الصراع مع روسيا محفز أساسي للمناورات السياسية التركية

على الرغم من أن الأزمة الحالية بين موسكو وأنقرة قد لا تتحول إلى نزاع عسكري، إلا أنها عبارة عن تذكير بأن تركيا منخرطة بقوة في حرب بالوكالة مع عدوها التاريخي الروسي، وأن الرئيس التركي، الذي خرج مرهقا من أزمة داخلية كادت تعصف باستمرارية حكمه، وبعد أن تأكّد له أن لا سبيل لزعامة مطلقة ومنفردة له في الشرق الأوسط، عاد ليقدّم تركيا كحليف رئيسي لقوى المنطقة التقليدية وكجزء من مجموعة تتشارك الأهداف السياسية والعسكرية، وأيضا بعض الخصوم.
الثلاثاء 2015/12/29
من يضحك على من

لندن - "عندما يعلو صراخ روسيا، تتحرّك تركيا"، بهذا الوصف يلخّص سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، تحرّكات السياسة الخارجية التركية التي تمرّ بمنعطف قرار أساسي؛ وبدا هذا المنعطف واضحا، وفق خبراء، من خلال التصريحات التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في حوار أدلى به أول أمس إلى قناة العربية.

من النقاط التي كانت لافتة في هذا الحوار أن أردوغان حمّل روسيا جزءا كبيرا من تعقد الأزمات في كل من سوريا والعراق بالأساس، واعتبر أن أساس الخلاف بين موسكو وأنقرة، هو رفض الأخيرة الانضمام إلى تحالف يضمّ روسيا وإيران والعراق وسوريا؛ مقدّما تركيا كحليف أقرب للسعودية من روسيا، ومذكرا الولايات المتحدة بأن أنقرة هي الحليف في الملف السوري وليست موسكو.

في هذا السياق امتطى الرئيس التركي صهوة الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، وانبرى، في تصريحات عديدة، إلى جانب حوار العربية، لتقديم نفسه كبديل سني ترضى عنه الولايات المتحدة وحليفتها السعودية، مشيرا في حواره إلى أن موقف بلاده يختلف عن موقفي روسيا وإيران، وقال عن إيران إن “هناك خلافات بيننا وبينها”، ثم استدرك قائلا “لكني لا أريد أن تكون خلافاتنا مؤثرة على علاقات الجوار بيننا. وأتمنى ألا نكون أعداء بناء على بعض المواقف الطائفية .. ومرجعنا لا يجب أن يكون المذاهب”. وقد اعتبر خبراء أن هذا التصعيد مع الإيرانيين مبني على سياسة جديدة تتقرب للسعودية أكثر منها عداء لإيران.

خلاف تاريخي

لئن خرج التوتر بين موسكو وأنقرة إلى العلن منذ حادثة إسقاط القوات التركية للطائرة الروسية، إلا أن سونر جاغابتاي، مؤلف كتاب “صعود تركيا: أول قوة مسلمة في القرن الحادي والعشرين”، رأى أن هذا التوتر تاريخي، ويذهب إلى حد القول إن “من بين حوالي عشر دول مجاورة، واحدة فقط تخافها تركيا بالفعل: إنّها روسيا”. وهذا الخوف يعود إلى عهد أجداد أردوغان العثمانيين، حيث سيطر الأتراك العثمانيون في مرحلة معيّنة من الماضي على كل جارات تركيا المعاصرة أو هزموها من اليونان إلى سوريا، إلّا أن الاستثناء الوحيد كان روسيا.

تركيا قد تحاول الردّ ضدّ خطوات موسكو، مصعّدة الحرب في سوريا من خلال حمل آسيا الوسطى والشيشان ووكلاء من شمال القوقاز على المحاربة ضدّ روسيا في سوريا

وعندما أصبحت الأمبراطوريتان العثمانية والروسية جارتين، العام 1918، خاض الأتراك والروس في ما بينهم 17 حربا على الأقل. وخسر الأتراك كل تلك الحروب على التوالي. ولسبب وجيه، على مرّ العصور، تأصّل في النخبة التركية خوف كبير من موسكو. وكتب أكين أونفر، أستاذ العلاقات الدولية في اسطنبول، في تحليل في صحيفة "فورين أفيرز": عندما استولى الروس على شبه جزيرة القرم عام 1783، وهي الأرض الأولى، بغالبية مسلمة التي خسرها الأتراك لصالح قوّة مسيحية، حثّ ذلك حركة التغريب التركي. وشعر الأتراك بالإذلال على يد الروس إلى درجة أنّهم قرّروا اعتماد طرق أوروبية للتصدّي للأمر. وفي النهاية، أنتجت عملية الحداثة هذه مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية.

