الصفقة الإيرانية السعودية ضرورية لفض الحرب في العراق وسوريا

الخميس 2014/07/17

عادة ما يتكلم باتريك كوكبيرن بمنطق سليم بخصوص قضايا الشرق الأوسط ناهيك أنه صحفي مناضل له تجربة في تعقيدات المنطقة. بيد أن مقالته الأخيرة التي نشرت في "دورية أونز" ("وهي عبارة عن مجموعة من مقالات الرأي المهمة والمثيرة للجدل تم إقصاؤها بشكل واسع من وسائل الإعلام السائدة في الولايات المتحدة") تنأى كثيرا عن الخط المعتاد.

المقالة حملت عنوان "كيف ساعدت السعودية داعش في الاستيلاء على شمال العراق"، وهو مزيج من الحقائق التي تصب في نظرية المؤامرة، وأنصاف الحقائق، والتضليل الواضح (جله مأخوذ من خطاب للسير ريشاردديرلوف، الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية ‘أم-أي-6′).

في هذا المقال يقول الكاتب إن المملكة العربية السعودية في إطار حماسها للتصدي للشيعة في مختلف أنحاء العالم “لعبت دورا محوريا في استيلاء تنظيم داعش على مناطق من العراق”.

(داعش هي طبعا الدولة الاسلامية في العراق والشام، وأصبحت الآن تسمي نفسها بتفاخر زائف ‘خلافة’ وغيرت اسمها ليصبح “الدولة الاسلامية”، في إشارة إلى عزمها على حكم العالم الإسلامي).

في هذه الحالة، ورغم اعتقاد ‘دورية أونز′ أنها تنشر معلومات “تم إقصاؤها من وسائل الإعلام الأميركية السائدة”، ربما يكمن سرّ إقصاء أطروحة كوكبيرن في أنها خاطئة بالكامل.

إن الأزمة التي خلقتها داعش في العراق، بالتوازي مع الأزمة في سوريا، تمثل فعلا تحديا جديا وبشعا للوضع الراهن في الشرق الأوسط، لكن هناك مبالغة في دق نواقيس الخطر في ردة الفعل على الأزمة بما في ذلك تصريح أريك هولدر، النائب العام الأميركي، مؤخرا الذي أعلن من خلاله، أنّ التهديد المتأتي من داعش “مثير للمخاوف أكثر من أي شيء أتصور أني رأيته في حياتي بصفتي نائبا عامّا”.

ليس هناك من شك في أن داعش لاعب سيء، لكن إمكانية استيلاء داعش على بغداد أو دمشق أو حتى تهديدهما بجدية هي إمكانية منعدمة. ثم إن القبائل السنية والبعثيين وحركة الصحوة سابقا في العراق ستسحق داعش في نهاية المطاف، وفي الوقت نفسه تقوم قوات بشار الأسد بسحقها في سوريا. وعلى عكس وجهة نظر الصحفي كوكبيرن، يعتقد أغلب المحللين أن المملكة العربية السعودية منزعجة من داعش، وليست داعمة لها.

إن أسهل طريقة لفض الحرب الأهلية في العراق وسوريا تتمثل في عقد اتفاق بين المملكة العربية السعودية وإيران، فعلى الرغم من أن السعودية تدعم الجانب السني في حرب إقليمية موسعة بالوكالة في العراق وسوريا ولبنان والخليج وفي جنوب آسيا، بينما تدعم إيران الجانب الشيعي، لا تتسامح أية جهة مع القاعدة أو داعش. إنّ الرياض قلقة شأنها شأن طهران من صعود داعش، ومن ثم هناك أرضية مشتركة للبلدين لكي يحققا انفراجا ويحاولا إيجاد حل للحرب الأهلية القائمة.

