الصقارة هواية ممتعة في ظل التكنولوجيات الحديثة

هل تفسد التكنولوجيا والتطبيقات الحديثة متعة الصيد بالصقور؟ سؤال يجيب عنه من لا يهوى القنص بأن الصقارة تراث قديم وهواية توارثها اللاحقون جيلا بعد جيل، وتوظيف الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات الذكية في هذا الصنف من الصيد يفقد الصيادين لذة القنص التي تُستمدّ من عنائه ومن الصيد الوفير، أما العارفون بهذه الهواية والمغرمون بالصقور والصيد، فيرون أن التكنولوجيا تسهل عملية الصيد وتحمي الصقور من الضياع، كما أنها ترقى بعملية الصيد من كونها مجرّد هواية إلى قطاع السياحة الممتعة.
الاثنين 2016/10/24
تراث بروح معاصرة

العين (الإمارات) - بات منظر سيارات الدفع الرباعي وهي تجوب البوادي مألوفا إيذانا ببدء موسم الصيد بالصقور أو ما يعرف محليا بـ”القنص” بعدما استقطبت هواية الصيد في براري الإمارات الكثير من المواطنين لا سيما الهواة منهم.

وفي هذا الوقت من كل عام يتجول الكثير من هواة القنص في المناطق البرية الشاسعة يحدوهم الأمل في رؤية الغزلان والحيوانات البرية والحبارى والدراج والأرانب التي عادة ما تكون أهدافا رئيسية لصقورهم المدربة بشكل جيد وخاصة “الشاهين” اليافع الذي يمثل بالنسبة إليهم الرفيق الدائم في رحلات الصيد.

والصيد بالصقور عادة قديمة تعود إلى المئات من السنين في الجزيرة العربية، حيث كان نشاطا أساسيا في هذه المنطقة التي عرفت بمساحاتها الشاسعة التي يندر فيها الغذاء، على عكس أوروبا التي أصبح فيها الصيد بالصقور رياضة النبلاء بحلول عام 1600.

وبجوار مدينة العين تقطع صمت الصحراء المطبق صيحات الصقارين على الطيور الجارحة التي تمسك مخالبها القوية بالأيادي المغطاة بالقفازات الواقية للمدربين الذين يهمسون للطائر قبل إزالة الغطاء عن عينيه لكي يتبع الطريدة ثم يهوي على الفريسة في لمح البصر.

ويقول الصقار محمد سالم الكعبي (40 عاما)، “يستطيع الصقارون التعرف على بدء موسم الصيد مع بزوغ نجم سهيل حيث تبدأ عملية التحول التدريجي في المناخ وتتجه درجة الحرارة نحو الانخفاض وتصاحب ذلك تغيرات طبيعية حيث يلاحظ اخضرار النباتات الصحراوية وانخفاض درجة حرارة المياه، وتشرع طلائع الطيور المهاجرة البرية والبحرية في الوصول إلى شواطئ الخليج العربي الدافئة. وتسمى عملية نزوح الطيور إلى هذه المنطقة ‘اللفو’، كما تسمى هجرة الطيور إلى مناطق الإشتاء وعودتها إلى مواطن تكاثرها ‘العبور’”.

ويبين الكعبي أن الاستعداد لموسم الصيد يكون مبكرا من خلال تجهيز الصقور وتدريبها على الصيد عدة أيام خاصة صيد الأرانب البرية أو طائر السمق، بالإضافة إلى تجهيز أدوات الصيد ومنها البرقع والسبوق والدس وجهاز الاتصال اللاسلكي لتتبع الصقر.

"الصقارة" هواية شاهدة على الأصالة

ويتابع “كان الصقارون العرب يصطادون بالصقور التي يأسرونها خلال مرورها بشبه الجزيرة العربية في بداية فصل الشتاء حينما تكون في طريق الهجرة جنوبا، ويستخدمون كل مهارات وفنون الصيد لترويض الصقر البري ليصبح صيادا ماهرا ومرافقا جيدا في غضون أيام، ومع انتهاء موسم الصيد يتم إطلاق الصقور إلى البرية مرة أخرى.

الصيد الرقمي

ذكر الكثير من المغامرين الأوروبيين في مذكراتهم أنهم التقوا بدوا عربا يجوبون الصحراء ومعهم الجمال والخيام وأدوات محدودة، وكانت الصقور هي أثمن الممتلكات التي يعتزون بها، إلا أن المدنية غيرت تلك الصورة تماما؛ إذ صار ممارسو الصيد بالصقور اليوم وفي الرحلات الطويلة يحظون بتوفر المولدات الكهربائية اللازمة لإقامة مخيمات صحراوية مريحة ويركبون أفخر السيارات المكيفة وهم يستعينون بأجهزة لاسلكية خفيفة لتحديد أماكن الطيور التي لم تتلق التدريب الكافي وتنأى بعيدا عن مكان الصيد، كما أن الأجهزة الرقمية اليوم تتيح لهم فرصة تلقي المعلومات عند تجوالهم في البوادي الواسعة من الأقمار الصناعية عبر تقنية “جي بي إس”.

