الصفات الأبوية جينية وليست مكتسبة

المثل الأكثر تداولا يقول إن رضا الناس غاية لا تدرك، إلا أن الغاية التي لا تدرك حقا هي رضانا عن أنفسنا والسؤال الذي نحاصر ضمائرنا به كل يوم؛ هل نحن أبوان صالحان، وهل نعمل على قدر المسؤولية التي منحتنا إياها الحياة، وهل يحبنا أبناؤنا بقدر ما نحبهم؟
الأربعاء 2017/04/26
يجب ربط معرفتنا لذواتنا مع عواطفنا الموجهة لأبنائنا

إن الأبوة والأمومة عملان مرهقان بالفعل، وهما شعور لا يعرف كنهه إلا من جربه وخاض في لجة تفاصيله اليومية. لا يمكن أن يصبح المرء أبا أو أما بالبساطة التي قد نعتقدها، إنه طريق طويل ومتعب وهناك من يقضي الطريق بالشكوى والتذمر وهناك من يقطعه بمشقّة وتعب كبيرين، فيما يمضي بعض الناس فيه بسلاسة ويسر وكأنهـم يشاركون في نزهة حقيقية. فما الذي يجعل من الأبوة أمرا شاقا مع البعض أو نزهة جميلة لدى البـعض الآخر؟

أكدت معظم الدراسات السابقة في هذا الإطار على أن للتربية التي حصل عليها الآباء في منزل طفولتهم والرعاية التي أغدقها عليهم آباؤهم، تعد عونا كبيرا ومرجعا حقيقيا للطريقة التي يربّون بها أبناءهم؛ فأنماط التربية في مرحلة الطفولة تؤسس لمبادئ مهمة قد يستعين بها الأبناء في المستقبل لتنشئة أبنائهم، إضافة إلى أن نصائح الأجداد تشكل مخرجا مهما في بعض الأحيان للعديد من التحديات التي يواجهها الأهل.

إلا أن دراسة حديثة قدمت فكرة مغايرة لذلك تماما، مشيرة إلى أن الأبوة والأمومة غريزة وسمة طبيعية تولد مع صاحبها ويحملها في جيناته، مثل أي صفة وراثية أخرى وهي مهارة لا تتعلق بالخبرة بالضرورة.

أفضل شيء يمكن أن يقوم به المرء هو تحقيق ذاته وتطوير قدراته الشخصية، ليقوم بدوره كأب أو أم على أفضل وجه

وأشارت الدراسة لمجموعة من الباحثين في جامعة هارفارد الأميركية إلى أن بعض الناس يحملون جينات “رعاية” خاصة بكيفية رعاية وتربية الأبناء ليكونوا آباء جيدين، وهي الدراسة الأولى من نوعها التي تثبت أن الصفات الأبوية هي صفات جينية وليست مكتسبة.

وكان العلماء في السابق يعتقدون أن أساليب التربية تُدرك من خلال الكيفية التي ينشأ عليها الأبوان، حيث أن الآباء الذين يربون أبناءهم على الاهتمام والرعاية الدائمة ويغدقون عليهم حنانا وحبا متواصلين، يكسبون هذه الصفات لأبنائهم بعد أن يصبح هؤلاء الأبناء أنفسهم آباء.

وقام الباحثون في جامعة هارفارد بإجراء تجاربهم على نوعين من الفئران؛ فئران الحقل وفئران “الغزال”، الذكور منها والإناث، لتتبع سلوكها في التعامل مع صغارها ولملاحظة مدى مطابقة سلوكها لسلوك آبائها من ناحية طريقتها في رعاية صغارها وبناء الأعشاش ولعق الصغار ووضعها في أماكن مناسبة.

ووجدت نتائج التجربة أن الأمهات من كلا الفصيلتين أجادت في التعامل بحنو مع صغارها وتقديم العناية اللازمة لها، إلا أن الأمر اختلف قليلا في ما يتعلق بالآباء الذكور؛ حيث أظهر الآباء من فئران الحقل ميولا واضحة في مساعدة الأم للعناية بالصغار، لكن الأمر لم يكن كذلك في ما يتعلق بالآباء من فصيلة فئران “الغزال”.

