الصعود إلى الجريمة

السبت 2014/08/09

معلومات مفصلة ومعززة بأرقام وإحصائيات ومخططات توضيحية، عن أفخر أنواع المخدرات والأكثر شعبية منها إضافة إلى أبرز واجهات ومنافذ توزيعها وأهم مصادر تمويلها وأسهل الطرق للإيقاع بضحاياها، كذلك نسبة الإدمان في المدن والقرى والأزقة مع مقارنة دقيقة في النشاط الترويجي بين المدن والأرياف وبحث مفصّل عن الأسباب والدوافع والنتائج الكارثية.

كل هذا، مقابل تخصيص مساحة مقتضبة لآثار تعاطي المخدرات المدمرة على الأفراد والمجتمعات، ومساحة أقل اقتضاباً لوسائل مكافحتها (إن وجدت) والطريق الأمثل لـ(كنس) الشوارع والبيوت من بقايا المخدرات ومدمنيها.

طبعا، ليس المطلوب من رجل الشارع العادي أن يلم بكل هذه التفاصيل عن عمليات تهريب وتوزيع المخدرات، التي تشبه إلى حد كبير، محتويات كراس بحث اجتماعي موثق بالأرقام والرسوم البيانية قد تمنحه إحدى كليات الشرطة أو القانون، درجة (دكتوراه) بتقدير امتياز لطالب مخضرم، قضى شطرا كبيرا من سنوات شبابه في تقصي هذه الحقائق. لكنها اليوم تستطيع ببساطة أن تقف –حجر عثرة- في طريق المواطن البسيط مصادفة من خلال شريط فيلم عربي مُلئ بالحبكات والمطاردات البوليسية أو رسالة (واتس آب) غير بريئة من صديق أحد أصدقاء السوء. ولهذا، سيتجه المواطن البسيط بفعل الفضول وحب الاستطلاع إلى البحث عن مزيد من التفاصيل، وسيمضي مغمض العينين إلى مرحلة التجريب، ليضطر مكرها – في ما بعد- إلى تتبع آثار الجريمة حتى منابعها الأصلية.

الجريمة الاجتماعية، أصبحت صناعة ناجحة بأهداف معلنة وخفية ورؤوس أموال حلال وحرام، حيث ضاع الخيط الرفيع الذي كان يفصل بين البينين في زوبعة الحروب الساحقة والثورات الفوضوية. وفي الطريق الذي قطعه البعض للصعود إلى الحرب، بالتأكيد، هنالك بعض التفاصيل المقززة لجرائم قتل اتخذت من الأرض العربية مسرحا لها، ولأن هؤلاء اعتادوا اقتسام اللقمة الحلال في قديم الزمان حين كانت حكايات الجنيات تنتهي نهايات سعيدة، فلا بأس هذه المرة من اقتسام دماء الضحايا على خلفية ميتات لا نهائية، فأصبحت أفعالهم ذات اللون الأحمر الصارخ مشاهد فيديو متاحة للقاصي والداني لتقدم دروسا مجانية على وقع الموسيقى التصويرية للقتل والتقطيع والتشويه، في مدارس متخصصة في الجريمة تمنح تلامذتها مراتب عليا قد تصل إلى درجة (الدكتوراه).

ولهذا، أصبح بإمكان رجل الشارع العادي، أن يتعاطى المخدرات ويشارك في عمليات التهريب المربحة، ثم يذهب إلى عمله المعتاد فيذبح ويسلخ بني جلدته المغدورين بحرفية عالية، يحسده عليها أعتى نمور وأسود وحيوانات الغابة التي ظلمها التاريخ البشري كثيرا، بإلصاق تهم الوحشية والدموية والقتل بدم بارد، بأفعالها التي تبدو في نظر البعض –الآن- مجرد تجارب عشوائية لمراهقين مبتدئين، وهي تقف بخجل قبالة التفاصيل المرعبة لمشاهد أفلام الفيديو التي تروّجها الجماعات المسلحة (على اختلاف انتماءاتها) لترهيب ما تبقى من أفراد الشعوب التي ما زالت (تعاند) أقدارها وترفض الانصياع لشريعة الغاب.

اليوم وغدا، سيتسع الجرح وسيكبر التلاميذ الصغار الذين ينوؤون بأحمالهم وهم على أتم استعداد لبدء مشوارهم الدموي في الحياة، الذي يرشحهم لاختيار دورين لا ثالث لهما، الضحية أو الجلاد والذي سيتحول بدوره بمرور الوقت إلى ضحية أخرى.

21