الصغير أولاد أحمد شاعر تونسي مريض بالتمرّد والربيع

السبت 2015/05/23
من جيل أحرقته الشمس والأحلام

الشاعر التونسي الصغير أولاد أحمد يشغل الناس هذه الأيام، لا بصخبه الجميل كما هي العادة وإنما بمرضه، وجميع الأحزاب السياسية تتسابق لكسب مودته ورضاه، مرسلة باقات الورود، ومؤدية زيارات لشقته في ضاحية “رادس” جنوب العاصمة.

عنقود العنب التونسي

حتى “حركة النهضة” التي سخّر نفسه لنقدها، والتنديد ببرنامجها السياسي والعقائدي، محمّلا زعيمها الغنوشي مسؤولية الكوارث التي عرفتها تونس خلال السنوات الأربع الماضية، أرسلت وفدا من أعلى مستوى للاطمئنان على صحته.

وبالنسبة إلي أنا الذي صادقته على مدى عقود طويلة، يسعدني أن أقول كلمة حق في حق هذا الشاعر “الرجيم” الذي كان ولا يزال يثير حقد وغيظ “طواويس الشعر”، ومدعي حماية الفضيلة والأخلاق. أفعل هذا ليس فقط تقديرا لصداقة متينة لم تخدشها السنون، ولم تنل منها المعارك الأدبية وغيرها، وإنما سعيا مني إلى استئصال تقليد سيئ في بلاد حنبعل، تقليد يقتضي بأن يعيش المبدع “الرجيم” مطاردا باللعنات والتهم والحجارة إلى أن يرمى في القبر. عندئذ فقط تستيقظ الضمائر والهمم، فيتحول أعداء الأمس القريب إلى أنصار يشقون جبائبهم، ومنتحبين حزنا وكمدا عليه.

وهج السبعينات

يا للمفارقة العجيبة التي عبر عنها علي الدوعاجي، حين قال وهو في أوج محنته التي قتلته في سن الشباب تماما مثل كل أبناء جيله الذين أسسوا لثقافة تونسية حديثة وأصيلة “عاشْ يتمنّى في عنْبه، ماتْ جابولو عنقودْ”.

وكان أولاد أحمد قد جاء إلى تونس العاصمة في أواخر السبعينات من القرن الماضي. وكانت البلاد في تلك الفترة تعيش أزمات متتابعة سياسية واجتماعية وغيرها. ففي العام 1978، قامت مواجهة عنيفة بين نظام بورقيبة واتحاد النقابات أدت إلى سقوط العشرات من القتلى والجرحى.

قبل ذلك، كانت التيارات اليسارية قد حوكمت، وصدرت أحكام قاسية في شأن الطلبة والمثقفين المنتسبين إلى تلك التيارات، وفي مطلع العام 1980، قامت مجموعة من القوميين العرب الموالين للقذافي بمحاولة قلب نظام الحكم انطلاقا من مدينة قفصة الجنوبية. بعدها وجد النظام نفسه مجبرا على القيام ببعض الإصلاحات، سالكا سياسة أقل تشددا وعنفا تجاه خصومه.

ومنذ البداية بدا أولاد أحمد منجذبا إلى الحركات المحرّضة على التمرد والثورة. وأذكر أنه لم يكن يمر يوم واحد من دون أن يخوض معركة في هذا المقهى أو ذاك، مستعرا غضبا ضد كل من يسعى إلى كبح جماحه، وتهدئته.

قصائده الأولى، يبدو فيها أولاد أحمد سطحيا، فقير الاستعارة الشعرية، مقلدا لشعراء كبار من أمثال محمود درويش، وبدر شاكر السياب، أما في القصائد التي كتبها لاحقا في مرحلة النضج، فقد تمكن من أن ينحت شخصيته الشعرية، وأن يكتسب صوته المتميز

وبوجهه المحروق بشمس الجنوب، وجسده الهزيل، وصوته الخشن المخدوش بفعل التدخين والسهر، كان يذكرني بالرعاة الذين عرفتهم في بوادي القيروان حيث نشأت، وبشعراء بهاليل كانوا يأتون إلى قريتنا لينشدوا أشعارا تبكي النساء، ويحزن لها الرجال.

