الصفقات منهج في العلاقات الدولية يحوّله ترامب إلى واقع مع إسرائيل

البرهان أدرك أن أقرب نقطة للوصول إلى الهدف هي الخط المستقيم، لم يتحايل أو يناور أو يمضي في دروب ودهاليز خفية، وهو يعلم أن الوقت لن يكون في صالح بلاده التي تضخمت عثراتها.
الأحد 2020/02/09
خطوة ضرورية

حقق لقاء الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في عنتيبي بأوغندا، الاثنين الماضي، الكثير من النتائج السياسية التي أرادها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كعرّاب رئيسي لهذا اللقاء. ولم يجد الاجتماع اعتراضات مؤثرة داخل السودان وخارجه، وعلى العكس فتح المجال لمزيد من الجرأة في التعامل مع إسرائيل، وتخطّي الصدمات التي يحدثها أيّ لقاء مع مسؤول ينتمي إليها، وتغليب الرؤى الواقعية على حساب خطاب المقاومة والممانعة.

كشفت إسرائيل عن جوانب واعدة في اللقاء، واحتفت وسائل الإعلام به، وعددت فوائده المادية والمعنوية. واعتبره البعض نوعا من الدعاية والتضخيم والرغبة في الحصول على مزايا رمزية فقط من وراء الاجتماع، أو ضجة مفتعلة للتغطية على عورات صفقة القرن.

أكدت تفاصيل اللقاء الذي عقده البرهان مساء الأربعاء الماضي مع عدد من الإعلاميين، أن المسألة بعيدة عن تمرير صفقة القرن أو القضية الفلسطينية، وأن الموضوع في قمة الجدية، والرجل ذهب إلى عنتيبي وهو في لياقته السياسية الكاملة، وأعلم عبدالله حمدوك رئيس الحكومة بالزمان والمكان والمضمون النهائي، وحصل على مباركته.

قد يكون البرهان حصر هدفه المعلن في رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، والدفاع عن مصالح بلاده. وهو عنوان عريض تندرج أسفله الكثير من الخطوط والمعاني والدلالات البعيدة. أبرزها أن الرئيس دونالد ترامب عازم على رفع مستوى الاهتمام بالشأن الإسرائيلي، ويميل إلى توظيف الأوراق التي تملكها بلاده ووضعها في خدمة تل أبيب، وينوي تحقيق اختراقات سياسية كبيرة، والإقدام على ما لم تستطع الكثير من الإدارات السابقة القيام به في مجال التطبيع.

يرى أن ثمة لحظة تاريخية مؤاتية للتعامل مع إسرائيل كجزء أصيل في المنطقة، لا يريد تفويتها، أو يتأخر ويتعثر في استثمارها، لأن الأوضاع الحالية مفتوحة على احتمالات عدة، فإما أن تصبح إسرائيل رقما قويا على الساحة السياسية أو تظل جسما غريبا ملفوظا على الدوام، وتهدر الشوط الكبير الذي قطعته لتعزيز دورها في المنطقة.

تشجّع ردود فعل القوى السودانية الإيجابية للخطوة أو المتحفظة قليلا، على المضي في فضاء الربط بين تحقيق المصالح القُطرية للدول وتطوير العلاقات مع إسرائيل. ويكفي مشهد بسيط حدث الجمعة الماضية، في حي العرب بمدينة كسلا السودانية، حيث كاد المصلون يفتكون بإمام مسجد استطرد في الهجوم على لقاء عنتيبي ووجه انتقادات لاذعة للفريق البرهان.

سقوط ورقة المحرمات

الخرطوم لم تخترع التفاهم على أرضية المصالح
واشنطن لم تخلق سياسة من العدم في العلاقات الإقليمية والدولية

تؤكد حالة اللامبالاة النسبية في السودان وغيره من الدول العربية، أن هناك تغيّرا في التعامل مع ملف العلاقات مع إسرائيل، فلم يعد من المحرّمات الثقافية أن تندلع بسببه التظاهرات العارمة، والتي كان بعض الحكام يقومون بتوظيفها سياسيا للتنصل من مطالب ومقاومة ضغوط متعددة من قبل واشنطن، غير أنها عبّرت في أوقات كثيرة عن عمق الفجوة مع إسرائيل، ووجود كوابح شعبية قوية تمنع محاولات تطوير العلاقات معها.

