الصفوية نموذج للعربدة السياسية والمذهبية

العداء الصفوي للمذهب السني قديم في إيران، ووصل إلى حالات من التطرف، تجاوزت التفرقة المذهبية والتهجم على الخلفاء الراشدين، نحو استباحة مناطق سنية وإصدار الفتاوى في إلغاء فريضة الحج واستبدالها بزيارة قبور لأسماء يقدسونها.
الجمعة 2016/12/02

دبي – بنت الأسرة الصفوية أمجادها علی أكتاف أتباع المذاهب الصوفية، شيعية منها كانت أو سنية، ولكن سرعان ما ظهرت خلافات بين الحكام الصفويين والمنتمين إلی الفرق الصوفية.

وكان من آثار ذلك الفتك بكثير منهم، وإن كانوا من الشيعة، فالمُلك عقيم ولا يرحم أتباع الديانة الواحدة أو حتى أفراد الأسرة الواحدة.

ويقول الباحث علي الشَّيخ في دراسته التي حملت عنوان “الدولة الصفوية معاملة أتباع الأديان والمذاهب الأخرى”، إن الملفت في الأمر هو أن ما جری علی الفرق الصوفية كثيرا ما كان بطلب ودعم من الفقهاء، والذين كانوا يعتبرون التصوف منافسا تاريخيا لهم، ويجب حذف الصوفيين من الخارطة تمهيدا لبسط سيطرة الفقهاء علی الأمور؛ وهكذا بسط الفقهاء أياديهم علی مقاليد الحكم كافة في المنتصف الثاني من العهد الصفوي. وقام الشاه عباس بحركة إبادة ضد المتصوفة بسبب رأي فقهاء البلاط الصفوي الذي صنفهم بأنهم من الفرق المنحرفة والضالة، خصوصا بعد ما عرف أنهم يخبئون بعض الدسائس ضده. ولعلّ أهم نموذج علی ذلك هو ما حدث لجماعة النقطويين.

ويؤكد الشيخ في بحثه الذي تضمنه كتاب “الصفوية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث في دبي، بأن الصفويين يؤكدون كثيرا علی لعن الخلفاء علنا وجميع مَنْ يعتقدون أنهم أعداء الإمام علي بن أبي طالب، وكان أتباع الصفوية المتشددون يعرفون بجماعة «التبرائيون»، والمقصود منه أنهم يؤكدون علی البراءة من أعداء أهل البيت، فكان هؤلاء يمشون في الأسواق والأزقة ويسبون الخلفاء الراشدين الثلاثة، وأحيانا كانوا يسبون أهل السنة جمعاء، وكان يجب علی من يستمع اللعن أن يجيب بصوت عال «اللهم أكثر ولا تقل»، وإذا لم يجب السامع بالعبارة المذكورة فإنه من المحتمل أن يقتل علی أيدي الجماعة المذكورة.

كانت الخلافة العثمانية تعتبر نفسها حامية للمذهب السني في العالم الإسلامي حين ظهرت الدولة الصفوية، وقد أدى هذا العداء المذهبي بين العثمانيين والصفويين إلى حدوث نزاع مسلح متواصل بينهما، وكان لهذه المعارك المستمرة أثر بالغ في زيادة الخصام المذهبي بينهما، وفي زيادة تعصب سلاطين الصفوية للمذهب الشيعي، وعدائهم للمذهب السني.

لقد وصل العداء إلى درجة أن الشاه عباس حاول إقناع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مشهد، وذلك لأن الواجب القومي يحتم عدم سفر الإيرانيين إلى مكة عبر أراضي الدولة العثمانية، حتى لا يدفعوا رسم عبور لهذه الدولة المعادية.

الخلافة العثمانية كانت تعتبر نفسها حامية للمذهب السني في العالم الإسلامي حين ظهرت الدولة الصفوية، وقد أدى هذا العداء المذهبي بين العثمانيين والصفويين إلى حدوث نزاع مسلح متواصل بينهما

ولكي يرغبهم الشاه عباس في التوجه إلى مشهد، كان يكثر من التردد عليها وزيارة قبر الإمام الثامن بها. ومن مظاهر تعامل الصفويين مع أهل السنة أيضا، ما فعله الشاه مع سكان قعلة «أندخود» بما وراء النهر، وكان قد فتح هذه القلعة عام 1011هـ، وأمن أهلها من السنة على حياتهم وممتلكاتهم، وطمأنهم بأنه لن يتعرض لهم بسوء بسبب اعتناقهم المذهب السني، ولكن حدث في عام 1012هـ، وهو عائد من محاصرة مدينة بلخ أن مر بقلعة أندخود هذه، وفجأة، وبلا سبب واضح، أمر جنوده بالإغارة عليها وأسر جميع أكابرها وأعيانها وشخصياتها البارزة، وأن يسوق كل جندي صفوي أمامه أسيرا من أهل هذه القلعة حتى يصلوا إلى منطقة أصفهان.

ظهرت في تلك الفترة عدة دعوات وثورات دينية بسبب البيئة المتحمسة دينيا، ولم تنحصر هذه الثورات على غير الشيعة، بل شملت فرقا شيعية أيضا. وكان الحكام الصفويون متشددين جدا تجاه تلك الدعوات، ويتعاملون معها بعنف وقسوة خصوصا إذا كانت تلك الدعوات تتطلع نحو السلطة السياسية.

ومن هذه المحاولات، ظهور رجل يدعی سيد محمد في جيلان، ادعی أنه نائب الإمام المنتظر، وبعد أن نجح في استقطاب عدد كبير من المريدين، ادعی أنه هو المهدي المنتظر بعينه، فالتف حوله معظم أهالي جيلان.

حدثت أيضا ثورات دينية أخرى، ومن أهمها ثورة الإيزيديين (ديانة قديمة تتركز حاليا في شمال العراق) ضد السلطان الصفوي بقيادة رجل يدعي شير صارم في ابتداء أمر الصفوية، فذهب إليه السلطان إسماعيل في منطقة «سورلوك» فقتل عددا من المتمردين وغلب علی أمرهم واستتب الأمر لصالح السلطان الصفوي. كما ينبغي التذكير بأن حركة النقطويين، كانت أيضا نموذجا آخر من هذه الدعوات والثورات التي هزمت أخيرا.

13