الصفقة المحرمة بين مصر والسودان

الاثنين 2015/11/02

كلما جاء ذكر مثلث حلايب وشلاتين في السودان، ضمن أي سياق سياسي، انتفضت مصر وأشهرت كل الوسائل والوثائق، الاجتماعية والأمنية والجغرافية والقانونية، التي تثبت حقوقها التاريخية، وكلما اتخذت القاهرة خطوة في اتجاه تطوير الحياة لسكان هذا المثلث، أبدت الخرطوم امتعاضها، وآخر التجليات في هذا الفضاء إجراء الانتخابات البرلمانية المصرية هناك، وتخصيص مقعد لسكان المنطقة لأول مرة.

المثير أنه رغم انخفاض مشاركة المصريين في الانتخابات البرلمانية، إلا أن دائرة حلايب وشلاتين شهدت أعلى نسبة مشاركة، وصلت إلى نحو 90 بالمئة، وهو ما ينطوي على دلالات سياسية بليغة ليست خافية على المتابعين، فهي تعني استفتاء ضمنيا على هويّة سكان المنطقة التي اختارت الانحياز لمصر.

بصرف النظر عن الأدلة التي تقدمها كل من مصر والسودان، وتؤكد الأحقية في المنطقة المتنازع عليها، فإن مصر تبنت تصرفا عمليا لإثبات هذا الحق، إلى جوانب المواثيق التاريخية، حيث اتخذت خلال السنوات الماضية سلسلة من الخطوات العملية، لتغيير البنية الديموغرافية (الجغرافيا السياسية)، وأصلحت البنية التحتية ومدت المنطقة بكثير من وسائل الحياة العصرية. وقد تسارعت خطوات مصر لتغيير الصورة واقعيا، لتعزيز رؤيتها القانونية، بعد تسرب معلومات قالت إن الرئيس الإخواني محمد مرسي تنازل عن المثلث للرئيس السوداني عمر البشير، خلال إحدى زياراته للخرطوم، إبان الفترة التي كان رئيسا فيها لمصر، ولم تتجاوز العام.

في ظل التهدئة السائدة بين القاهرة والخرطوم، رأى الطرفان تنحية الخلاف حول مثلث حلايب جانبا وتحاشي الوقوف عند تعقيداته، لضمان عدم تعكير الصفو الظاهر في العلاقات المشتركة، والذي جعل مصر تتجاوز هفوات كثيرة ارتكبها النظام السوداني، من نوعية غض الطرف عن أمن الحدود. وهو ما تسبب في تسرب كميات كبيرة من الأسلحة والإرهابيين إلى الأراضي المصرية، وتدخل الخرطوم مباشرة في مد حركات متطرفة ليبية بالأسلحة والذخيرة، بشكل ساهم في تأجيج الصراع، لصالح المتشددين المحسوبين على جماعة الإخوان، ناهيك عن السيولة التي اتسم بها موقف الخرطوم من سد النهضة الأثيوبي، وكلها قابلتها القاهرة بقدر كبير من ضبط النفس، وحاولت تغيير الموقف السوداني الغامض، عبر طرق دبلوماسية متعددة.

الأيام الماضية حملت مفاجأتين من الجنوب لمصر، لا تتناسبان مع الهدوء الذي تتسم به العلاقات بين البلدين، الذي مكن كليهما من تجاوز كثير من المطبات السياسية.

الأولى تواتر معلومات قالت إن الرئيس عمر البشير طلب من السعودية، الوساطة بين بلاده ومصر لتسوية أزمة مثلث حلايب، والثانية تصريح عبدالمحمود عبدالحليم سفير السودان بالقاهرة، بأن بلاده على استعداد للتوسط بين القاهرة وأديس أبابا لحل أزمة سد النهضة، مقابل تنازل مصر عن المثلث للسودان، ومنحت تصريحات السفير قوة، عندما أمن عليها رئيسه عمر البشير.

