الصقارة: من مصدر غذائي بدوي إلى تراث إنساني عالمي

الاثنين 2013/09/16
مهرجانات الصقارة بدول الخليج تلقى إقبالا متناميا

ابوظبي- يسجل كاتب عراقي أن الصقور التي أعجب بها الإنسان منذ عصور سحيقة ويشكل صيدها رياضة من تقاليد صحراء الجزيرة العربية عرفت في مصر القديمة والصين في وقت متقارب قبل حوالي 4000 عام.

ويقول محمد رجب السامرائي إن الحضارات القديمة وثقت إعجاب الإنسان بالصقور وإدراكه قوة هذا الطائر وشجاعته فصنع لها تماثيلا ونقوشا وأن الصينيين "عرفوا الصقور قبل حوالي 2000 سنة قبل الميلاد.. وعرف المصريون القدماء الصقر بنفس التاريخ الذي عرفه أهل الصين تقريبا."

وتسجل جدران معبد إدفو في جنوب مصر -الذي شيده بطليموس الثالث عام 237 قبل الميلاد "للإله حورس"- الحرب التي خاضها حورس مع عمه الشرير ست لإعادة الحق والعدل إلى البلاد. وحورس هو ابن إيزيس وأوزيريس في الأسطورة المصرية القديمة ويتخذ حورس هيئة الصقر.

ويقول السامرائي في كتابه (صيد الصقور في الحضارة العربية) إن الصقور كانت لها "منزلة مقدسة تضاهي منزلة الإله" ففي جزيرة بورنيو في الشرق الأقصى كان "يعتقد أن الصقر هو رسول من الله.. ويطلب الناس منه المعونة قبل الدخول في الحروب" وكانوا يصنعون له تماثيل لطرد الأرواح الشريرة، أما في أميركا الجنوبية فكانوا يصنعون سهامهم من عظام الصقر اعتقادا منهم بسرعة وصولها صوب الهدف.

ويضيف أن أقدم مرجع تناول الصيد بالصقور هو كتاب ياباني سجل رحلة صيد في إقليم هومان بالصين واشترك فيها ملك الإقليم الذي تولى الحكم عام 689 قبل الميلاد ويرجح أن رياضة الصيد بالصقور في الشرق الأقصى من الرياضات القديمة. أما في العراق فاكتشف في جدار شمالي مدينة الموصل نحت بارز لصياد يحمل على يده صقرا في رحلة صيد ويرجع الأثر لعهد الملك الآشوري سرغون الثاني الذي تولى الحكم بين عامي 705 و 722 قبل الميلاد.

ويضيف أن أهل الصين برعوا في هذا الأمر "لدرجة أنهم استطاعوا توجيه الأوامر للصقور أثناء تحليقها في الجو" وأن هذه الرياضة انتقلت من الصين إلى الهند ثم إلى الشرق الأوسط ثم إلى أوروبا.

والكتاب الذي يقع في 119 صفحة كبيرة القطع يوزع هدية مع مجلة (تراث الإماراتية) الشهرية التي تستهدف بسلسلة (كتاب تراث) الخروج بكل ما يتعلق بالتراث العربي من حيز التخصص الأكاديمي والثقافي إلى عموم القراء، أما الكاتب فصدرت له مؤلفات منها (علم الفلك عند العرب) و(الإبل ذاكرة الصحراء) و(رمضان والعيد.. عادات وتقاليد) و(أبو حيان التوحيدي إنسانا وأديبا).

الصقور كانت لها "منزلة تضاهي منزلة الإله" ففي جزيرة بورنيو في الشرق الأقصى كان "يعتقد أن الصقر رسول من الله.. يطلب الناس منه المعونة في الحروب".

ويقول السامرائي إن العرب القدامي -أهل الجزيرة والخليج من القبائل الرحل- لم يتركوا أثرا لنقش أو رسم أو كتابة عن الصقور ولكنهم عرفوا صيد الصقور والصيد بها قبل الإسلام ومن الذين اشتهروا بصيد الصقور حمزة بن عبد المطلب -عم النبي محمد- والذي كان "صاحب قنص".

ويضيف أن الإسلام أرسى "آداب الصيد" ومنها عدم تعذيب الطريدة، وفي دمشق مارس الخلفاء الأمويون الصيد من باب الترف أما في بغداد فأحب الخلفاء العباسيون الصيد الذي كان من أبرز الرياضات حتى إن "أبا العباس قضى جل وقته في الصيد منذ كان صغيرا ويافعا إلى كهولته وهو خليفة لأنه كان شديد الولع بالضواري مع أخيه الخليفة أبو جعفر المنصور" الذي أسس مدينة بغداد.

ويصل المؤلف إلى اللحظة الحاضرة التي يمثل فيها صيد الصقور هواية محببة في تونس والعراق والجزيرة العربية؛ فيقول إن صيد الصقور يحظى بمكانة كبيرة في دولة الإمارات التي أصبحت "أول دولة في العالم تسجل الصقارة كتراث عالمي" في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) كما بلغت بالإمارات "العناية بالصقور إلى حد إصدار جواز سفر لكل صقر" وإنشاء مستشفيات خاصة لعلاج الصقور وتنظيم معارض ومسابقات دولية للصقور وهواتها.

وكانت الإمارات تقدمت في عام 2009 بطلب الإدراج بتفويض من 14 دولة مهتمة بفنون وتقاليد الصقارة في قائمة التراث الإنساني غير المادي لمنظمة اليونسكو، وتمت الموافقة في نوفمبر 2010، وقد احتفت إمارة أبوظبي بتسجيل اليونسكو للصقارة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية بتنظيم المهرجان العالمي الثاني للصقارة بمشاركة 80 دولة، لأن هذا الفن يعد جزءا من التراث العربي ولأنه يلعب دورا هاما في حماية البيئة الصحراوية وتشجيع السياحة الثقافية بمنطقة شبه الجزيرة العربية التي ما تزال تحتفظ بعذريتها الطبيعية البدوية وتجذب السياح والصقارين إليها من مختلف أنحاء العالم.

12