ورغم الخصومات الكثيرة التي اندلعت بيننا في البداية، فقد حاولت أكثر من مرة أن أصادقه لأنني شعرت أنه ليس غريبا عني، وأنه قد يكون قطع مسافات مديدة تحت الشمس الحارقة في فترة الطفولة القاسية، ومعه نصبت الفخاخ للطيور والأرانب البرية، وسهرت تحت القمر في ليالي الصيف البديعة، واستمعت إلى الأغاني في الأفراح. غير أن لحظة الصفاء الحقيقية تعود إلى العام 1984.

ففي شهر ما من ذلك العام، نشر أولاد أحمد مقالا في مجلة “الموقف” تحت عنوان “الأيديولوجيا والتكنولوجيا” انتقد فيه بأسلوبه الساخر البديع استعمال مكبر الصوت في الأذان. قرأت المقال وأنا في القيروان، وأعجبت به وبجرأة صاحبه، وعندما ذهبت إلى العاصمة، فوجئت بأن أغلب من هاجموا المقال ليسوا من المتزمتين، ومن أصحاب اللحي الذين كانوا قد تكاثروا في ذلك الوقت، بل كانوا أيضا من أهل اليسار الذين يتبجحون طوال الوقت بأنهم ينتمون إلى “النخبة المستنيرة”.

وفي مقهى “الأنتارناسيونال” سمعت أحد أقطاب اليسار يشتم أولاد أحمد شتما مقذعا، معتبرا مقاله “اعتداء سافرا على مقدسات الشعب”. ضحكت بمرارة وأنا أستمع إليه لأن مكبر الصوت لبس من المقدسات، كما أنه ليس من صنع المسلمين. ومرة أخرى ازددت قناعة بأن اليسار التونسي ضيّق الأفق وسطحي وهش إلى أبعد حدود الهشاشة.

احتدت العاصفة التي أشعلها مقال أولاد أحمد. وأعتقد أن هجومات اليساريين هي التي دفعته إلى مراجعة البعض من أفكاره. وذات مساء، التقيت بأولاد أحمد في مقهى “الزنوج”، عبرت له عن إعجابي بالمقال، فبدا مندهشا، بعدها دعاني إلى بيته قائلا “تعال معي لتكتشف أنني على حق”، لبّيت دعوته ورافقته إلى البيت المتواضع الذي كان يسكنه مع زوجته وابنه الذي كان لا يزال رضيعا آنذاك، وعند الفجر، انتشلني مكبر الصوت من النوم ليحرمني منه بعد ذلك. وعندما ركبنا القطار إلى العاصمة، قال لي أولاد أحمد “الآن فقط أدركت أن الشاعر كائن غريب ويتيم في المجتمعات المتخلّفة”.

من شعر الصغير أولاد أحمد
لو أستطيع

ناهضٌ من بذوري إليها

لو أستطيع..

أحمرُّ في وجنتيها

إن ضاع .. أو .. ضاع يوماً

وأملأ الأفق عطراً

تلمّه بيديها

هابطٌ من سمائي إليها

لو أستطيع

لعدتُ فوراً إليها

وقلت:

من كان مثلي

أضاع عقلاً لديها!

ذاهبٌ في الطريق إليها

وصلتُ قبلي إليها

لو أستطيع

لسرتُ في الحبّ حتّى

أعود منه.. إليها.

أولاد أحمد وزمن القتلة

في كتابه الشهير “زمن القتلة”، يحدّد هنري ميللر مواصفات الشاعر الملعون على النحو التالي “إنه-أي الشاعر الملعون-عادة ما يكون جائعا، وبلا مأوى، وإشكاليا، ومكروها من أغلب الناس، إنه الكائن المستحيل الذي لا أحد يقبل بالاقتراب منه، ولا أحد، حتى ولا هو نفسه”. وهذه المواصفات تنطبق على أولاد أحمد. فقد عرف البطالة والسجن وعاش الصعلكة والتشرد، غير أن كل هذا لم يمنعه من أن ينضج شعريا، ومن أن يفرض نفسه شاعرا متفردا، وبإمكان دارس مسيرته الشعرية أن يدرك الفارق الشاسع بين قصائده الأولى، والقصائد التي كتبها في التسعينات، وفي ما بعدها.

