الصراع في سوريا.. الحرب الباردة في ثوب جديد

الجمعة 2013/09/06
تعقيدات الأزمة السورية دفعت أوباما للتمهل في أخذ القرارات

كان استخدام الأسلحة الكيميائية في الصراع القائم في سوريا يوم 21 أغسطس الماضي نقطة تحول جوهرية في القضية السورية، إذ كشرت الولايات المتحدة عن أنيابها ولوحت بتوجيه ضربات عسكرية ضد نظام بشار الأسد الذي تجاوز "الخطوط الحمراء" التي وضعتها الولايات المتحدة والمتمثلة في استعمال الأسلحة الكيميائية.

وللإشارة فإن هذه "الخطوط الحمراء" سبق للإدارة الأميركية أن زعمت بأن النظام السوري تجاوزها خلال شهر يونيو الماضي، فعبّر آنذاك الرئيس الأميركي أوباما عن عزمه تقديم الدعم العسكري للجيش السوري الحر الذي يمثل الجناح العسكري للمعارضة السورية، والمدعوم من الولايات المتحدة وحلفائها. وقد صرح أوباما بأن ذلك الدعم كان يهدف إلى إحداث "توازن" في موازين القوى وليس إسقاط نظام الأسد.

ما يمكن استنتاجه أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط نظام الأسد، بل هدفها هو إجبار النظام الأسدي على تقديم تنازلات سياسية واستراتيجية عميقة تسمح بحل الأزمة وفي نفس الوقت ضمان مصالح أميركا ومن يدور في فلكها. فإسقاط نظام الأسد سيعيد إنتاج الأزمة وسيدخل المنطقة في دائرة مفرغة من الصراع بين التنظيمات الجهادية بنسختيها السنية والشيعية، وما لذلك من تأثير على أمن إسرائيل والمصالح العالمية الحيوية في المنطقة من طاقة ومسالك تجارية وأنشطة اقتصادية. هذا دون أن ننكر سعي الولايات المتحدة إلى ردع الأسد ومن ورائه حزب الله وإيران حتى لا يقع التمادي في استعمال الأسلحة الكيميائية وبالتالي تهديد إسرائيل.

الولايات المتحدة وجدت نفسها أمام معادلات صعبة. فمن جهة هي لا تريد إسقاط نظام الأسد تجنبا لسيناريوهات أكثر انفلاتا، وتجنبا للدخول في تدافع عنيف مع الشقيقين الخصمين، روسيا، التي أظهرت شراسة في مساندتها للنظام السوري، والصين نظرا للمصالح المتشابكة معهما.

من جهة ثانية نجد كلا من الائتلاف الوطني السوري المعارض والسعودية وتركيا تطالب بإطاحة نظام الأسد، لأنه سيمثل في المستقبل تهديدا جديا لاستقرار المنطقة من جهة ثالثة تتفق فرنسا مع الولايات المتحدة في توجيه ضربة عسكرية ردعية لنظام الأسد من أجل إجباره على تقديم أكبر قدر من التنازلات السياسية والإستراتيجية، ففرنسا لها حنين لمستعمرتها السابقة، فهي تبحث عن نصيبها من الكعكة السورية في إعادة الإعمار وعقود الطاقة وغير ذلك من المصالح، خاصة أن لدى فرنسا مصالح واسعة في لبنان تسعى لحمايتها والامتداد من خلالها نحو سوريا.

تعقيدات القضية السورية جعلت الرئيس أوباما يتمهل، إذ أعلن في خطاب ألقاه يوم السبت الماضي أنه سيحيل مسألة توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا إلى التصويت على الكونغرس الذي سيستأنف أشغاله يوم 9 سبتمبر القادم.

القضية السورية تخفي صراعات تخوضها محاور عالمية كلاسيكية. وكالعادة فإن شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية هي غطاءات وأدوات في هذه المعارك.

فالحشد العسكري والنشاط الديبلوماسي الأميركي المكثف يهدف إلى كسب نقاط استراتيجية في المنطقة، فكان الهجوم الكيميائي الأخير فرصة حتى تكسب الولايات المتحدة أعلى قدر من الرأي العام العالمي على المستويين الشعبي والديبلوماسي، وحتى تساهم في تعزيز ذلك المحور الكلاسيكي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ومشتقاتها والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الخير الغربي) في مواجهة المحور الثاني الذي تقوده روسيا ومشتقاتها والذي وقع التسويق له أثناء الحرب الباردة على أنه (محور الشر الشرقي)، هذا بالرغم من أن المحور الشرقي استغنى عن شيوعيته، إلا أن تقاليد الحرب الباردة مازالت متواصلة، لكن مع عديد التغييرات التي فرضتها العولمة وموازين القوى الجديدة.

إذ لم يعد خافيا أن الصين خرجت من تقوقعها وبدأت بالزحف في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، كما أن روسيا تستعيد ثقلها العالمي يوما بعد يوم، هذا بالإضافة إلى وجود مجموعة البريكس التي تضم اقتصاديات صاعدة، دون أن ننسى خروج مصر من المحور الإخواني الأطلسي الذي يدور في فلك الولايات المتحدة واللوبي الصهيوني، ورجوعها ولو نسبيا إلى تقاليدها الناصرية التي قد تتبلور على المستوى المتوسط والبعيد بانتهاج سياسات وطنية متوازنة بين الشرق والغرب، ما قد يحول مصر إلى مركز ثقل ونموذج يحتذى به في أفريقيا والعالم العربي.

فالولايات المتحدة وجدت الفرصة مناسبة للعب دور الملاك المنقذ الحريص على السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان، مقابل تقديم روسيا وكل من يدور في فلكها في ثوب "الشر". وبالتالي وجدت الولايات المتحدة المجال للانقضاض عسكريا واستراتيجيا على القلب النابض في الشرق الأوسط، حتى تكون جاهزة وناضجة للعب دور أعمق في المنطقة.

6