لو كانت السعودية ملتزمة بحرب شاملة ضد الشيعة، مثلما يقول كل من كوكبيرنوديرلوف، لساندت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بما أنّ الجماعة تقف موقف العدو اللدود للشيعة وتدعم الثورة في سوريا. بدل ذلك اختار السعوديون العمل مع الجيش المصري لسحق الإخوان، وفي حين حافظت السعودية، ومازالت تحافظ، على روابط وثيقة مع المليشيات العشائرية السنية في العراق، كما ساندت الصحوة السنية بداية من سنة 2006، من المؤكد أنها لا تدعم داعش لا في العراق ولا في سوريا حيث يقوم السعوديون بمساندة القوى الأقل راديكالية التي تحارب حكومة الأسد.

وإذا كانت محاربة داعش تحظى بالأولوية الآن على السعودية أن تخفف دعمها للقوى المعادية للأسد مما يمكن الجيش السوري من الانتشار في شمال وشرق البلاد معقل قوات داعش. (وعلى الولايات المتحدة أن تفعل نفس الشيء عوضا عن مساندة المتمردين ‘المعتدلين’ في سوريا).

يستند كوكبيرن في جزء كبير من تحليله على تعليق ديرلوف رئيس المخابرات البريطانية السابق الذي يفيد بأنه سمع ذات مرة الأمير بندر بن سلطان يقول “لم يعد الزمن بعيدا في الشرق الأوسط عندما يؤول الأمر حرفيا إلى.. ‘الله في عون الشيعة’.

إنّ أكثر من مليار سني ببساطة لم يعودوا يطيقونهم”. بيد أن تلك الجمل قيلت قبل سنوات عديدة، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويضيف كوكبيرن “يقول ديرلو إنه لا يملك معلومات من الداخل منذ تقاعد من منصب رئيس أم.أي- 16 قبل عشر سنوات”.

ورغم تعليقات هولدر، هناك بشائر اعتماد واشنطن لمقاربة أكثر عقلانية لأزمة داعش، ويبدو أن ردة الفعل المبدئية من باراك أوباما حيث تضمنت تلميحات بامكانية قيام الولايات المتحدة بضربات جوية في العراق أصابها الفتور. كما يبدو أن البيت الأبيض يستمع إلى نصائح الجيش الأميركي والمخابرات، حيث بدأ بإرسال مستشارين إلى بغداد ثم عددا من الجنود لحماية المطار، ثم المزيد من الجنود لحماية طريق المطار.

وحسب تقرير سري تسرب إلى صحيفة “نيويورك تايمز″، يقول الجيش إن القوات المسلحة العراقية والجهاز الأمني تتم إدارتهما بشكل سيء جدّا وهما مخترقان من رجال يتبعون المليشيات الشيعية الموالية لإيران وجواسيس تابعين لداعش إلى درجة لم تُبق معها مجالا كبيرا للتدخل الأميركي. فضلا عن ذلك لا يبدو أنّ المأزق السياسي العراقي يشرف على النهاية في أي وقت قريب، مما يعني أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تقف في صف رئيس الوزراء نوري المالكي المنتهج لسياسة الطائفية الشيعية في حرب ضد السنة في العراق.

إلى حد الآن ساند الكثير من السنة العراقيين (الذين نفروا من حكم المالكي الطائفي) هجوم داعش في الوقت الذي ينظرون إلى تطرفهم المشابه لطالبان بامتعاض شديد. وفي بعض الأنحاء من العراق تجلس الجالية السنية بأكملها – من العشائر والبعثيين والاسلاميين السنة بكل أنواعهم – في مجالس على الطراز السوفيتي جنبا إلى جنب مع داعش، لكن لا يعني ذلك أن المجموعات من خارج داعش مكترثة بمعتقدات داعش الظلامية وفرضها القاسي للشريعة حسب وجهة نظرهم. إن عقدت صفقة يتم بموجبها التخلص من المالكي، أو قرر هو ذاته فتح حكومته للأطياف والقوى السياسية الأخرى، سينقلب السنة على داعش. لكن ذلك ربما يبقى رهين اتفاق يبرم بين المملكة العربية السعودية وإيران.

محرر مساهم في مجلة ذي نايشن مختص في السياسة والأمن الوطني

6