الصفحة التي طواها علي عبدالله صالح نفسه

الجمعة 2014/02/28

لا يفيد القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن بشأن اليمن في شيء. لا يقدّم ولا يؤخر ما دام لا يعالج الوضع اليمني بالطريقة التي يفترض بالمجتمع الدولي أن يعالج بها مشكلة بلد دخل في المجهول.

صحيح أن القرار لم يشر إلى عقوبات قد تفرض، بالاسم، على الرئيس السابق علي عبدالله صالح. لكنّ الصحيح أيضا أن الرئيس السابق الموجود في صنعاء، بعد أن كان وجوده يشمل اليمن كلّه، صار مجرّد سياسي يمني يسعى إلى العمل في المجال الذي يحسن العمل فيه. هذا المجال هو النشاط السياسي الذي ليس محظورا، إلى إشعار آخر، في اليمن. من حقّ كل مواطن يمني ممارسة النشاط السياسي في اليمن. أين المشكلة في ذلك؟

ثمّة واقع تفرضه التطورات اليمنية. واقع تفرضه خصوصا ضرورة البحث عن صيغة جديدة للبلد تأخذ في الاعتبار أن لا مجال لإعادة الحياة للصيغة التي حكمته وتحكمت به في الفترة الماضية، أكان ذلك منذ تولي علي عبدالله صالح السلطة في 1978 أو بعد الوحدة في العام 1990.. أو بعد فشل حرب الانفصال في صيف العام 1994. ولكن، في نهاية المطاف، المسألة ليست مسألة الدولة الاتحادية والأقاليم الستة. المسألة كيف يمكن إنقاذ اليمن عن طريق إخماد بؤر التوتر في الجنوب والشمال والوسط؟

قبل كلّ شيء، يفترض بأيّ قرار يصدر عن مجلس الأمن أن يأخذ في الاعتبار ما يشهده اليمن من تحوّلات في غاية الخطورة. لا يمكن لأي قرار، كي لا يكون ناقصا، تجاهل ما يدور على أرض اليمن، والتمسّك بتصفية الحسابات مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي حكم البلد بمشاركة آخرين بين 1978 و2011. بكلام أوضح، لا يجوز لقرار يصدر عن مجلس الأمن التركيز على “طي صفحة رئاسة علي عبدالله صالح”. هذه الصفحة طواها علي عبدالله صالح نفسه عندما قرّر قبول المبادرة الخليجية والتخلي طوعا عن السلطة، بعدما تبيّن له أن بقاءه في الرئاسة سيعني مزيدا من الانقسامات ومزيدا من سفك الدماء، إضافة إلى معرفته أنّ لا أفق سياسيا لبقائه في موقعه بعد أن تبددت شبكة التحالفات التي أقامها في البلد، وفي أساسها معادلة «الشيخ والرئيس».

في تبسيط الأسباب التي جعلت اليمن يصل إلى ما وصل إليه، الكثير من تجاهل أن العهد الطويل لعلي عبدالله صالح كان مزيجا من التناقضات. كان مزيجا من الايجابيات والسلبيات التي يمكن تحميل الرجل جزءا لا بأس به منها. لا شكّ أن علي عبدالله صالح يتحمّل مسؤولية أخطاء كبيرة حصلت وأدت إلى ما أدّت اليه، أي إلى يوم صار فيه الصراع داخل أسوار صنعاء.

من يسعى بالفعل إلى طيّ صفحة رئاسة علي عبدالله صالح، يعترف أوّلا بأن المطلوب حاليا التطلع إلى المستقبل بدل البقاء في أسر الماضي. من حق الرجل أن يمارس السياسة من صنعاء التي يقيم فيها. إنه يلعب دور السياسي اليمني الذي يقف على رأس حزب يمتلك قواعد في مختلف أنحاء اليمن. هل من مشكلة في امتلاك علي عبدالله صالح مبالغ ضخمة يصرفها في اليمن؟ من يرى مشكلة في ذلك يتجاهل أنّ آخرين يصرفون أيضا أموالا خدمة لمشاريع سياسية خاصة بهم أو بمن يقفون خلفهم. لماذا لا يوجد من يسأل عن هذه الأموال ومصدرها وفي أي سبيل يجري صرفها؟

مرّة أخرى، هناك أخطاء كبيرة ارتكبها علي عبدالله صالح. وقد دفع ثمن هذه الأخطاء التي من بينها مزاجيته واستخفافه بالآخرين، خصوصا بعد العام 1994، والاستعانة بتافهين في السنوات العشر الأخيرة من حكمه. كذلك، كان هناك تغاض عن تجاوزات لضباط قريبين منه أو من منطقته (سنحان) وقريته ومن شخصيات تنتمي إلى عائلة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رحمه الله، الذي كان طوال حياته، أي حتى آخر العام 2007، شريكا أساسيا في السلطة وغير السلطة. هذا جزء من الماضي. ما يمكن أن يمثّل المستقبل هو الواقع الذي لا مفرّ من التعاطي معه.