في الحالتين التزمت القاهرة الصمت، ولم تعلق سلبا أو إيجابا عن الصفقة التي تصفها دوائر مصرية كثيرة بـ”المحرمة”، لأن هناك تشبثا بمصرية المثلث، وعدم التفريط فيه، خاصة أن حزمة كبيرة من الوثائق تثبت أحقية مصر به، ولم يجرؤ حاكم مجرد التلويح بسودانية المنطقة، والمرة الوحيدة التي حدث فيها ذلك كانت في عهد الرئيس الإخواني، ووصفت بأنها “خيانة أو خطيئة وطنية”، اضطر معها محمد مرسي وإخوانه إلى إنكار التفوه بالتنازل عنها.

كما أن ملف سد النهضة، الذي تخوض بسببه مصر معركة سياسية شرسة مع أثيوبيا، هناك إدراك لدى القاهرة بأن الخرطوم تقف إلى جوار أديس أبابا، ظهرت ملامحه خلال المحادثات التي جرت بين الأطراف الثلاثة على مدار العامين الماضيين، فلدى السودان قناعة بأن هناك فوائد يمكن أن يجنيها من ورائه، تتعلق باستقبال فائض الكهرباء منه، وتقليل كميات الطمي الواردة إلى السودان، فضلا عن العلاقات السياسية الجيدة التي تربط النظام الحاكم في البلدين.

الصفقة المعروضة، تأتي حرمتها أيضا من عدم قدرة النظام السوداني على ممارسة ضغوط على نظيره الأثيوبي، بحيث يجبر الأخير على تعويم موقف السابق، المتمسك بضرورة استكمال بناء سد النهضة، لأن أديس أبابا تتعامل مع السد باعتباره مشروعا استراتيجيا، وقامت بسلسلة من المساومات مع مصر، حتى نجحت تقريبا في جعله أمرا واقعا، وأجبرت القاهرة على التعامل معه وفقا لهذه الصيغة، لأن المحادثات المتقطعة مستمرة، والبناء الذي أنجز منه حوالي 50 بالمئة حتى الآن يتواصل، بالتالي لا توجد وسيلة يملكها السودان لتغيير رؤية أثيوبيا، فلماذا تتنازل مصر للسودان على مثلث حلايب؟

الإجابة واضحة، لأن السودان قدم صفقته المحرمة من وجهة النظر المصرية، وهو واقع تحت مجموعة من الضغوط الداخلية، جعلته يتطلع إلى فضاءات خارجية، لإزاحة الغمة السياسية التي أدخلته دوامة أكبر من الارتباك. فالحوار الوطني الذي دعا إليه البشير منذ حوالي عامين، ودشنه مبتورا قبل أسبوعين وسط مقاطعة أغلبية الأحزاب القوية، ذهب مع الرياح العاتية التي هبّت من جانب قوى سياسية سودانية مختلفة، وأصبح البشير بين فكي رحى أزمات محلية عصية على الحل، وبين تصاعد الضغوط التي تمارسها قوى سودانية، سياسية ومسلحة.

لذلك لم يجد النظام السوداني أمامه مخرجا، سوى فتح كوة في إحدى الحوائط الخارجية، ولم يجد أفضل من حلايب وشلاتين، يطفئ بها النيران التي تلاحقه ومحاولة افتعال أزمة مع مصر، التي يدرك أنها أصبحت أكثر صبرا من ذي قبل، ولم تعد لديها رفاهية الانجرار وراء معارك كلامية.

وقد يكون الرئيس البشير كسب نقطة في هذه المباراة، لكن من المؤكد أنه خسر نقاط عدة بسببها، حيث أثبت صعوبة الرهان على وثوق مصر في تصوراته وتصرفاته، وأكد قناعات قطاع كبير من السودانيين أنه مدمن لطريقة الهروب من مواجهة الاستحقاقات المحلية.

كاتب مصري

8