الصراع في العراق بين الأغلبية والشراكة

الخميس 2014/05/29

تعتبر كردستان أن نوري المالكي حاربها اقتصاديا ولم يتعامل معها كشريك. ففي ظل الوضع العراقي اتجهت أربيل إلى تجاوز بغداد وتصدير مليون برميل من النفط عبر تركيا بموجب الدستور العراقي كما تدعي.

على إثر تلك الخطوات التي أقدمت عليها أربيل، زار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني باريس، وكان موقف باريس يقوم على تقوية علاقاتها مع منطقة كردستان في إطار المؤسسات الفيدرالية العراقية، وطالبت باريس باكتمال المسار الانتخابي العراقي عن طريق تشكيل حكومة مصالحة وطنية تتسم بروح الوحدة وتتيح تمثيل كل الطوائف بشكل عادل.

وفي موقف هو الأقوى منذ إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت في الثلاثين من أبريل 2014، هدد رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني باللجوء إلى الاستفتاء في الإقليم الكردي الذي يتمتع بالحكم الذاتي في حال تولى رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي ولاية ثالثة، وهي رسالة قوية لكافة القوى ولإيران وكذلك للولايات المتحدة بأن تتوقف عن دعم ترشيح المالكي لولاية ثالثة وتبحث عن مرشح آخر.

ستبذل كردستان كل الجهود مع الأطراف الأخرى بغية إيجاد شريك حقيقي يرأس حكومة العراق الفيدرالية المقبلة، خصوصا بعدما توصلت القوى الكردية إلى خطاب موحد، وأعلنت عن موقف واحد، وقطعت كل خيوط الأمل على المالكي الذي كان يراهن على تفكيك نسيج المواقف الكردية، والتوصل إلى أغلبية يمكن أن تخضع القوى الكردية لمساومات سياسية.

ويجري الكرد الآن حوارات مع القوى السياسية الأخرى، ومنها “كتل الأحرار والمواطن ومتحدون والوطنية” التي تجمع على أنه لا تمديد للمالكي تحت أي ظرف.

وبعدما فشل المالكي في تفتيت الكتل الكبرى، فإنه نجح في استمالة عدد من الكتل الصغيرة “بدر والفضيلة والإصلاح” التي رفعت رصيده من المقاعد إلى نحو 112 مقعدا لكنه يحتاج إلى تأمين بقية المقاعد حتى يتوصل إلى الأغلبية السياسية التي يدعو إليها بحصوله على 165 مقعدا.

ولكن خصومه الكبار وهم (التحالف الكردستاني ومتحدون والتيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي والوطنية والعربية) بدؤوا بدورهم تحركات مكثفة من أجل تشكيل تحالف نيابي كبير من شأنه أن يؤمن الغالبية اللازمة لتشكيل حكومة شراكة وطنية وتشكيل رئاستي البرلمان والجمهورية.

ورفضت أهم كتلتين في التحالف الوطني، وهما المجلس الأعلى الإسلامي بزعامة عمار الحكيم والتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، كل الضغوط لإبقاء المالكي لولاية ثالثة، خصوصا وأنهما قادرتان على تأمين أكثر من 200 نائب وهي أغلبية كافية لتشكيل الحكومة. إنها بدء حرب اختبار القوة بين المالكي وخصومه لكسر حاجز الأغلبية.

فالخارطة السياسية في العراق أدت إلى تناسل خرائط جديدة، حيث كان المالكي يراهن على قاعدة الأغلبية العددية داخل المكون الواحد، ربما بالرهان الإقليمي كما حدث في الولاية الثانية بدعم من إيران وأميركا، ولكن الظروف الإقليمية والدولية اختلفت، خصوصا بعد توجه البرزاني نحو اللجوء إلى استفتاء قد يقود إلى تقسيم العراق، وهو ما ترفضه دول الجوار حتى لا يطالب أكراد إيران وتركيا وسوريا بالانفصال.

ما يحدث في العراق هو لصالح التوصل إلى حكومة شراكة وطنية تواجه التحديات التي يعاني منها البلد، ولكن حكومة الشراكة الوطنية سوف تدمج كافة الكتل الوطنية بكافة مكوناتها وتنهي الصراع القائم في عهد المالكي وتتوقف الجماعات المدعومة من الكيانات السنية، أو المدعومة من إيران عن التمدد في سوريا وعن مواصلة دعم نظام بشار الأسد أو محاربته، أي أن تشكيل حكومة شراكة وطنية يصب في صالح أمن المنطقة مستقبلا، ويقلص تمدد النفوذ الإيراني بعدما أصبح العرب أكثر وعيا بمخططات إيران التي تتعارض مع أمنهم.


أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

9