ظهرت معالم هذا الاتجاه مع كل من مصر والأردن، وهما الدولتان اللتان وقّعتا اتفاقيات سلام مباشرة مع إسرائيل، فلم تحقق هذه الخطوة تقدما كبيرا على صعيد التطبيع في المجالات المختلفة، وظلت محصورة في نطاق العلاقات الدبلوماسية التقليدية والاحتفالات الكرنفالية، وكلما حاولت القاهرة أو عمّان التقارب مع إسرائيل وُوجهت كلتاهما بسلاح الرفض والمقاومة.

اختارت الدول العربية التي قررت الاقتراب من إسرائيل طوعيا أو قسريا، قنوات خلفية للتواصل معها، وغالبيتها كانت برعاية أميركية، وحتى اتفاق أوسلو نفسه الذي وقعته القيادة الفلسطينية مع إسرائيل تم الإعداد له سريا تفاديا لكثير من المعوقات الشعبية التي لم تتقبل في هذه السنوات فكرة التفاهم مع إسرائيل، فما بالنا بالعلاقات الطبيعية.

سقطت الكثير من الأوراق العربية، وتصاعدت حدة الانقسامات الفلسطينية، واتسع نطاق المستوطنات في الأراضي المحتلة، وحدثت تحوّلات كبيرة في المنطقة، وزادت الصراعات والنزاعات، وتبدل الموقف من الأعداء الحقيقيين والمحتملين. وكلها مكونات أرخت بظلال سلبية على القضية الفلسطينية، ورفع “الفيتو” وتغيير المزاج العام من إسرائيل، للدرجة التي أصبحت هناك تهديدات وقواسم مشتركة معها في بعض القضايا الإقليمية.

رفع لقاء البرهان – نتنياهو الكثير من الحُجب السياسية، لأنه تضمّن حوارا موسّعا حول عدد من القضايا التي يمكن التعاون والتنسيق بشأنها. فاللقاء قد يؤرّخ مستقبلا لمرحلة تصبح فيها إسرائيل لاعبا طبيعيا في المنطقة، إذا تم التعامل بجدية مع المسار الأميركي الذي يتبنى خطابا براغماتيا، ولفظ الخطاب الديماغوجي الذي لم يجن منه العرب سوى المزيد من الخسائر.

يعكس إعلان الرئيس ترامب عن صفقة القرن الأميركية وتحديد محاورها دون مشاورات مع السلطة الفلسطينية، أحد أهم ملامح التحولات الكبيرة، فقد كانت مقاربات الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الذين اقتربوا من عملية السلام في الشرق الأوسط، تعتمد على مناقشة التفاصيل الدقيقة، والتعامل مع الأمر الواقع بمرونة شديدة، وصل أحيانا حد استجداء الفلسطينيين للجلوس على طاولة واحدة مع الطرف الإسرائيلي.

في قلب الأحداث

إعلان الرئيس ترامب عن صفقة القرن الأميركية وتحديد محاورها دون مشاورات مع السلطة الفلسطينية، يعكسان أهم ملامح التحولات الكبيرة في سياسة واشنطن
إعلان الرئيس ترامب عن صفقة القرن الأميركية وتحديد محاورها دون مشاورات مع السلطة الفلسطينية، يعكسان أهم ملامح التحولات الكبيرة في سياسة واشنطن

تم الوصول إلى هذا المربع، بل وتجاوزه بخطوات، وباتت واشنطن تستفيد من حجم الضعف في الجسم العربي، والأدوات التي تملكها لممارسة ضغوط متنوّعة تفرض وضع إسرائيل على الكثير من الطاولات الإقليمية. وفي ظل التوترات المنتشرة سوف تأتي لحظة حاسمة للمواجهة والتسوية، سيكون من الصعوبة استبعاد إسرائيل منها. فهي حاضرة في قلب التطورات الفلسطينية والسورية واللبنانية والإيرانية، ناهيك عن الأفريقية.