وللتحقق من نتائج هذه النتيجة الأولية، أجرى الفريق تجربة أخرى لمبادلة صغار الفصيلتين مع الآباء؛ فتم وضع صغار فئران الحقل برعاية أبوين من فئران “الغزال” والعكس بالعكس، كما أن سلوك الفريقين تمت مراقبته بعد مرور فترة زمنية قصيرة (نتيجة لقصر دورة حياة الفئران)، وبعد أن أصبح الصغار آباء.

الأبوة والأمومة غريزة ولدت مع صاحبها ويحملها في جيناته، مثل أي صفة وراثية أخرى وهي مهارة لا تتعلق بالخبرة

وهكذا توصل الباحثون إلى نتائج متنوعة بحسب تأكيد الدكتور هوبي هوكسترا من جامعة هارفارد، الذي أشار إلى أنه ليس هناك أي تأثير ملموس للطريقة التي تربت بها صغار الفئران من كلا النوعين، على طريقة تربيتها اللاحقة لصغارها، إذ أن كل شيء كان متعلقا بالوراثة أما النتيجة المثيرة للاهتمام فتتمثل بكون الوراثة تترك تأثيرا واضحا في جزء كبير جدا على السمات السلوكية لرعاية وتربية الأبناء، حيث وجد أن الفئران تتوارث طريقة لعق صغارها واحتضانها وتوفير الحماية لها، بينما لم تتعلم من آبائها سوى طريقة بناء العش.

وعمد الباحثون إلى محاولة تحديد الجينات الوراثية التي من المتوقع أن تكون مسؤولة عن السلوك الأبوي، فاستطلعوا منطقة ما تحت المهاد في الدماغ، وهي المنطقة المعروفة عادة بأهميتها في صياغة السلوك الاجتماعي، كما سيتم التركيز في الأبحاث المقبلة على بعض الجينات المحتملة، إضافة إلى الدوائر العصبية المسؤولة عن هذا النوع من السلوك الاجتماعي حيث يمكنهم من استهداف ورصد جينات محددة لدراستها.

ومن جانب آخر، أظهرت الدراسات السابقة أن أفضل شيء يمكن أن يقوم به المرء هو تحقيق ذاته وتطوير قدراته الشخصية، ليقوم بدوره كأب أو أم على أفضل وجه، فعندما يتعلق الأمر بالأبوة والأمومة، علينا أن ننظر إلى دواخلنا ونحاول معرفة أنفسنا أولا.

وترى الدكتورة ليزا فريستون؛ وهي أستاذة في علم النفس السريري وكاتبة ومديرة الأبحاث في جمعية غليندون الأميركية، أن أطفالنا في الغالب يأخذوننا إلى تلك المناطق السرّية في نفوسنا حيث الماضي وطفولتنا وتجاربنا فيها، وحتى لو تسبب ذلك في استدعاء الماضي إلى دائرة وعينا بكل ما فيه من خوف وتجارب مؤلمة، فإن تجنبنا لمشاعرنا القديمة ومحاولاتنا المستمرة لقطع الصلة مع الماضي قد يهددان الرباط العاطفي الذي يصلنا بأطفالنا ويسيء لمشاعرهم ومعاناتهم، من دون أن نعي ذلك.

ويشدد متخصصون على أهمية ربط معرفتنا لذواتنا مع عواطفنا الموجهة لأبنائنا، فلا يمكننا التخلص من مشاعرنا التي قمعت في مرحلة الطفولة ربما من قبل والدينا، إلا بمواجهتها والتعامل معها بلغة القلب والمشاعر ذاتها، التي تربطنا بأطفالنا، وفي هذه الحالة يمكننا أن نكون آباء أكثر فاعلية في لعب أدوارنا، ويمكننا بعد كل هذا أن نمنح أطفالنا الطمأنينة التي افتقدناها.

21