ويقول الكعبي “الصقارة هواية شاهدة على الأصالة بنكهة رقمية حيث استبدلنا ‘التلواح’ التقليدي بالتكنولوجي والرقمي إذ يستعمل جيل الشباب اليوم طائرة شراعية إلكترونية لتدريب الصقر على السرعة والمراوغة، في حين نستعمل بالونا يعمل بغاز الهليوم لتدريب الصقور على الارتفاع وطائرة ‘الفانتوم’ لمساعدة الصقر على الارتفاع مما يجعل الصقر ذا لياقة بدنية طوال الموسم”.

وأصبح تدريب الصقور على هذه المهمة يتم في صحراء الإمارات باستخدام الطائرات دون طيار، عن طريق ربطها بقطعة لحم ليتم بعد ذلك إطلاق الصقر ليطاردها وينقض عليها.

ويستخدم مربي الصقور المقيم في دبي فالكونر بيتر بيرغ طائرات بلا طيار ليُدَرب الصقور مضيفا لمسة عصرية على التقليد العريق في الإمارات الخاص بصيد الصقور.

وكانت الصقور تدرب يدويا وبوسائل بدائية في بلدان الخليج التي تعتبر تربية الصقور فيها من أكثر الهوايات شعبية منذ القدم، لكن التكنولوجيا غيرت اليوم وسائل ممارسة الصقارة عن طريق استخدام الطائرات الموجهة التي تتعقب وتراقب سير تدريب الصقر وتتحكم في سرعة تحليقه والارتفاع الذي يمكن أن يصل إليه.

ويقول بيتر بيرغ الذي يسخّر التكنولوجيا لممارسة رياضة وهواية قديمة لدى الإماراتيين “نحن نستخدم التكنولوجيا سواء أكانت طائرات دون طيار أم طائرات بالأجنحة الثابتة أم غير هذين النوعين، ونستخدم أيضا الطيور الاصطناعية التي أطيّرها عن بعد، فالطيور تصطادها بشكل فعال”.

ولاقت الطائرات دون طيار في السنوات الأخيرة رواجا ملفتا للنظر من قبل الشباب الإماراتي الذي يمارس هواية الصقارة؛ إذ يمتلك كل صقار عددا من الطائرات التي تعينه على مواصلة جهده التدريبي للصقر باحترافية، فيما تحقق هذه الخاصية التدريبية الجدوى المرجوة في تسجيل ارتفاعات قياسية للصقور، لاختراق حاجز أصناف من الطيور ترتفع كثيرا، مثل الكروان والحبارى والحمام الزاجل.

"ايروفيزيون" يتيح فرصة تسجيل الرحلة على جهاز "أيباد" و"أيفون" ومن ثَمَّ إمكانية تدارس هذه المعلومات المسجلة بعد كل رحلة لتطوير مهارات الصقر

تطبيق تتبع الصقور

حول التأكد من عودة الصقر إلى صاحبه خلال وقت الاصطياد، يقول الكعبي “هناك جهاز يستخدم للاستدلال على موقع الصقر عن طريق جهاز ‘رسيفر’ له حزمة ريش تشد إحداها إلى الطير فإذا ضل الطريق يطلق الـ‘رسيفر’ ذبذبات تشير إلى مكان وجوده، ويأتي في شكل بطارية تشدّ إلى الطير لتحديد مكانه على بعد 20 كيلومترا إذا كان الصقر يحلق في السماء، وإذا كان على الأرض يختلف الأمر حسب الأرضية (الجبال والهضاب…) ويتم تحديده على بعد مسافة 16 كيلومترا” .

ويقول الكعبي “أحيانا يجد الناس صقرا تائها، فينتبهون لرقم الهاتف الموجود على الحلقة المعدنية المشدودة إلى ساقه ويتصلون بصاحب الرقم الهاتفي لاستعادة الطائر . ولكن من الواضح أن بعضهم لا يفعل هذا”، مشيرا إلى أن ثمن الصقر “يتراوح بين 8 آلاف و70 ألف درهم”.

ويتابع “على الرغم من تأثيرات العولمة التي أدت إلى اختفاء البعض من الهوايات القديمة والمعاصرة وخصوصا تلك التي ترتبط بالصحراء والبادية بأجوائهما التقليدية، فإن هواية الصيد وتربية الصقور ظلت متماسكة ، بل تدعّمت حتى أصبح البعض من أبناء المنطقة ينظمون لها المسابقات الترفيهية والمزادات التجارية، ويجذبون بذلك الأوروبيين بصفة خاصة والغربيين بصفة عامة وغيرهم من السياح والوافدين الذين يكتسبون معرفة بهذه الهواية، ومنهم من يدون المعلومات في مذكراته الخاصة”.