لم يتأخر السودان كثيرا، وفهم مبكّرا أدبيات التفاعلات الجديدة، ولم ينسق وراء شعارات يمكن أن تضاعف الخسائر. في وقت لم تعد فيه البلاد تتحمل الكثير من التدهور، وقرر اختصار الكثير من المسافات بخطوة واحدة، يأمل أن تحلّ جانبا كبيرا من الأزمات المتراكمة، باعتبار أن الولايات المتحدة وإسرائيل لديهما الكثير من مفاتيح الحل والعقد في المشكلات الإقليمية.

يفضي القياس على الأزمة السودانية إلى التدقيق في أزمات عربية أخرى لا تقل سيولة، وتبدو فيها الولايات المتحدة عنصرا مفصليا، وربما تتكشّف الكثير من المفاجآت فيها قريبا. مفاجآت تكرر السردية الحاصلة مع السودان، وهي الحل مقابل التطبيع. فكم من المشكلات التي يمكن تذويبها على هذه القاعدة.

أدرك البرهان أن أقرب نقطة للوصول إلى الهدف هي الخط المستقيم. لم يتحايل أو يناور أو يمضي في دروب ودهاليز خفية أو يضيع جهده في المهاترات، ويعلم أن الوقت لن يكون في صالح بلاده التي تضخمت عثراتها. وعرف أن هناك ثمنا سيدفعه لرفع اسم السودان من اللائحة الأميركية، وتيقن أن مستقبل السودان مشروط بفتح الخطوط الساخنة مع إسرائيل.

لم تخترع الخرطوم التفاهم على أرضية المصالح. ولم تخلق واشنطن سياسة من العدم في العلاقات الإقليمية والدولية. فكل ما يتم من تفاعل على مستويات متباينة يندرج في إطار تعظيم لغة المصالح. فلا أحد يمنح أو يمنع مجانا، ولا بد أن تكون لديه قائمة بحسابات مكاسب أو درء خسائر، أو بمعنى أدق تقدم الإدارة بالصفقات على غيرها من المواءمات.

أخذ نطاق هذا التوجه في التوسع مع قدوم الرئيس ترامب الذي أخرجه من المواربة والسرية إلى الصراحة والعلنية، وحوّله إلى واقع. وتمادى الرجل في الاعتماد على هذا المنهج. وهناك الكثير من التطورات التي تؤكد أن هذا الطريق أضحى عنصرا حيويا في التقديرات الأميركية مع القضايا الإقليمية، ويحقق النتائج التي تتسق مع أغراض الولايات المتحدة الراهنة.

تعتقد واشنطن أن الصفقات هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم كطريقة للتسويات الناجزة، والإيحاء بأن عصر الأيديولوجيات انتهى بلا رجعة. ويريد ترامب أن يترك بصماته على النظام الدولي، ومنع استنهاض همم روسيا أو الصين، وتحريض الدول الغربية على التمسك بهذا المنهج الذي يمثل وسيلة لردع خصوم لا زالت لديهم قناعات في العدالة وتطبيق القوانين الدولية، ويساورهم أمل في أن تكون مرجعيات وحيدة في علاقات القوى الكبرى.

يتجاهل هذا النوع من البصمات “الترامبية” الكثير من المعطيات، فقد يفتح الطريق أمام نموّ أدوار الكيانات الصغيرة، من تنظيمات مسلحة وميليشيات ومرتزقة وشركات الأمن المقاتلة على الجبهات. وهي بالفعل بدأت تجد لنفسها موطئ قدم في الكثير من الساحات المليئة بالصراعات. بالتالي لن تستطيع الأمم المتحدة أو أيّ من المنظمات الإقليمية التعامل معها دون دفع مقابل معين، والدخول في تسويات تجني من ورائها أرباحا هائلة. لذلك يمكن أن تؤدي واقعية ترامب وصفقاته إلى الكثير من الأزمات بدلا من حل شفراتها.

4