الصراع ليس بين حماس وإسرائيل

الخميس 2014/07/17

إسرائيل دولة استعمارية عنصرية تسعى إلى الهيمنة على المنطقة برمتها، ولم تقبل بأي وجود شكلي لدولة فلسطينية بحدود عام 1967، والتي بدأ تشكيلها على جثة انتفاضة الحجارة 1987، وبعدها تتالى التجاهل لاتفاقيات أوسلو، ولم تعترف لتلك الدويلة بالقدس ولا بحق العودة ولا بكل الحقوق المكدسة في خزائن الأمم المتحدة، وضاعفت من تقطيع أراضي الضفة الغربية وبناء المستوطنات فيها، وفي سجونها أكثر من أحد عشر ألف معتقل فلسطيني. إسرائيل هذه رعت سابقا حركة حماس، وذلك حينما كانت مجرد مجموعات دينية، ثم ولأن أوسلو أخفق بسببها نمت حركة حماس وتطورت وحققت لاحقا انتصارات كبيرة في الانتخابات.

وبتأزم الأوضاع انفصلت غزة عن الضفة، وكان هذا انتصارا كبيرا لإسرائيل، ولكنها عادت وشنت حرب 2008 على غزة. ثم راحت حماس نفسها تقمع الذين يطلقون الصورايخ أو يفكرون في تنفيذ عمليات ضد إسرائيل.

إذن إمكانيات حماس محدودة وهي تكتفي بغزة كإمارة لها، ولكن برز بعد ذلك معطيان هامان، هما التقارب مع الضفة وهو ما رفضته إسرائيل، ثم اكتشاف الغاز في القطاع، وتعزز احتمال توظيفه لصالح دولة تستقل بذاتها ولا تعيش على المساعدات.

هذان المعطيان تخشاهما إسرائيل جيدا، فهي لم تعترف بكل ملحقات أوسلو، والتي فيها إجحاف بحق الفلسطينيين، فكيف ستسمح بإمكانية فعلية لبداية مشروع وطني فلسطيني جديد، تشكل على أرضية إفلاس الضفة في مفاوضاتها مع إسرائيل، وإفلاس حماس ذاتها واشتداد الحصار على غزة بعد سقوط حكم الإخوان في مصر.

إذن كان لابد من الحرب الشاملة لإيقاف ما تقدمت الإشارة إليه، فقد شنتها إسرائيل من البر والبحر والجو، ولم تستهدف مناطق عسكرية تابعة لحماس فقط، فأغلب الشهداء هم من المدنيين، عدا عن تدمير شبه كامل للبنية التحتية. إسرائيل تريد بذلك تدمير أكبر قدر ممكن كي تصبح غزة منطقة منكوبة بالكامل، وهذا ما سيعقد مسار التفاوض مع الضفة، وفي حال تشكلت حكومة وطنية ستكون أمامها مشكلات الدمار والمسؤولية عن الحرب وكيفية تجاوز كل نتائج الحرب.

هناك آراء تسارع بالقول إنه لولا صواريخ حماس ما كانت الحرب، والحقيقة أن هذا قول العاجزين عن أي فعل، ولكن لو افترضنا أن حماس أخطأت فهل هذه الحرب ضدها؟ أبدا الحرب الآن لتدمير غزة المحاصرة التي تتكدس فيها مئات ألوف الفلسطينيين المهجرين من قراهم في أراضي الـ1948.

إسرائيل لا تعنيها بضع صورايخ، فهي لا تشكل توازنا عسكريا ولن تقتل سوى بضع أفراد، إسرائيل معنية بتوجيه رسالة للعرب قاطبة ولاسيما بعد الثورات، وبعد القيام بإصلاحات عديدة في دول عربية منذ مطلع 2011، إنها دولة رئيسية في المنطقة، وتراقب كل ما يحصل في العالم العربي، وستكون ضد أي ثورة أو إصلاح لا يعترف بها أو يعطي هامشا أكبر للشعب، وعلى كل تلك الدول الاعتراف بدور إقليمي لها. الآن وبعد نهاية الحرب ستكون هناك مفاوضات جديدة مع إسرائيل، وربما سنشهد تقاربا بينها وبين عدة دول عربية.

ولكن هل حماس على صواب؟ حركة حماس هي حركة إسلامية أصولية تعمل من أجل مجتمع محافظ، وامتلاك ترسانة عسكرية لفرض نفسها على الشعب وعلى منظماته وعلى منظمة التحرير، ولا تمتلك أي رؤية اقتصادية لتطوير دويلتها أو في أراضي أوسلو المحدودة، وفي السياسة تبتغي الوصول إلى الحكم والتفرد به، وربما ستكون بعد الحرب أقوى في الضفة كذلك، وهو ما سيعقّد التقارب مع فتح ويدخله في الثلاجة.

حماس قد تحصل على شعبية أكبر في بعض الفترات، ولكنها ليست خيار الفلسطينيين البديل عن فتح أو منظمة التحرير أو فصائل اليسار الضعيفة، بل هي خيار الأزمات، كلما تأزم الوضع الفلسطيني وامتنعت إسرائيل عن تنفيذ أوسلو، كلما تمددت وتوسعت. ربما الحرب الحالية تبرز قوى أكثر راديكالية لدى الفلسطينيين من حماس ذاتها وهذا احتمال ممكن. وهو ما تسعى إليه إسرائيل وحينها ستكون فلسطين مرتعا لحروب ودمار كبيرين، كما ظهرت النصرة وداعش وسواهما، بسبب عدم دعم الجيش الحر والثورة السورية في العموم، وبسبب رداءة المعارضة، وفي حالة فلسطين بسبب الفساد المستشري في قيادات فتح ومنظمة التحرير في العموم وفشلها الكامل.

الحرب حرب إسرائيل، وهي خيارها الوحيد للعلاقة مع الفلسطينيين منذ أتت المنظمات الصهيونية إلى فلسطين ولذلك أفشلت أوسلو، والآن تشن الحرب لمنع أي تقارب بين الضفة والقطاع، وتهدد كافة العرب بأنها ستتعاطى معهم ضمن هذا الخيار.


كاتب سوري

9