الصمت لغة لا تتحدثها النساء

الاثنين 2014/11/10

الصمت.. هو الضريبة التي يدفعها الأزواج، مقولة قالها صديق والدي منذ سنوات حين سألته عن سبب صمته في جميع الزيارات العائلية، كنت صغيرة على أن أفهم أن النساء يلتجئن للكلام للخروج من حالات الحزن، ويفضّلن البوح لحل كل مشاكلهن، فالكلام عند المرأة علاج نفسي في صورة تفريغ شحنات الغضب.

كانت زوجته الجميلة تجهر بالشكوى دائماً، وحين ترد عليها إحدى النساء تقول “اسمعيني ولا تقاطعيني”، تقولها بحرقة مبالغ فيها. فقط تبحث طوال الوقت عن أذن تصغي لها، وليست نصائح مصوّبة تجاه آذانها.

لم أكن ألتقيها إلا وفمها يتحرك بالكلام، تتصيد فريسة تصغي لأوجاعها، ولأن كل النساء يتُقْن لمن يستمع إليهن، فقد كانت غرفة الاستقبال بمنزلنا أشبه بقفص الببغاوات، كلهن يتحدثن معاً بصوت مرتفع فلا تفهم أية واحدة منهن شكوى الأخرى حتى إنه بعد انتهاء الجلسة كنت أسأل والدتي: ما هي مشكلة “هذه المرأة أو تلك”، ترد بإيماءة رأس: لا أعرف فقد كنا جميعاً نتحدّث، ولكن الغريب أن هؤلاء النسوة كنا يخرجن من هذه الجلسة بنتائج إيجابية جدا، وأكثر راحة نفسية بعد ثرثرتهن لآذان لا تسمع.

وأنا على مشارف المراهقة كنت أقرأ كثيراً حتى بات الكتاب صديقي ولأنه لا يسمع كنت بحاجة إلى أذن، وزميلات الدراسة لديهن نفس الحاجة الملحة فلم أجد ضالتي عندهن فلجأت لأذن أخي الأكبر وللحق هو مستمع جيد، ظللت أتحدث إليه حتى تزوج، خسرت أنا من يسمعني، واستجاب هو لثرثرة جديدة.

ظلت غادة تتحدث ثلاث ساعات دون توقف، وزوجها غارق في صمت قاتل.. تصرخ، تستطرد في الشرح تنثر أوجاعها وآلامها على مسامع الجميع، أقسى ما يؤرقها هو صمت زوجها، فصفعته بطلب الطلاق عله يخرج من صمته حتى ولو صفعها هو الآخر بقبول طلبها، ظلت تردد كلمة واحدة فقط “إتكلم، إتكلم، إتكلم..”. وحين تحدث ببضع كلمات انتهت المشكلة من أساسها.

أدركت وقتها أن المرأة دائماً ما تفكر بصوتٍ عالٍ لذا فهي شديدة الخوف من صمت الرجل، فلو كسرت حالة صمته كلمة واحدة حلت كل مشاكلهما معاً، وربما عادت لحياتها أفضل مما كانت.

هو يبحث عن الحرية والتجديد والتقدم والقفز لأعلى درجات السلم الاجتماعي والترقي الوظيفي، وهي تبحث عن مجرد التعبير عن أوجاعها، الرجل يريد أن يمسك بنجوم السماء والمرأة تريد أن تفضفض لمن يحس بأوجاعها.

تعجبت من زوجة طبيب مشهور يقضي معظم وقته خارج البيت، تستخدم خادمة “صماء”، فأزالت علامات استفهامي بكونها أقرب أفراد الخدم إلى قلبها، لأنها الوحيدة التي تبوح لها بكل الأسرار والأوجاع، تهرب معها لخارج نفسها، وتضمن ضماناً كاملاً عدم مقاطعتها أثناء الحديث، تمسكت بها بشدة، ورفضت تبديلها بأخرى، لم تكن تريد خسارة متنفسها الوحيد للبوح حتى وإن كانت أذناً لا تسمع. الصمت لغة الرجال وعذاب النساء، وهو اللغة التي لا تتحدثها النساء.

21