الصلوات في الشوارع.. جدل بين الحريات الدينية والضوابط القانونية

صلاة تتوخى التوظيف السياسي وتستخدم رمزية شارع بورقيبة في تونس، والحريات الفردية قلعة علمانية يحاصرها الإسلاميون.
الأربعاء 2018/08/08
توظيف سياسي للدين

أفادت وزارة الداخلية التونسية في بيان لها على موقعها الرسمي، السبت 4 أغسطس، أن “حزبا سياسيا أقدم يوم الجمعة، 3 أغسطس بشارع الحبيب بورقيبة، (أحد أكبر وأشهر شوارع العاصمة تونس) على خرق القانون بالخروج عن سياق الترخيص المسند له، وذلك بتوظيفه أداء الصلاة بالطريق العام ضمن تظاهرته السياسية”.

وذكرت الوزارة في بيانها، تمسكها بضمان الحريات الدستورية والقانونية المتعلقة بحرية التعبير داعية كافة الأحزاب ومكونات المجتمع المدني إلى وجوب الالتزام بالقوانين المعمول بها، وأشارت الوزارة أنها اتخذت كل الإجراءات لملاحقة المخالفين.

ويُذكر أن حزب “تيار المحبة” الذي يتزعمه الهاشمي الحامدي، وهو شخصية محسوبة على التيار الإسلامي، كان نظم مسيرة دعا فيها إلى سحب تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، لكونه “يتعارض مع مبادئ الإسلام” حسب زعمه، وأقدم مناصروه على أداء الصلاة بشارع بورقيبة في مشهد غريب انتقدته جل الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية التي أكدت أن هذه الممارسات غير المسؤولة “أعادتنا إلى المربع الأول” في إشارة إلى حالات الفوضى والتغول الأصولي والانفلات الأمني أيام حكم الترويكا.

انقسم ناشطون تونسيون على مواقع التواصل الاجتماعي بين رأيين، اعتبر الأول أن الصلاة في الشارع حرية شخصية وأن في التركيز على موضوع الصلاة دون الاهتمام بمضمون الاحتجاج على تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة نوعا من الإلهاء وتوجيه الرأي العام. ويقول مناصرو حزب “تيار المحبة” من ذوي التوجهات الإسلامية: إذا ما كان فتح المقاهي في رمضان مندرجا في خانة الحريات الفردية كما يقول اليساريون، فلماذا الاستغراب من أداء الصلاة في شارع الحبيب بورقيبة؟ ويتابع “هذه الوقفة الاحتجاجية تعبر عن الرأي المخالف فلماذا يقع تهميشها؟”.

وفي المقابل عبّرت شريحة كبيرة من الشارع التونسي عن رفض ما قام به أنصار حزب “تيار المحبة” سواء من خلال الشعارات العنيفة المحرضة على الكراهية في نظرهم أو في توظيف الصلاة في الفعل السياسي. وطالب النائب في البرلمان ماهر مذيوب، في هذا السياق بضرورة توفير الحماية لرئيسة لجنة تقرير الحريات الفردية والمساواة، بشرى بلحاج حميدة، وكافة أعضاء اللجنة.

رفض هذه “الحركة الاستعراضية” كما سماها البعض، شمل حتى رجال دين إذ رأى متخصصون وعلماء زيتونيون أن الصلاة في قارعة الطريق “منهيّ عنها في الشريعة، لما فيها من التضييق على الناس، وإشغال المصلي نفسه لقلة الخشوع”.

وبعيدا عن الحالة التونسية في مسألة إشغال الفضاءات والشوارع العامة بصلوات ومسيرات ذات طابع ديني، وبصرف النظر عن أسباب مباشرة كالاحتقانات السياسية والصراعات الحزبية الداخلية، فإن دولا إسلامية وغير إسلامية، عازمة اليوم على حسم أمرها، سواء كان في إطار مسيرات إصلاح وتحديث كما هو الشأن بالنسبة للمملكة العربية السعودية أو امتثالا لقوانين محاصرة التطرف ونبذ العنف ومحاربة الإرهاب. ففي السعودية لا يزال قرار إغلاق المحلات التجارية في السعودية خمس مرات يوميا، بحجة أداء الصلوات، أمرا محيرا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، إذ يتوقع غالبية السعوديين والمقيمين أيضا أن لا يستمر تطبيق هذا القرار طويلا كونه لا يتعارض مع الدين أولا، بالإضافة إلى أنه مكلف اقتصاديا للكيانات التجارية وغير ذلك فهو مربك اجتماعيا ويشوه المنظر العام ببقاء الناس خارج المحلات بينما تتكدس العمالة بالداخل دون أن يؤدي الطرفان الصلاة.

تقنين المسألة الدينية وربطها بدور العبادة بصفة حصرية، يشمل دولا كثيرة ليست بالضرورة من الديمقراطيات الغربية العريقة، ففي روسيا وافق الرئيس فلاديمير بوتين، على مجموعة قوانين تحد النشاطات التبشيرية ونشر تعاليم الإنجيل خارج أماكن العبادة والكنائس. وذلك على الرغم من اعتراضات وصلوات العديد من القادة الروحيين ومنظمات حقوق الإنسان.

وبالعودة إلى تونس، الديمقراطية الناشئة، رأى الكثير من الحقوقيين أن مهاجمة عمل لجنة الحريات الفردية والمساواة، من طرف التشكيلات الإسلامية على مختلف أنواعها، يعبر عن تكلس فكري وتوظيف سياسي مدان. واستحسنت العديد من الأطراف الحقوقية والسياسية قرار وزارة الداخلية التونسية ملاحقة المخالفين من أنصار حزب “تيار المحبة” الذين خرقوا الترخيص المسند إليهم من تظاهرة سياسية إلى توظيف ديني، وهو ما يفترض أن يعاقب عنه القانون في تونس.

اقرأ أيضا

صلاة في الشارع الرئيس: التدين المتوتر

علمانيون يحتجون على نتائج أخطائهم

13