قد يكون السؤال الأوّل المطروح هنا؛ هل الرئيس الحالي عبد ربه منصور، وهو رئيس مؤقت لا يزال شرعيا بعد انقضاء مهلة السنتين على وجوده في السلطة؟

لنفترض أنّ هناك تبريرات قانونية وأخرى عملية لتمديد ولاية السنتين. ومن بين هذه التبريرات الحاجة إلى الانتهاء من صياغة دستور جديد وإقراره في استفتاء شعبي، وهذا يحتاج إلى وقت، أي إلى ما يزيد على سنة. ولكن ماذا عن صيغة الأقاليم الستة؟ هل يقبل الحوثيون الذين يسيطرون على جزء من اليمن بهذه الصيغة التي تحرمهم من منفذ بحري ومن ثروات محافظة الجوف وحدودها مع السعودية؟ هل يقبل الذين يدعون إلى الانفصال أن يكون الجنوب إقليمين وليس إقليما واحدا؟ ماذا عن الوسط الشافعي الذي تسلل اليه الحوثيون، والذي يطمح إلى أن يكون ميناء عدن جزءا منه؟ وما مستقبل حضرموت حيث دعوات يومية إلى الاستقلال وإقامة دولة لا علاقة لها بأي شيء يمتُّ إلى اليمن بصلة؟

فوق ذلك كلّه ما مستقبل آل الأحمر، زعماء حاشد إلى ما قبل فترة قصيرة، وتحالفهم مع الإخوان المسلمين والسلفيين في وقت استطاع الحوثيون السيطرة على معظم محافظة عمران والتوقف عند أبواب صنعاء مؤقتا؟ كان لابدّ للقرار الصادر عن مجلس الأمن أن يواكب تطورات الوضع على الأرض، وأن لا يكتفي بالتركيز على أمور لا تعتبر من صلب هذا الوضع وذلك لأسباب شخصية لا أكثر.

مرّة أخرى وأخيرة، هناك أخطاء ارتكبها علي عبدالله صالح الذي حكم اليمن معتمدا على الحلف الذي كان قائما مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، ومع اللواء علي محسن صالح الأحمر، ابن قريته في مديرية سنحان. ما لا يمكن تجاهله أن الرجل كان يعكس صيغة معيّنة يشارك فيها غير طرف. لماذا إلقاء اللوم عليه وحده عند الحديث عن تدهور الوضع في البلد؟

لماذا لا يوجد من يريد أن يتذكّر أن الوحدة اليمنية ساعدت في تجاوز مرحلة معيّنة كانت ستجلب الويلات على أهل الشمال وعلى أهل الجنوب. من دون الوحدة ما كان في الإمكان رسم الحدود مع سلطنة عُمان، ثم مع المملكة العربية السعودية.

من دون الوحدة التي تعثّرت بسبب أخطاء ارتكبها الجميع، من بينها ظلم كبير لحق بالجنوبيين شمل مصادرة أراض لهم وحرمانهم من ثروات أرضهم، كان يمكن للوضع اليمني أن يتدهور أكثر في كلّ قرية ومدينة ومحافظة، وذلك في ظلّ صعود التيارات المتطرفة التي تستفيد من الفقر وانعدام المدارس اللائقة.

لا يمكن إلّا الاعتراف بأن اليمن يحتاج إلى صيغة جديدة. لا يمكن أيضا إلّا الاعتراف بأن صيغة الأقاليم الستة في شكلها الحالي قاصرة عن حلّ مشاكل اليمن. هذا واقع. لا يمكن الهرب منه عن طريق تفادي المعالجة الشاملة للموضوع اليمني، بدل الغرق في تصفية الحسابات مع علي عبدالله صالح. لماذا لا تكون تصفية للحسابات مع غيره أيضا؟

إعلامي لبناني

8