الصراع في بحر الصين: القوة الصينية مقابل موقف أميركي غامض

يقول خبراء إن قادة الصين استبشروا بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، حيث يعتقدون أن ذلك سيؤثر بشكل كبير على أميركا وسياساتها، فالصينيون يؤمنون إلى حد كبير بمبدأ ماو تسي تونغ “ليس هناك بناء دون تدمير”، وكتب أورفيل شيل، مدير مركز العلاقات الأميركية- الصينية في مجتمع آسيا بنيويورك، أن الصين تتمنى هدم الولايات المتحدة بشكل كامل وإعادة بنائها من جديد، وهذا ما قد يحدث مع ترامب.
السبت 2016/11/12
سياسة مكلفة

بكين – رجحت وثيقة أعدها باحثون بوزارة الخارجية الإسرائيلية، في محاولة لتحديد السياسة الخارجية للرئيس الأميركي المنتخب تجاه مختلف القضايا المطروحة على مستوى السياسة الخارجية، أن يقلص ترامب، من تدخل الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط بشكل عام. في المقابل، يتوقع المراقبون أن يتم التركيز بدرجة أولى على تصويب الدفة الآسيوية، والتركيز على “الحرب الباردة” مع الصين في تلك المنطقة، باعتبار أن حسم الصراعات في الشرق الأوسط قد يطول.

في مواجهة الصين التي يزداد نفوذها، تدخل الولايات المتحدة مرحلة من الغموض مع انتخاب دونالد ترامب رئيسا، ما يثير استياء دول آسيا الواقعة في الوسط بين العملاقين المتخاصمين في المحيط الهادئ.

وقال غراهام ويبستر، خبير العلاقات الصينية الأميركية، إن “انتصار ترامب يضفي غموضا كبيرا على منطقة تواجه أساسا وضعا في غاية الصعوبة”. ولم تعد بكين تدري أي موقف ينبغي اعتماده في مواجهة خصمها الأميركي.

هل يفسد ترامب العلاقة مع أميركا اللاتينية
واشنطن – منذ مطلع القرن وربما قبل ذلك مافتئت الولايات المتحدة تتباعد عن أميركا اللاتينية. ومن الصعب اليوم الحديث عن سياسة أميركية تجاه المنطقة برمتها، خصوصا بعد التصريحات العدائية التي أطلقها الرئيس المنتخب دونالد ترامب، والتي تعقد، وفق بيتر حبيب، المحلل في الموقع الأمني الأميركي ذو سيفر، من العلاقة بين الأميركيتين.

تشكل نتائج انتخابات نوفمبر تعامل الولايات المتحدة مع أميركا اللاتينية من حيث المحتوى والأسلوب والنبرة، لكن مع ذلك تبقى مقاربة ترامب للمنطقة غير قابلة للتكهن في هذه المرحلة، مثلما هو الشأن للكثير من الأشياء الأخرى.

أحد التحديات الكبرى في المنطقة يتمثل، وفق حبيب، في إدارة علاقة الولايات المتحدة مع المكسيك، والتي تستأثر بأغلبية مهمة من المعاملات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية وهو مندمج بشكل وثيق مع الولايات المتحدة اقتصاديا وديمغرافيا.

يضم التحدي الكبير الآخر الوضع التراجيدي المستمر لعشرة ملايين من السكان المفقرين والذين يعانون من حوكمة سيئة في هايتي، إضافة إلى المخدرات والعنف، وهو ما يؤدي إلى هروب العائلات المفقرة والمهددة إلى الولايات المتحدة.

وستبقى فنزويلا معضلة صعبة الحل بالنسبة إلى السياسة الأميركية. وكذلك يجب إيلاء اهتمام كبير للحكومتين الجديدتين في البرازيل والأرجنتين وهما تسعيان إلى إحياء اقتصاديهما الوطنيين وإعادة علاقات أقوى مع الولايات المتحدة.

فوز ترامب يترك السياسة الخارجية الأميركية غير قابلة للتكهن. فقبل بضعة أشهر تبنى سياسة أوباما الخاصة بكوبا، لكن منذ أسبوعين دعا إلى التراجع عنها.

وفي صورة تنفيذ تعهده ببناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك وتمزيق معاهدة “نافتا”، سيؤدي ذلك إلى تنفير أهم حليف وشريك للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

ومهما تكن السياسات التي يتبعها، من المرجح أن يفسد انتخاب ترامب العلاقات مع كل بلدان أميركا اللاتينية تقريبا، فمن المستحيل تقريبا إقامة علاقات طبيعية مع رئيس أميركي تعمد إهانة المنطقة وشعبها بشكل مكثف.