ونظرا لأهمية رياضة القنص بالصقور وما تحمله من إرث حضاري لدولة الإمارات، فإن العمل على تطويرها أمر هام جدا لمواكبة الطفرة الهائلة التي شهدتها التكنولوجيا وعالمنا الحديث.

وعزمت المهندسة الإماراتية علياء الشامسي على العمل مع شركة “مارشال راديو تلمتري”(أبرز مطوري أجهزة التتبع للصقور والمتخصصة في تطوير أجهزة الإرسال لتحديد المواقع) على تطوير أول تطبيق لتتبع وتدريب الصقور باسم “ايروفيزين” ، حيث لاحظ الطرفان أن أنظمة التتبع المتوفرة كانت غير كافية لتوفير تجربة قنص متكاملة، فهي تعمل على تحديد وجهة الطائر فقط للتمكن من اللحاق به في حال ضياعه، ولا توفر أي معلومات أخرى مثل مسار الطائر وارتفاعه وأدائه وغيرها من التفاصيل التي تتيح للصقار الحصول على تجربة قنص ممتعة وتطوير أداء طيره.

وبدأت علياء بتطوير تطبيق “ايروفيزين” وتزويد “مارشال” بمعلومات دقيقة عن احتياجات صقاري المنطقة، ليتم تعديل أجهزة التتبع بشكل يتناسب مع هذه الاحتياجات، ولذلك أجرت علياء العديد من الاختبارات للتأكد من استجابة الأجهزة المصنعة للمواصفات والمعايير التي تتطلبها هذه الرياضة في الإمارات.

وقد استغرق التطبيق حوالي شهرين فقط من التطوير، وبدأت الموجة الأولى من الاختبارات في يوليو الماضي حيث شارك في الاختبار حوالي 300 صقّار من بريطانيا وأسبانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والإمارات.

وقد ساهم تطبيق “ايروفيزين” في نقل تجربة القنص إلى بُعد جديد، حيث أتاح للصقار إمكانية الاستمتاع بهذه الرياضة دون القلق على طائره، إذ يتمكن من مراقبة مسار الصقر بجميع تفاصيله بالإضافة الى إمكانية قياس سرعة الصقر وارتفاعه وتسجيل وزنه لقياس أدائه بين الرحلة والأخرى.

هذا بالإضافة إلى إمكانية تسجيل الرحلة بالكامل على جهاز “أيباد” و”أيفون”، ومن ثَمَّ إمكانية تدارس هذه المعلومات المسجلة بعد كل رحلة لتطوير مهارات الصقر.

ترويض الصقور للصيد

هواية مكلفة وممتعة

يقول عيد بن محمد الكتبي وهو أحد الصقارين الشباب الذي يمارس هذه الهواية منذ أكثر من 15 عاما، إنه يعلم جيدا أن هوايته هذه مكلفة جدا كما أنها تستغرق أياما عديدة وهو ما يعني الابتعاد كثيرا عن صخب الحياة والعمل، لكنه يؤكد أنه “لا يعرف لذة هذه الهواية العريقة إلا من يمارسها”. وأشار إلى أن التعب الذي يصاحب عملية “القنص” لا يعدو كونه حلقة أخرى في مسلسل الاستمتاع بطريقة صيد الحبارى”، وهنا يلمح إلى أن العملية لا تتعلق بكيفية القنص فحسب وإنما أيضا “بالمكافأة التي نحصل عليها نحن الصقارين عندما نتلذذ بأكل الحبارى بعد صيده”.

ويأمل الكتبي أن يحفل شتاء هذا العام بالصيد الوفير، وبحسب الكتبي فإن الكثير من الصيادين يفضلون موسم الشتاء حيث تقتنص الصقور الحبارى بسهولة، ويشعر بالزهو والمتعة وهو يجوب الصحارى بصحبة رفاق له يمارسون الهواية نفسها.

ويضيف “كانت هذه الرياضة تمارس في الماضي على الأرجل أو على المطايا وكان الصيد متوافرا في مناطق قريبة، أما الآن فقد قل الصيد لذلك نجد أن الصقارين يقطعون مسافات طويلة أو يذهبون إلى الخارج”.

ويتابع “كان أجدادنا في السابق يعبرون الصحراء إلى حدود الدول الأخرى لغرض الصيد بأمن وسلام أما اليوم فإن الأمر يختلف كثيرا”.

وينتقد الكتبي لجوء البعض من الصيادين إلى البندقية للصيد، قائلا إن ذلك يتسبب في انقراض الحياة البرية لا سيما الطيور بمختلف أنواعها والغزلان.

ويتابع “الصيد بالصقور يبقى أكثر رفقا بالبيئة”، مضيفا “ليس لهؤلاء أي تأثير سلبي على البيئة لأنهم يأتون ليس لغرض الصيد بكميات كبيرة بقدر ما يأتون للمتعة والبحث عن النادر من الطيور حيث يسعون إلى تربيته والإكثار منه وإطلاقه من جديد في البوادي”.

20