ففي القصائد الأولى، يبدو أولاد أحمد سطحيا، فقير الاستعارة الشعرية، مقلدا لشعراء كبار من أمثال محمود درويش، وبدر شاكر السياب، أما في القصائد التي كتبها في مرحلة النضج، فقد تمكن من أن ينحت شخصيته الشعرية، ومن أن يكتسب صوته المتميز.

وتعتبر قصيدته “الوصية” التي يستعيد فيها جوانب من سيرته من أروع ما كتب. فيها أثبت أنه قد أمسك بناصية الشعر، وأدرك المعنى العميق له. فيها كان نفسه متحررا من كل الذين تأثر بهم في بداية مسيرته الشعرية. في هذا القصيدة، تبرز حياة أولاد أحمد من خلال ما طرأ عليها من ملابسات ومن أحداث ومصادمات وعذابات، وكان واضحا أن أولاد أحمد استشعر أن العودة إلى ذاته هي التي جعلته يكتب مثل ذلك القصيد البديع.

مدير بيت الشعر

لم يكن الشعر وسيلته الوحيدة، فقد برع أيضا في النثر ليكتب مقالات ساخرة حوّلته إلى شاهد عيان قادر على أن يلتقط بحسّ مرهف كل تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية في تونس خلال الأربعين عاما الماضية. وأعتقد أن الميزة الأساسية لهذه المقالات هي أنها ربطته بالواقع التونسي في جميع جوانبه وتضاريسه، وبالجمهور المتعطش لقراءة كل ما يعكس معاناته ومشاغله وأحلامه.

يواصل هنري ميللر تحديد مواصفات الشاعر الملعون ويقول “إن الشاعر الملعون عادة ما يكون تلميذا سيّئا، لقد ولد وهو يحلم بالجنة. وحتى وإن بدا هذا الحلم مستحيلا وجنونيا، فإنه لا يكفُ البتة عن الكفاح من أجل تحقيقه. إنه كائن فاسد لا يمكن أن يقوّم أبدا. وهو حريص على معاودة ارتكاب الذنوب والجرائم التي عوقب من أجلها سابقا”، ولعل هذه المواصفات تنطبق على أولاد أحمد أيضا. فمع أنه اكتسب شهرة لم يكتسبها أي شاعر تونسي في زمنه، ومع أنه فرض نفسه كشاعر متميز يردد الناس قصائده في جميع أنحاء البلاد، فإنه لم يهتم بهذا الرصيد الهائل، بل سعى بوعي ومن دون وعي إلى إتلافه وتفتيته والعبث به.

وفي حين كان الشعراء الآخرون يتراكضون، ويتزاحمون بالمناكب لكسب ود أصحاب النفوذ، كان هو يرتكب كل أنواع الحماقات الممكنة وغير الممكنة، لكي يظل الشاعر الرجيم المغضوب عليه دائما، يعيش المزيد من المتاعب المادية والمعنوية. وقد عيّن أولاد أحمد مديرا لبيت الشعر التونسي في عهد بن علي. غير أنه فُصل من العمل بسبب هفوات إدارية وتقلبات مزاجية وفكرية. وفي هذه المرة، اختار أن يكون من المعارضين لنظام بن علي. غير أن هذا النظام تركه وشأنه، فلم يتعرّض لأيّ عقاب، بل كان يتلقى راتبه الشهري من دون أن يجبر على العمل. وعند انهيار هذا النظام، عيّن أولاد أحمد نفسه “ناطقا رسميّا” باسم الثورة، وراح يكتب مقالات ساخنة يمجّد فيها “الربيع العربي”، محرّضا على إسقاط كل الأنظمة العربية الفاسدة. ولكن يبدو أن الخيبات الكثيرة التي وسمت هذا الربيع الكاذب، جعلته يعيد النظر مرة أخرى في أفكاره الثورية لذلك خفت صوته في المدة الأخيرة، ولعل المرض الذي أصابه مؤخرا سيعيده إلى نفسه ليسعد قراءه بقصائد تكون في مستوى قصائده التي تعكس همومه وأوجاعه الذاتية كما هو الحال في “وصيته” الشهيرة التي كتبها في التسعينات من القرن الماضي.

13