"الصفاء" نزعة خيالية للهروب من الواقع وتأسيسه من جديد

الفيلم دراما سوداوية ضمن إطار فنتازي مجرد للمخرج ستيفن نايت يتطور فيها الصراع بين أبطاله إلى حد ارتكاب جريمة مدفوعة الثمن.
الاثنين 2019/03/25
شخصيات اختلط عندها الواقعي بالخيالي

الخيال المديد الذي يمكن أن يذهب بنا بعيدا عن الواقع ليس بالضرورة وفي جميع الأحوال هو خيال تجريدي مطلق، إذ سنعود مرارا إلى الواقع وإلى الحقائق الكامنة على الأرض، هذه الموازنة ما بين الخيالي والواقعي لا شك أنها تتيح لصانعي الدراما السينمائية مساحة واسعة في تقديم القصة السينمائية، وهو ما عشناه مع فيلم “الصفاء” للمخرج ستيفن نايت وهو نفسه كاتب السيناريو.

يكشف فيلم “الصفاء” للمخرج ستيفن نايت ما بعد الواقع المباشر وما وراء الروتين اليومي الذي تعيشه الشخصيات، حيث يختلط عندها ما هو واقعي بما هو خيالي.

ولعل المخرج لم يرد الإسراف في الخيال، ولكنه في ذات الوقت أحالنا إلى أشد المواقف واقعية تلك التي يمكن أن يتطور فيها الصراع إلى الجريمة.

المكان الذي نحن بصدده هو جزيرة معزولة لا نعلم عنها الكثير ولا نكتشف كثيرا من شخصياتها، لكن من أبرزها ديل (الممثل ماثيو مكنوكهي) الذي عالمه الحقيقي هو البحر، كأنه هروب لا واع من مواجهة الحقيقة الأرضية إلى حيث يسعى لنجاح مغامرته في اصطياد قرش أو حوت.

لكن ديل كأنه هارب من حياة أخرى موازية، إذ سوف نكتشف أنه ليس إلاّ محاربا سابقا في العراق، عاد من الحرب ليصدم بأنّ زوجته التي أحبها قد طلقته وتزوجت رجلا ثريا على الرغم من حضانتها لطفل، وهي تتلقى من ذلك الزوج صنوف الإذلال والعذاب هي وابنها.

يمارس ديل دورته اليومية في تلك الجزيرة فهو يعيش حينا مع كونستانس (الممثلة دايان لاين) محاولا أن يجد فيها ملاذا وبديلا عن زواجه السابق، أما طليقته الفاتنة كارين (الممثلة آن كاثاواي) فهي تعيده إلى حقيقته وماضيهن وهي التي تريد التخلص من حياتها بعرض مكافئة لديل مقابل التخلص من زوجها.

وبعد هذه الخطوط الأساسية للدراما، ماذا لو كان كل هذا مجرد لعبة وأن هناك من صممها؟  هذا ما يلخصه مندوب إحدى الشركات والذي يحاول إقناع ديل باستخدام جهاز تحسس متقدم لأسماك القرش والتونة التي يسعى لاصطياد إحداها، هذا المندوب المجهول يراقب ديل عن كثب ويعلم عن ماضيه ومفردات حياته.

يعيش ديل في دوامة البحث عن جذور لحياته الراهنة، وهل هي وهمية حقا بلا جذور ولا امتداد لها، وماذا عن مهمته في العراق وكيف يمكن أن تتحول إلى وهم هي الأخرى؟

هذه الدراما الفيلمية التي كما أشرنا إليها بأنها توازن بين ما هو واقعي وخيالي فتجعل من المكان بصفة عامة ركنا أساسيا تتوالى المشاهد الفيلمية لتكشف عنه. في المقابل فإن الإبحار اليومي لديل واستخدامه صنارة الصيد المعتادة يبدوان مضحكين، لاسيما أن الهدف هو صيد سمكة عملاقة، لكن ديل مصمم على أنه سوف يصل إلى مبتغاه.

ومهما كان الولع اليومي لديل في البحر، فإن إشكالية علاقاته تتفجر مرارا في سعيه للقاء ابنه، لكنه يعلم أنه محتجز لدى زوج أمه ولا يستطيع الوصول إليه، في المقابل يتمكن الفتى من صنع منظومة أقرب إلى الخيال تتحكم في مسار الشخصيات ضمن إطار فانتازي مجرد. على أن هذه الدراما السوداوية التي تدور فيها الأحداث ما بين مسكن ديل وبين المقهى والحانة ما تلبث أن تتسع مع قرار ديل الخروج من الدوامة التي يعيش فيها والاستجابة لطلب طليقته.

إنها لحظة مصيرية يريد ديل من خلالها أن يعود إلى الواقع فكأن قوة سحرية تتحكم به وتحول بينه وبين ابنه، ولهذا سوف تنتقل الدراما الفيلمية إلى منطقة الجريمة.

وهنا لا بد من القيام بأمر خارق واستثنائي يعيد الأمور إلى نصابها، والأهم أن يعيد الأب ابنه إلى أحضانه، تلك هي الخلاصة الأخيرة.

الصراع النفسي بين قبول عدة ملايين من الدولارات في مقابل قتل فرانك (الممثل جاسون كلارك) وبين تحرير الابن، هما القوتان اللتان تستحوذان على تفكير ديل، وهي مرحلة مهمة في الفيلم.

وفي المقابل يتدخل صديق ديل (الممثل ديمون هونسو) في مسار الأحداث ويهجم على فرانك من أجل التأثير على خطة ديل بارتكاب جريمة قتل في مقابل المال، لكنه لن يغيّر في مسار الأحداث كثيرا، فذلك في الواقع تفصيل إضافي تم بثهه لتصعيد الدراما الفيلمية والخيال والمضي بنا للتفاعل مع الأحداث وإن كانت غير واقعية.

يبدو مشهد الزورق الذي يقوم خلاله ديل بمطاردة سمك القرش والأسماك الأخطر من المشاهد التبسيطية عبر القيام برمي الصنارة المخصصة للسمك الصغير، لكنه فجأة اكتشف أنه بإمكانه اصطياد حوت أو سمك قرش وفي نفس الوقت اكتشاف أرض جديدة للجريمة حيث يرمي فرانك الثمل إلى أسماك القرش.

تميز الممثل جاسون كلارك بالعفوية والجمالية في الأداء والتعبير، لاسيما في المشاهد التي قضى فيها إجازته وهو ثمل ثم قراره أن يمضي رحلة أخرى بصحبة ديل، لكن هذا الأخير يكون قد قاد تحولا دراميا أنهى حياة فرانك وأخذ المكافأة المليونية.

16