وكشف بيتر نافارو، الذي يعتبر من مستشاري ترامب الرئيسيين في المسائل الصينية، وفي مقال نشر عشية الانتخابات الأميركية، بعض الخيوط المحتملة بالنسبة إلى تطور السياسة الأميركية، حيث انتقد إعادة تركيز محور السياسة الأميركية في آسيا على حساب أوروبا، التي اتبعتها إدارة الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما. وهو يعتبر أن الضعف الذي أظهرته الولايات المتحدة في تطبيق هذه السياسة حث بكين على اتباع نهج عدائي في بحر الصين الجنوبي الذي يطالب الصينيون بالسيادة شبه الكاملة عليه رغم احتجاجات الدول الأخرى المشاطئة.

وأوضح نافارو أن إدارته ستواجه هذا التحدي باتباعها إستراتيجية “السلام بواسطة القوة” التي تقوم بصورة رئيسية على تعزيز القوات البحرية بشكل كبير.

لكن آشلي تاونشند، خبير الشؤون الأميركية في جامعة سيدني بأستراليا، لفت إلى أنه لا يعرف ما إذا كان الرئيس المنتخب الذي سيتولى مهامه رسميا في 20 يناير 2017 “سيكون حازما في مسائل مثل بناء جزر اصطناعية (بكين) لأهداف قد تكون عسكرية، أو في التصدي لسياسة الترهيب الصينية حيال دول آسيا الصغيرة”.

وفي مطلق الأحوال، رأى ويبستر أنه “لا يمكن لأي بلد في الوقت الحاضر الاستناد إلى أي ثوابت بالنسبة إلى ، إذ أدلى ترامب بتصريحات في السياسة الخارجية غالبا ما كانت متناقضة”.

وكتب المحلل الصيني، اريك اكس لي، في مجلة فورين افيزر، عن مستقبل العلاقات الصينية الأميركية، على ضوء فوز ترامب، أن هذا الأخير استهدف الصين، بخطابه العدواني، الذي لم يسلم منه حتى الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، على غرار اليابان والمكسيك.

وأغضبت تصريحات ترامب، خلال حملته الانتخابية، الصينيين كثيرا، لكن ليس هذا ما يعقد الأمر، وفق اكس لي، بل هي تناقضات ترامب، التي تجعل من الصعب توقع ما سيقوله أو سيفلعه، فهو لئن قال إن الولايات المتحدة لديها “الكثير من النفوذ لتمارسه إزاء الصين”، فقد أعرب أيضا عن إعجابه بإنجازات الصين ودعا بكين إلى ضبط النفس.

كما قال ترامب “يمكنني التعامل بشكل جيد مع الصين، ويمكن للصين أن تنتج حلولا، وبشكل سريع، لمشكلة كوريا الشمالية”. وفي كل الأحوال، سارعت الصين إلى إعلان ترحيبها بفوز ترامب برئاسة البيت الأبيض، مؤكدة أنها ستعمل مع ترامب لضمان نمو مطرد وقوي للعلاقات الثنائية، وعينها على بحر الصين الجنوبي، حيث تبدو متفائلة كون ترامب أبدى رغبة بعدم التصعيد في هذا الملف، خاصة أنه ورث من أوباما علاقة متدهورة مع حليفته المهمة الفلبين.

وفي عهد أوباما، تصدت واشنطن لمطالب بكين في بحر الصين الجنوبي، مدافعة عن حرية الملاحة في هذه المنطقة الإستراتيجية الشاسعة. وعلى سبيل التحذير، أرسلت واشنطن سفنا حربية وطائرات قرب الجزر الاصطناعية التي بنتها الصين. أما ترامب، فقال آشلي تاونشند إنه “قد يلعب ورقة الانعزالية ويتفق مع الصين على تقاسم نطاقات نفوذ في المنطقة. كما أنه قد يعتمد سياسة حازمة يدعمها بالقوات المسلحة، للتصدي لبلد يعتبر برأيه أن أميركا ضعفت”.

وخلال الأشهر الأخيرة، باشرت دولتان حليفتان للولايات المتحدة هما الفلبين وماليزيا عملية تقارب ملفتة مع بكين بالرغم من تصديهما لمطالبها في بحر الصين الجنوبي. وعلق روري ميدكاف، من الجامعة الوطنية في أستراليا، بقوله “بات على القوى متوسطة الحجم الآن أن تتحسب لخطرين: القوة الصينية والموقف الأميركي الذي لا يمكن التكهن به”.

6