرئاسة، فإن هذا، إلى جانب ضعف الإقبال على التصويت بشكل عام، من الأمور التي تقدم درسا مجانيا ومهما للقيادة السياسية الجديدة في مصر.

صحيح أن استعادة الدولة هدف محمود ومطلب رئيسي من غالبية المصريين اليوم، إلا أن تحقيق السيطرة لا يصلح عنوانا لرؤية متكاملة. نحن بحاجة إلى رؤية مستقبلية متكاملة للإصلاح والتنمية، وتعهدات واضحة بضمان الحريات العامة، وتطبيق معايير العدالة الانتقالية المتعارف عليها دوليا.

ولعل ما يستدعي الرصد والترقب في الفترة المقبلة هو رؤية السيسي لقضايا رئيسية لا تقل أهمية عن مواجهة الإرهاب، وإزالة آثار عام من الحُكم الإخواني الفاشل وإصلاح الوضع الاقتصادي المتدهور، مثل آليات مكافحة الفساد وتطهير أجهزة الدولة، ومنع العودة إلى مثالب عهد مبارك ورموزه المرفوضة شعبيا وإعادة هيكلة أجهزة الأمن وتوفير العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل وحماية حقوق الإنسان وحرية التعبير وترسيخ مفاهيم الديمقراطية وتحديد دور المؤسسة العسكرية ومنع التداخل بينها وبين مؤسسات الحُكم والأنشطة الاقتصادية المختلفة.

من هنا، يبدو الاختبار دقيقا وحاسما، إذ على السيسي أن يُنحّي جانبا زي المشير وذهنيته بعد أن قرر خوض الحياة المدنية وتقلد منصب الرئاسة، وأن يمنع الفلول وطبقة رجال الأعمال وشبكات المصالح وبعض القوى والتيارات السياسية من “خصخصته”، وأن يعمل على تأكيد مبدأ مهم مفاده أن الشعب هو الدولة، وأن الديمقراطية بأعمدتها وأسسها الثابتة -التي تشمل، ضمن ما تشمل، الشفافية والرقابة والمحاسبة- هي سلاحه، وهي الضامن لمنع انهيار الدولة.

الصعود السريع للمشير عبد الفتاح السيسي، من رجل عسكري بيروقراطي غامض إلى محبوب وطني، يعكس المزاج الشعبي العام في مصر بعد ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية المستمرة، حيث بدا قطاع عريض من المصريين ميالا إلى تحقيق الاستقرار عن طريق حكم رجل قوي، يضمن تماسك الدولة والمجتمع والوطن والخبز والأمن، حتى لو كان ذلك على حساب الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

ظهر السيسي في قلب المشهد في توقيت كان الشارع المصري فيه يشهد حالة تسييس لم يسبق لها مثيل في تاريخه، لكنه تعبير عن قلق وخوف على المستقبل لا عن رؤى وبرامج. كانت الدولة المصرية قد وصلت في تلك الفترة العصيبة إلى منزلق تاريخي يهدد بسقوطها.

زكى الرهان الشعبي عليه أنه بدا رجلاً قويا لديه ولاءات ممتدة من المؤسستين العسكرية والأمنية وأجهزة الأمن السيادية (المخابرات العامة والأمن الوطني) إلى الجهاز البيروقراطي للدولة بمعناه التقليدي.

زكى الرهان ذاته حالة الفراغ السياسي التي ترتبت على تصدع متزامن لجماعة الإخوان المسلمين وجبهة الإنقاذ التي عارضتها، فالأولى تصادمت مع مجتمعها وتورطت في عمليات عنف بمواجهة مواطنيها وفقدت أهليتها السياسية لفترات قد تطول.. والثانية أصابها ارتباكٌ فادح في قراءة المشهد السياسي الجديد وجدوى حضورها على مسارحه وبدت كجسد تفككت أوصاله قبل أن يبدأ حركته الحقيقية في خوض الانتخابات النيابية بهدف تشكيل الحكومة، وفق القواعد الدستورية.

بعد انتخابه رئيسا، ظلت لائحة التحديات قائمة. ومن ذلك أنه نتيجة للترويج له من قبل الدولة ووسائل الإعلام بأنه “المنقذ الوطني”، كان عليه حُكم جماهير يزداد يوما بعد يوم حُكمها صعوبة بما في ذلك نخبة تتوقع أن تعود إليها امتيازاتها، وجنرالات قد يرون فيه مجرد قائد عسكري ضمن آخرين. ومن الصعوبات أيضا وجود قطاع من الشعب لا يزال يحتج منه مئات الآلاف من مؤيدي مرسي الذين يعربون علنا عن رفضهم للعهد الجديد، بالإضافة إلى أعمال عنف وإرهاب ترتكبها جماعات جهادية وتكفيرية تعمل على تقويض كل أمل في الاستقرار.

كان على السيسي التعامل مع سلسلة من المطالب شديدة التعقيد بأكثر من تلك التي تعامل معها من موقعه العسكري في وقت الأزمة مع جماعة الإخوان المسلمين، وبأكثر من تلك التي تعامل معها الرؤساء السابقون. فقد كشفت الثورة عن العيوب الأساسية التي تشوب أداء كل مؤسسة في الدولة.

6