وفي زمن أكثر حداثة، عندما طالب ستالين أراضي من تركيا (مثل البوسفور عام 1946)، اتّخذت أنقرة قرارا تضمّن انعكاسات بعيدة المدى من خلال اختيارها الانحياز إلى جانب الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. ويبدو أنّ الخوف يجبر الأتراك على فعل كل ما يلزم لإيجاد حماية من موسكو: ففي العام 1950، أرسلت تركيا قوّات إلى كوريا البعيدة لمحاربة الشيوعيين مثبتة التزامها تجاه الولايات المتحدة. وقد كافأت واشنطن أنقرة على خطوتها هذه في العام 1952 من خلال عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

واليوم، تجدّد هذا الخوف بعد خسارة تركيا في سوريا، ثم، تضاعف مؤخّرا، على خلفية موقف حكومة بغداد، التي انقلبت على تركيا وعلى تواجد قوّاتها العسكرية في العراق، ليزداد الأمر قلقا بعد زيارة صلاح الدين دمرداش، رئيس حزب الشعوب الديمقراطي التركي الكردي، إلى موسكو، في زيارة تدلّ على تدهور العلاقات بين أنقرة موسكو وأن الروس يعرفون نقاط الضعف الجيوسياسية للخصم التركي.

فالأكراد مثلا يشكلون قضية جوهرية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان مثلما هو الأمر مع مسألة الوجود العسكري التركي في قاعدة التدريب الأمامية في ناحية بعشيقة الواقعة في شمال العراق، فلو لا تشجيع من طهران وموسكو، لما انتقدت بغداد الوجود التركي في بعشيقة، الذي يعود إلى التسعينات، وما تجرّأت حكومة بغداد على تهديد الهدف الاستراتيجي التركي المتمثل في اكتساب عمق استراتيجي في شمال العراق.
سونر جاغابتاي: اكتساب عمق استراتيجي في شمال العراق هدف تركيا منذ التسعينات
وقد أجبر هذا الموقف، الذي وصف التواجد التركي شمال العراق بـ”الاحتلال والتدخل العسكري الأجنبي، على نقل القوات المسلحة التركية لمعظم قواتها إلى الأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة إقليم كردستان في الوقت الراهن، أملا في التخفيف من حدة التوتر.

أردوغان في الرياض

ذاك الخوف من الاستبعاد من سوريا بفعل الهجمات الروسية على المسلحين المنحازين لتركيا هو الذي دفعها إلى اتخاذ موقف عدائي شديد ضدّ روسيا، ولأن الخوف من روسيا قد خدم كمحفّز أساسي للمناورات السياسية التركية طوال المئات من السنين، كما يقول سونر جاغابتاي، فإن الترويج التركي لزيارة الرئيس رجب طيب أردوغان للمملكة العربية السعودية، والتي تبدأ اليوم، يعكس ملمحا من هذه السياسة، فإلى جانب تصريحات الرئيس التركي في حوار “العربية”، استبقت وكالة أنباء الأناضول، المقرّبة من النظام الحاكم في تركيا، الزيارة بتقرير مطوّل عن العلاقات التركية السعودية، التي وصفها التقرير بأنها “تمرّ بمرحلة جديدة ومتميزة وتشهد تصاعدا متسارعا برعاية وتشجيع من زعيمي البلدين”.

كما أسهب أردوغان، في حواره، في مدح العلاقات السعودية التركية، وقال إن زيارته للرياض “تكتسي أهمية كبيرة. والعلاقات التركية السعودية شهدت تطورا ملحوظا لم يسبق له مثيل في أي وقت مضى”.

وقد قال خبراء إن هذه الزيارة الرسمية، وهي الزيارة الثانية للرئيس التركي إلى الرياض هذا العام، حيث سبقتها زيارة أولى في مارس الماضي بحث خلالها مع الملك سلمان العديد من الملفات الإقليمية والدولية، تتخذ زخمها من الملابسات الاستراتيجية المحيطة بها والظرف الصعب الذي تمر به تركيا إقليميا، والذي لم يعد خافيا، وبعد أن فشلت في أن تكون قوة إقليمية مؤثّرة، ستقبل بأن تكون جزءا من تحالف تحدد شروطه القوى التقليدية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا السياق، دعا جاغابتاي واشنطن إلى أن تتحضّر لخطوات تركيا المحتملة، فإذا تفاقمت الأزمة الروسية التركية، ستنتج عن ذلك تشعّبات خطيرة، إذ ستردّ تركيا على روسيا بخطوة تاريخية محتملة، وبعد عقد من محاولة أنقرة لأن تصبح لاعبا شرق أوسطيا، قد تجد تعزيتها في تحالف الناتو عندما تواجه الخطر الروسي التاريخي، وستميل أكثر نحو الولايات المتحدة وحلفائها.

وكاحتمال بديل، قد تحاول تركيا الردّ ضدّ خطوات موسكو، مصعّدة الحرب في سوريا من خلال حمل آسيا الوسطى والشيشان ووكلاء من شمال القوقاز على المحاربة ضدّ روسيا في سوريا. وفي كلتا الحالتين، قد تكون أنقرة عند منعطف قرار أساسي في السياسة الخارجية، فـ”عندما يعلو صراخ روسيا، تتحرّك تركيا”.

7